استهزاء الناس بسبب موت المؤمنين حرقاً أحزنني
2026-09-10 01:22:01 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
في هذه الحرائق التي حدثت في بلدتنا، عدد كبير من الناس ماتوا حرقًا، وعندما انتشرت مقاطع فيديو لهم وهم محاصرون بالنار، ويطلبون الغوث من الله ويُكبّرون، قام العديد من الأشخاص بالاستهزاء بهم، قائلين لهم: "إن التكبير لن ينفعهم".
لقد أثّر هذا في نفسي كثيرًا، وجعلني أتساءل: لماذا لم ينقذهم الله؟
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ فوزي حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بكَ أخي الكريم في استشارات إسلام ويب، نشكر لكَ تواصلكَ بالموقع.
وبدايةً نقول: عظَّم الله أجرنا وأجركم بهذا المصاب الكبير، ونسأل الله تعالى أن يرحم هؤلاء الموتى، وأن يتقبَّلهم في الشهداء؛ فقد قال النبي ﷺ: «وَالْحَرِيقُ شَهِيدٌ»، فنسأل الله تعالى أن يكتب لهم أجر الشهادة.
ونبدأ -أيها الحبيب- بالإجابة عن آخر سؤالكَ، وهو: لماذا لم ينقذهم الله تعالى؟ وينبغي عند الإجابة عن هذا السؤال أن ندرك تمام الإدراك -أيها الحبيب- أن الله -سبحانه وتعالى- له الحكمة البالغة، فهو لا يفعل شيئًا عبثًا، ولا يُقدِّر شيئًا سدًى، بل له من وراء ما يُقدِّره حِكَمٌ قد تظهر لنا أحيانًا، وقد تخفى علينا أحيانًا كثيرةً.
والله سبحانه قد يُقدِّر على بعض عباده بعض المصائب الكبيرة؛ لحكمٍ من هذه الحكم، منها أنه يريد أن يُوصلهم إلى مراتب عاليةٍ ما كانوا سيصلون إليها بأعمالهم، ولهذا قدَّر -سبحانه وتعالى- للشهيد أن يستشهد على يد كافرٍ يقتله.
وقدَّر -سبحانه وتعالى- على بعض أحبابه وأوليائه مصائب كبيرةً من هذا الجنس وزيادةً، وأنتَ تقرأ في القرآن في سورة البروج كيف يحكي الله -سبحانه وتعالى- فعل الظالمين بالمستضعفين المؤمنين المساكين؛ يُلقونهم في النار، ويقتلونهم حَرْقًا، ويضحكون، ويلعبون؛ كما قال الله عز وجل: {وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ}، ومع ذلك، قد ينظر الناظر إلى هذا المشهد، فيرى شيئًا قد يستغربه: لماذا يرى الله -سبحانه وتعالى- كل هذا ولم ينقذ هؤلاء المساكين من ظلم هؤلاء الظالمين؟
وهكذا قُل في سائر هذا النوع من المشاهد المحزنة، ولكن لله -جل شأنه- حكمةٌ بالغةٌ فيما يُقدِّره على عباده، ولهذا قدَّر -سبحانه وتعالى- مثل هذه الأقدار، لكن نحن ننظر فقط إلى اللحظة الحالية، ولا ندرك ما وراء هذه اللحظة، هذا من جهةٍ، ومن جهةٍ ثانيةٍ ننظر في مثل هذا الحادث إلى إحراق الجسد بالنار، ولكننا لا ننظر إلى ما وراءه من العاقبة الحسنة التي قد يكون الله تعالى قدَّرها لهؤلاء الناس، ويكفي أن نقرأ قول الله تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}، وصدق الله: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}.
أمَّا ما ذكرته من استهزاء بعض الناس بهذه المشاهد؛ فهذا شيءٌ مؤلمٌ؛ لأنه وإن صدر من إنسانٍ مخالفٍ لهم في دينهم أو في اعتقادهم؛ فإنه لا ينبغي أن يصدر مثل هذا من إنسانٍ سويٍّ، فهذا مخالفٌ -قبل أن يكون مخالفًا للدِّين-، فإنه مخالفٌ للمروءة الإنسانية، ومخالفٌ للرحمة التي جعلها الله تعالى في قلوب من شاء من عباده.
أمَّا قولهم إن التكبير لا ينفعهم، ويقولون هذا على سبيل السخرية؛ فقد أجرموا جرمًا عظيمًا، وأخطؤوا خطأً كبيرًا، فالإنسان لا يعلم ما بين هؤلاء الموتى وما بين ربهم، ولا يعلم كيف كانت خاتمتهم، ولا ما كتب الله تعالى لهم من الأجر والرحمة، فكيف يجزم بأنه لم ينفعهم ذلك التكبير؟ هو قصر نظره على مجرد الإنقاذ من النار، ولكنه لا يدري ما وراء هذا المشهد، وهو لا يدري كذلك حكمة الله تعالى من وراء ما يقدره، فهذا عنوان جهله بنفسه، وعنوان جهله بربه، وعنوان جهله بما حوله. فنسأل الله تعالى أن يهدي هؤلاء، ويردهم إلى الحق ردًّا جميلًا.
أمَّا الدعاء؛ فإن الله -سبحانه وتعالى- يستجيب لعبده المؤمن دعاءه واستغاثته، ولكن ليس بالضرورة أن تكون الإجابة في إعطائه نفس الشيء الذي طلبه؛ كما أخبرنا بذلك رسولنا ﷺ، فقد يُعطيه الله ما يطلب، وقد يدفع عنه من الضر مثل ما سأل، وقد يَدَّخِر له ثواب مسألته هذه إلى الدار الآخرة، ولله -سبحانه وتعالى- في ذلك أيضًا الحكمة البالغة.
نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يرحم هؤلاء الموتى، وأن يلهم محبيهم الصبر والسلوان، و{إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}.