كيف أتعامل مع أمي التي تسيء إليّ وتنقل عني كلامًا غير صحيح؟

2026-09-10 02:00:41 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم.

أطلب نصيحة للتعامل مع أمي؛ فهي منذ أن كنت صغيرة وحتى الآن تؤذيني، وأكثر ما كان يؤلمني أنها كانت دوماً تعيّرني بأصل أبي الذي ينحدر من عائلة ريفية بسيطة.

الآن يبلغ عمري 40 عاماً، وأنا متزوجة، ولدي طفل، وأحاول أن أصلها، ولكن ما لا أستطيع أن أصبر عليه هو أنها كانت منذ صغري وما زالت تقول للناس على لساني ما لم أقل أو أفعل؛ وقد سبّب لي ذلك مشاكل ونفوراً من الآخرين؛ فإما أن يأتوني ليعاتبوني، أو تحدث الرواية الكاذبة أمامي، فصرتُ أُكذِّبُها؛ لأن ما تقوله عني يؤذيني ولا أطيقه، كما أنه غير صحيح مطلقاً، فتغضب، وتتهمني بالعقوق.

أنا لا أفهم سبب كذبها المتواصل، وغير المبرر، ولو كانت الكذبة غير مؤذيةٍ لَصمتُّ ولم أتدخل، ولكن الكذب الذي يضر بصورتي لا أطيقه، وأنا أشعر بضيقٍ شديد؛ فبماذا تنصحونني؟


الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ نوار حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ -أختي الفاضلة- في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله أن يلهمنا وإياكِ السداد والرشد في القول والعمل.

بدايةً، نهنئكِ على سعيك للبر بأمكِ، وحرصكِ على طاعتها، وهذا من أعظم القربات والطاعات، ومع كل هذا فإن الأم والأب بشر؛ تعتريهم أوجه النقص، والتقصير، والاندفاع، وقد تصدر منهم بعض السلوكيات السلبية؛ إما بسبب جهل، أو حرص زائد، أو ثقافة تأصلت فيهم، أو بسبب أعباء الحياة وضغوطها، فكونهما والدين لا يعني عصمتهما من الزلل أو الخطأ في التربية.

ولكن مع وجود هذا التقصير عند بعض الآباء والأمهات، فإنه ليس مسوّغًا للعصيان، أو الإساءة إليهما، أو العقوق؛ فقد ذكر الله تعالى في كتابه: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ۝ وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ۚ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فتأملي -أختي الفاضلة- قوله تعالى: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ﴾، أي: بلغا في محاولة حملك على الشرك غاية الجهد، مع التكرار والإصرار، ومع ذلك قال سبحانه: ﴿فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾، فأمر بصحبتهما بالمعروف حتى مع هذا الأمر العظيم.

وجاء في حديث أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنهما- أنها قالت: "قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، قُلْتُ: وَهِيَ رَاغِبَةٌ، أَفَأَصِلُ أُمِّي؟ قَالَ: "نَعَمْ، صِلِي أُمَّكِ" فأمرها النبي -صلى الله عليه وسلم- بصلة أمها رغم كونها على غير الإسلام، وهذا يدل على عِظم حق الوالدين، وأن البر والصلة لا يسقطان بسبب ما يقع منهما من أخطاء أو حتى بسبب اختلاف الدين.

أختي الكريمة، من هذا يتبين أنه من المهم جدًا أن تفرقي بين حق البر والصلة الذي لا ينقطع؛ لأنها أمكِ، وأقرب الناس إليكِ، وبين الأخطاء والانحرافات التي تحدثتِ عنها، فلا تخلطي بين الأمرين، ولا بد في تعاملكِ معها -ما دمتِ ترغبين في رضا الله، وتجتهدين في طاعته- أن تتعاملي مع أمكِ وفق هذا المنهج.

وحتى نساعدكِ في وسائل التعامل مع الجانب السلبي من تصرفاتها، نقدم لكِ بعض النصائح:

أولًا: أهمية الدخول في حوار صريح وواضح مع والدتكِ؛ بأن تختاري أفضل الأوقات التي تشعرين فيها أن أمكِ في أحسن حالاتها، ثم تحدثي معها بطريقة لا لوم فيها ولا اتهام، ووضحي لها أثر هذا الكلام في نفسيتكِ، وحياتكِ، وسمعتكِ، وحاولي أن تعرفي سبب هذه التصرفات ودوافعها، وبيني لها أثرها عليكِ بوضوح وهدوء، فربما كان كثير من هذه الأفعال صادرًا عن جهل، أو حرص شديد، أو سوء فهم لبعض المواقف، أو تفسير مندفع لها، ونحو ذلك، والمقصود هنا أن تحاولي الوصول إلى أصل المشكلة، لا أن يتحول الحوار إلى محاكمة لها أو تبادل للاتهامات.

