بين رغبة الزوج في التعدد وطلب المرأة الطلاق.. نظرة تأمل
2026-09-14 23:34:59 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أريد أن أستشيركم في موضوع يخص حياتي الزوجية، وأرجو توضيح الحكم الشرعي في حالتي بالتحديد؛ لأن الأمر سبب لي ضيقًا شديدًا، وأخشى أن أتصرف بطريقة خاطئة دينيًّا.
أنا متزوجة منذ ست سنوات، وزوجي يحبني وأحبه، وبيننا مودة واحترام، ولدينا ثلاثة أطفال صغار. منذ فترة أخبرني زوجي أنه ينوي الزواج بامرأة ثانية مستقبلًا، بعد سداد ديونه، وهو مصرٌّ على الفكرة، وهناك امرأة معينة يفكر فيها، ومنذ ذلك الوقت كثرت المشاكل بيننا، وأشعر أن استقرار بيتنا قد انهدم.
أنا أعلم أن التعدد مباح شرعًا، ولا أقول إنه حرام، ولا أعترض على حكم الله، لكنني أشعر أنني نفسيًّا لا أستطيع العيش مع ضرة، وعندما أخبرته بذلك قال إنني أعارض الشريعة، وإنني قليلة الدين، فزاد ذلك من ألمي وحيرتي!
قلت له: إن تزوجت، فلن أستطيع الاستمرار معك كزوجة بشكل طبيعي، وإن أمامي حينها إما الطلاق، وإما أن أبقى من أجل الأولاد فقط؛ لأنني لا أستطيع تحمّل الحياة الزوجية مع وجود امرأة أخرى. ومنذ أن أخبرني برغبته تلك، أشعر بالقهر وفقدان الأمان والثقة، وأحيانًا أشعر بالنفور منه، رغم أنني ما زلت أحبه، وأصبح تفكيري في الأمر يؤثر على نفسيتي واهتمامي بأطفالي.
لذلك أريد معرفة الحكم في حالتي:
1. هل عدم قدرتي النفسية على تقبّل زواجه، مع اعتقادي بأن التعدد مباح، يُعد اعتراضًا على الشرع أو نقصًا في الدين؟
2. هل يجوز لي طلب الطلاق إذا أصر على الزواج، وأنا أعلم أنني لا أستطيع العيش مع ضرة؟
3. إذا تزوج فعلًا، فهل يجوز لي طلب الطلاق أو الخلع بسبب عدم قدرتي على تحمّل ذلك، والأذى النفسي الذي أشعر به، حتى لو كان يعدل في النفقة والمبيت والمعاملة؟
4. هل يجب عليَّ شرعًا أن أتقبل الأمر نفسيًّا، وأن أستمر في الحياة الزوجية طبيعيًّا إذا تزوج، أم أن عدم قدرتي على ذلك أمر معتبر؟
5. هل هناك فرق بين قول: «التعدد حرام»، وبين قول: «التعدد حلال، لكنني لا أستطيع أن أعيش كزوجة لرجل متزوج من أخرى»؟
6. هل يحق لزوجي أن يصفني بقلة الدين أو معارضة الشريعة، لمجرد أنني أتألم من فكرة زواجه، ولا أستطيع تقبّلها؟
أرجو جوابًا واضحًا ومفصلًا عن حالتي، وليس مجرد بيان حكم التعدد بشكل عام.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ نور حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بكِ -ابنتنا الكريمة- في استشارات إسلام ويب، نسأل الله تعالى أن يديم الفضل والمودة بينكِ وبين زوجكِ، ويحفظ لكما بيتكما، ويُقدِّر لكما الخير.
نحن ندرك –أيتها البنت الكريمة– مدى الغَيْرة التي تحصل للمرأة إذا تزوج زوجها، فهذا أمرٌ فطريٌّ خلق الله تعالى المرأة عليه، ولا تطالب المرأة بأن تنزع من نفسها هذا الشعور؛ فلا يكلف الله نفسًا إلَّا وسعها، ولا يكلف الله نفسًا إلَّا ما آتاها.
وقد كان النبي ﷺ يُقدِّر الغَيْرة التي تصيب زوجاته؛ وقد قال في حادثةٍ وقعت لأم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها-: «غَارَتْ أُمُّكُمْ». ولا شك ولا ريب أن النساء يختلفن في مقدار هذه الغيرة؛ فبعض النساء قد تكون شديدة الغيرة، وبعضها تغار ولكنها تستطيع أن تهذب هذه الغيرة وتسيطر عليها.
فهذا أمرٌ متفهمٌ شرعًا، والذي لا يجوز هو أن ينكر الإنسان شرع الله تعالى في التعدد، والتعدد حين أباحه الله أباحه بشروطٍ، وإباحته كانت لمصلحة العباد؛ فالرجل قد ينتفع بالتعدد، والمرأة أيضًا قد تنتفع بالتعدد؛ فعندما تكثر النساء ويقل الرجال يصبح الزواج أمنيةً لكل امرأةٍ.
