كيف أكون حسن الظن بالله لأحقق الطمأنينة في حياتي؟

2026-09-15 02:47:19 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أعاني من قلق شديد ومتكرر تجاه المستقبل، ويتداخل معه الخوف من الموت، والخوف من فقدان الأهل والأحبة، والخوف من وقوع المصائب والأحداث التي قد تغيّر حياتي، أو تمنعني من الوصول إلى ما أطمح إليه.

وأشعر أن هذه المخاوف تؤثر في قدرتي على الاستمتاع بحياتي وحاضري؛ لأنني كلما فكرتُ في المستقبل، سرعان ما أتذكر احتمالية أن يحدث شيء سيئ يمنعني من الوصول إلى أهدافي أو الاستمتاع بما أسعى إليه.

فمثلًا، لديَّ أهداف وطموحات في دراستي وحياتي، أريد أن أتعلم، وأن أتخرج بمعدل جيد، وأحصل على الشهادة، ثم أجد وظيفة جيدة، وأنجح وأحقق ما أطمح إليه، لكن بدلًا من أن أستمتع بالسعي نحو هذه الأهداف، يأتيني خوف دائم من أن أموت قبل أن أحققها، أو أن أبذل سنوات من الجهد والتعب، ثم تحدث مصيبة تمنعني من جني ثمار هذا الجهد.

وأحيانًا أشعر أن السعي نفسه قد يكون عبثيًّا؛ لأنني مهما خططتُ واجتهدتُ، لا أملك ضمانًا بأنني سأصل إلى ما أريده.

ولا يقتصر الأمر على أهدافي الشخصية، بل يمتد أيضًا إلى خوفي على أهلي وأحبتي، فأتمنى أن أعيش معهم سنوات طويلة، وأن أراهم بخير، لكن مجرد التفكير في المستقبل يجعلني أخاف من احتمال فقدان أحدهم، أو وقوع مصيبة لنا، فأشعر وكأنني أعيش في حالة ترقُّب دائم، فإذا فرحت بشيء أو خططتُ له، أفكر مباشرة في احتمال أن أفقده، وإذا وضعتُ هدفًا، أخاف من أن أموت قبل تحقيقه، أو أن يحدث شيء يمنعني منه.

ومن هنا تأتي مشكلتي مع مفهوم حسن الظن بالله واليقين به، فكثيرًا ما أسمع عن حسن الظن بالله، وعن الحديث القدسي: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي»، وأريد فعلًا أن أتعلم كيف أعيش بهذا اليقين، وأستعين بالله بدلًا من أن أعيش أسيرًا للخوف والاحتمالات.

لكن يظهر عندي إشكال: كيف أفهم حسن الظن بالله بطريقة صحيحة؟ هل يعني أن أتيقن أنني سأحصل على ما أريده تحديدًا، وأن أهدافي ستتحقق، وأنني سأعيش مع أهلي وأحبتي دون أن تقع مصائب؟

وإذا بنيتُ يقيني على هذا الفهم، ثم وقع ما أخشاه رغم دعائي وتوكلي وحسن ظني بالله، ألا يؤدي ذلك إلى خيبة أمل، وشعور بأنني خُذلت، أو أن يقيني كان خاطئًا؟

بمعنى آخر: كيف أكون حسن الظن بالله، دون أن أربط حسن الظن بأن الله سيعطيني بالضرورة النتيجة التي أريدها أنا؟ وكيف أطمئن إلى الله وأثق بحكمته ورحمته، مع الاعتراف بأنني لا أعرف ماذا سيحدث في المستقبل، وأن بعض الأشياء التي أخاف منها قد تقع فعلًا؟

وهل هناك كتب عن اليقين بالله وحسن الظن به؟

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عبد الله حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكَ –الابن الكريم– في موقعكَ استشارات إسلام ويب، وجوابي لكَ كالأتي:

• أولًا: كان النبي ﷺ يستعيذ بالله من الهم والحزن، فيقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ وَالحَزَنِ، وَالعَجْزِ وَالكَسَلِ، وَالبُخْلِ وَالجُبْنِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ». فالزم هذا الدعاء ولا تفكر في المستقبل ولا الماضي؛ لأن الوقوف مع الماضي يورث الحزن، والوقوف مع المستقبل يورث الهم غالبًا، فعش يومكَ ولا تلتفت إلى أمسٍ، ولا تنظر إلى مستقبلكَ، بل اهتم بيومكَ، وتذكر أن الله حينما يذكر الخوف والحزن في القرآن يذكرهما بالنفي، قال تعالى: {فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}.

ومما يزيد يقينكَ بالرزق الحديث الوارد عن النبي ﷺ حيث قال: «إِنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ فِي رُوعِي: أَنَّهُ لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا وَأَجَلَهَا، فَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، وَلَا يَحْمِلَنَّكُمُ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ عَلَى أَنْ تَطْلُبُوهُ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ؛ فَإِنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ لَا يُنَالُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ».

فإذا علم المسلم أن الله تعالى ضمن له استمرار الرزق حتى الممات؛ فكيف يخاف من انقطاعه؟!