ثانيًا: بادري إلى تلطيف الأجواء بينكِ وبين والدتكِ؛ وذلك من خلال إعطائها اهتمامًا أكبر، وتقديم الهدية إليها، والثناء عليها أمام الناس، وإظهار محبتكِ لها، فمثل هذه السلوكيات قد تخفف كثيرًا من التوتر القائم بينكما، والذي قد يكون سببًا في صدور بعض الكلمات أو الاتهامات في غيبتكِ أو حضوركِ، ولا تستهيني بأثر الإحسان المتكرر في تغيير النفوس؛ فربما كان ما تعجزين عن تغييره بالنقاش، يتغير شيئًا فشيئًا بحسن المعاملة ودوام الإحسان.

ثالثًا: الاستعانة بمن تثقين بهم؛ بأن تبحثي عن شخص من محارمكِ المقربين من أمكِ، كخالكِ مثلًا، أو ممن له مكانة كبيرة عندها وتسمع منه وتثق برأيه، واشرحي له الأمر بهدوء، ليتولى هو التدخل بطريقة مناسبة، ويبين لوالدتكِ أثر كلامها عليكِ وتضرركِ منه، وأحيانًا يكون الكلام من شخص آخر أكثر قبولًا، وأبعد عن الحساسية التي قد تنشأ بين الأم وابنتها أثناء النقاش المباشر.

رابعًا: اجعلي أفعالكِ تتحدث عنكِ؛ كل ما ينقل عنكِ من أمور سيئة، أو إشاعات، أو اتهامات، حاولي أن تبادري إلى إظهار خلافها بالفعل، فإذا قيل عنكِ شيء أمام أحد، فلا تجعلي همكِ الدخول في جدال طويل للدفاع عن نفسكِ، وإنما دعي سلوككِ وأفعالكِ تتحدث عنكِ، ويمكنكِ أن تظهري هذا الأمر أمام من نُقل إليه الكلام، ليشاهد بنفسه خلاف ما قيل، ويشعر أن هناك مبالغة، أو خطأ، أو افتراء، ومع مرور الوقت، يكون الواقع العملي أقوى من كثير من الكلام، وربما كان ذلك سببًا في إيقاف مثل هذه السلوكيات أو الحد منها.

خامسًا: التذكير بحرمة الكذب، وخطورة الافتراء؛ فمن المهم جدًا أن تعرف والدتكِ حرمة الكذب، حتى لو كان على الأبناء، وأن تُذكَّر بالله تعالى وخطورة الظلم والافتراء على الناس، ويمكن أن يكون ذلك بالنصيحة الهادئة المباشرة، أو عن طريق أشخاص لهم مكانة عندها وتقبل منهم، أو من خلال اصطحابها إلى بعض المحاضرات والدروس الدينية، التي تتحدث عن خطورة الكذب والظلم والغيبة والافتراء، حتى تعرف خطر ما تقوم به وآثاره على نفسها وعلى من حولها، لكن احرصي أن يكون التذكير بعيدًا عن أسلوب التشهير، أو المواجهة التي تجعلها تشعر أنكِ تحاولين إدانتها؛ لأن المقصود هو الإصلاح، وليس الانتصار في الموقف.

أختي الكريمة: الله تعالى أخبرنا أن طاعة الوالدين ليست طاعة مطلقة، وإنما هي طاعة في المعروف؛ فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق؛ فإن صدر منها ظلم لكِ، أو أمر بفساد، أو تعدٍّ بغير حق، فلكِ دفع ذلك بالمعروف، دون تجاوز للحد أو مقابلة الخطأ بخطأ مثله.

وفي المقابل، فإن الصبر واحتساب الأجر في مقابلة الإساءة بالإحسان له مقام عظيم عند الله تعالى، وليس معنى كونكِ متضررة من بعض تصرفات أمكِ أن تتخلي عن برها، أو أن تقابلي إساءتها بالإساءة.

لذلك فإن بيان الخطأ الذي يحدث من أمكِ، وتذكيرها بحرمة الافتراء عليكِ، والمطالبة بحقكِ في ألا تُظلمي، ليس من العقوق، ولكن في نفس الوقت أهمية الحرص على أن يكون كل ذلك مصحوبًا بحسن العشرة، وعدم الإساءة إليها، والسعي إلى إصلاحها لا إلى الانتقام منها.

أكثري من الدعاء والتضرع إلى الله تعالى أن يصلح ما بينكِ وبين أمكِ، وأن يهديها، ويعينكِ على برها، وحسن التعامل معها، وفي الوقت نفسه، لا تبقي أسيرة لهذا الهم، ولا تجعلي تصرفات والدتكِ تستولي على تفكيركِ وتفسد عليكِ حياتكِ.

بادري إلى ما ينفعكِ، ويرتقي بكِ قولًا وعملًا، وأشغلي وقتكِ بما يفيدكِ، وشاركي في الأعمال والأنشطة التي تنفعكِ وتعينكِ على تجاوز هذا الواقع؛ حتى لا يسيطر عليكِ هذا الأمر، ويؤثر في حياتكِ، ونفسيتكِ، ومستقبلكِ.

وفقكِ الله، ويسر أمرك.

www.islamweb.net