فإذا نظرنا إلى مصلحة المرأة المتزوجة فقط رأينا التعدد مصيبةً عليها، لكن حينما نوسع النظر قليلًا فننظر إلى مصلحة المرأة غير المتزوجة فإن المصالح حينها تتعادل، وهكذا. فينبغي النظر إلى الموضوع بإنصافٍ وتوازنٍ، وحسب الإنسان ويكفيه أنه لا يُنكر شرع الله تعالى، ولا يُنكر ما أهله الله تعالى لعباده، وهذا أنتِ قد وُفقتِ له -والحمد لله تعالى-؛ فأنتِ لا تنكرين جواز التعدُّد ولا أن التعدُّد حلالٌ، ولكن ترين من نفسكِ عدم القدرة على تحمل أن تكوني ضرةً لأخرى.
فإلى هنا أنتِ لم تقعي في إثمٍ، ولا يعني هذا قلة دينٍ منكِ، ولا ينبغي لزوجكِ أن يصفكِ بهذه الأوصاف، ولكنه ربما فهم منكِ أنكِ تعارضين أصل المشروعية للتعدد.
أمَّا عن الأسئلة الأخرى كلها: هل تصرين على الطلاق لو تزوج زوجكِ؟
فنصيحتنا لكِ أولًا ألَّا تُحزني نفسكِ كثيرًا بالإجابة عن هذه التوقعات قبل أن يقع هذا الزواج؛ فأنتِ لا تدرين ما الذي يخبئه القدر غدًا، فلا تحزني كثيرًا من الآن، ولا تستعجلي الهموم، ربما كانت هناك أمورٌ مزعجةٌ مستقبليةٌ فلا تستعجليها وتعيشيها اليوم، عيشي يومكِ الذي أنتِ فيه، وحاولي أن تُسعدي نفسكِ وتُسعدي زوجكِ وأطفالكِ بهذا اليوم الذي أنتِ فيه، وحاولي أن تنسي فكرة أن زوجكِ سيتزوج في المستقبل.
وبهذا تحسنين إلى نفسكِ إحسانًا كبيرًا، وتحسنين إلى زوجكِ وإلى أولادكِ، وتُريحين نفسكِ من عناءٍ شديدٍ هو غير موجودٍ، أسبابه غير موجودةٍ، والعقل يقتضي ويطلب من الإنسان ألَّا يستعجل الهموم المستقبلية فيعيشها في ساعته الآن، هذا أولًا.
ثانيًا: حاولي الآن أن تتقربي من زوجكِ بشكلٍ أعمق وأكثر، وبدلًا من أن تشعري بالنفور منه حاولي أن تتبعَّلي له بشكلٍ أشد ممَّا كان عليه الحال من قبل، وحاولي الاعتناء والاهتمام به بشكلٍ أكثف، فربما يصرف الله تعالى قلبه عن التفكير في الزواج، وعلى كل تقديرٍ فأنتِ حينما تفعلين هذه الأشياء -إذا فعلتها بنية أداء حق الزوج والحفاظ على بيتكِ-؛ فإنها ستصير عباداتٍ أنتِ تؤجرين عليها.
هذا هو الشيء النافع الآن الذي ينبغي أن تهتمي به، والرسول -عليه الصلاة والسلام- يقول: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلاَ تَعْجِزْ».
أمَّا في حالة ما إذا تزوج زوجكِ بعد ذلكَ في المستقبل؛ فلا ينبغي أن تتصوري أن وقتها سيكون حالكِ على ما تتصورينه الآن؛ فهذا التصور غير مطابقٍ للواقع، وأنتِ غير جازمةٍ بأنه سيكون الأمر كذلكَ، فما يُدريكِ أنكِ لن تستطيعي العيش؟ وما يدريكِ أنكِ لن تستطيعي تقبل هذا الوضع؟ فالله تعالى يُنزِّل من الألطاف السماوية بالإنسان حينما يُصاب بشيءٍ يحزنه، يُنزِّل عليه من الألطاف ما يهون عليه هذا الحزن، ويخفف عنه هذا المصاب، فلا تظني أبدًا أنكِ ستعيشين حياةً غير محتملةٍ وأنكِ لا تستطيعين التحمل.
لكن لو قُدّر أن الإنسان وقع في تلكَ الحالة الافتراضية التي أنتِ الآن تفترضينها؛ فحينها لكل حادثةٍ حديثٌ، والشرع الإسلامي شرعٌ منصفٌ جاء بالعدل؛ فإن الله تعالى كما قال في كتابه: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ}، وحين أعطى الزوج حقوقًا أعطى المرأة أيضًا حقوقًا مقابلةً؛ فإذا كرهت المرأة الزواج، وخشِيت أن تقع في محرماتٍ في تقصيرٍ في حق الزوج أو الوقوع في بعض المعاصي، أو وصل بها حدٌّ من الضرر لا تستطيع أن تتحمله؛ ففي هذه الأحوال رخص لها الشرع في أن تطلب الطلاق لترفع عن نفسها هذا الضرر.
لكننا نؤكد ثانيةً أننا لا نأمل أبداً أن تصلي إلى هذا الحال، ثم لا نتوقع -إن شاء الله تعالى- أن يتزوج عليكِ زوجكِ؛ فأريحي نفسكِ أولًا، وهدِّئي بالكِ، وانصرفي إلى الاهتمام بحياتكِ في هذه الساعة التي أنتِ فيها.
نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يُقدِّر لكِ الخير حيث كان.