وإذا علم أن الرزق ليس بيد أحدٍ، بل هو بيد الله عز وجل وحده، أيقن بالرزق وانتفى عنه الخوف، قال تعالى: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ}.

• ثانيًا: لا شك ولا ريب أن تذكر الموت وقيام الساعة يجعل الإنسان يحسن العمل، ويستعد للقاء الله تعالى، ولكن دون إفراطٍ أو تفريطٍ؛ لأن التفكير الزائد عن حده قد ينقلب إلى ضده، ويحدث للإنسان من تذكر الموت الزائد عن حده الخوف والهلع الشديد، فينقلب إلى مرضٍ يؤثر على حياة الإنسان وسلوكه في الحياة، فهذا غير مطلوبٍ، وخير الأمور أوسطها.

• ثالثًا: اعلم -ابننا الكريم- أن التفكير بالموت والخوف منه في الأصل لا يقدم الأجل ولا يؤخره، فالأجل مكتوبٌ كما قال تعالى: {وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا}.

وفي الحديث عن إحدى أمهات المؤمنين وهي أم حبيبة رضي الله عنها قالت للنبي ﷺ: يا رسول الله ادعُ الله تعالى أن يمتعني بكَ، فقال لها النبي ﷺ: «لَقَدْ سَأَلْتِ اللَّهَ لآجَالٍ مَضْرُوبَةٍ، وَأَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ، وَأَرْزَاقٍ مَقْسُومَةٍ، لَنْ يُعَجِّلَ شَيْئًا قَبْلَ أَجَلِهِ، وَلَنْ يُؤَخِّرَ شَيْئًا عَنْ أَجَلِهِ، وَلَوْ كُنْتِ سَأَلْتِ اللَّهَ أَنْ يُعِيذَكِ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ، أَوْ عَذَابٍ فِي القَبْرِ لَكَانَ خَيْرًا وَأَفْضَلَ».

فعليك بالتركيز في الأمل والطموح التي تطمح إليها من الدراسة، أو العمل، أو تقوية علاقتكَ لأسرتكَ والمجتمع من حولكَ في إطار الشرع الحكيم، ولا تلتفت إلى ما يصاب به الإنسان في أقاربك، فذلكَ من علم الغيب الذي لا ينبغي الانشغال به.

• رابعًا: هذا الخوف من الموت والمستقبل الغائب الذي أصابكَ بسبب وساوس الشيطان التي يوسوس لكَ بها من أجل أن يفسد عليكَ حياتكَ اليومية، فعليك الإكثار من قراءة القرآن حتى يشرح الله صدركَ، وعليك الإكثار من الذكر مع المحافظة على الصلوات الخمس والواجبات الشرعية، وخاصةً قراءة القرآن الكريم، فقد جعل الله فيه الشفاء وشرح الصدور كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ}.

وننصحكَ بحسن إدارة الوقت اليومي في حياتكَ، فهذا من أهم المهمات؛ إشغال النفس بالحياة، وعدم الإكثار من التفكير بالموت التفكير الذي ينقلب إلى مرض وسوسةٍ، وعلق قلبكَ بالله سبحانه وتعالى الذي بيده مفاتيح الخير.

• خامسًا: وأما سؤالكَ كيف تحسن الظن بالله؟ فالجواب قد ورد في الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: قَالَ اللَّهُ: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي»، ومعنى (حسن الظن بالله تعالى) أن يظن أنه يرحمه ويعفو عنه كما قاله النووي رحمه الله.

وقال بعض أهل العلم: معنى الحديث: أجازيه بحسب ظنه بي، فإن رجا رحمتي وظن أني أعفو عنه وأغفر له فله ذلكَ؛ لأنه لا يرجوه إلا مؤمنٌ علم أن له ربًّا يجازي، وإن يئس من رحمتي، وظن أني أعاقبه وأعذبه فعليه ذلكَ؛ لأنه لا ييأس إلا كافرٌ.

وقال البعض: «ظَنِّ عَبْدِي بِي»: ظن الإجابة عند الدعاء، وظن القبول عند التوبة، وظن المغفرة عند الاستغفار، وظن المجازاة عند فعل العبادة بشروطها تمسكًا بصادق وعده.

وتحقيق حسن الظن بالله يكون بأمورٍ:
• منها: معرفة أسماء الله وصفاته.
• ومنها: اجتناب المنكرات، وإذا أتى الإنسان معصيةً تاب وظن أن الله سبحانه سيقبل توبته.
• ومنها: معرفة كرم الله، وأن خزائن السماوات والأرض بيده، وأن عطاءه لعباده لا ينقص مما عنده شيء، وأن منعه ليس لبخلٍ -حاشاه- إنما هو لحكمةٍ يعلمها سبحانه، كما قال عز وجل في الحديث القدسي:
«يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلُونِي، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ المِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ البَحْرَ، يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ».
وكما قال ﷺ: «يَدُ اللَّهِ مَلْأَى لاَ تَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ».

فكل هذه المعاني تجعل الإنسان حسن الظن بربه.

وختامًا: أسأل الله أن يشفيكَ من هذه الوساوس، وأن يلهمكَ رشدكَ، آمين.

www.islamweb.net