تأخرت في الإنجاب رغم كثرة دعائي واتخاذ الأسباب، فما نصيحتكم؟
2026-09-08 01:12:30 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا كنتُ غافلةً في بداية حياتي ثم ردني الله إليه بابتلاءٍ، فلجأتُ إلى الله في البلاء، وخرجتُ من البلاء وعلاقتي بالله تحسنت كثيرًا -الحمد لله-، وتقربتُ إلى الله، وأصلحتُ حجابي إلى أن انتقبتُ، وشرعتُ في حفظ القرآن -ولله الحمد والمنة-.
لكن أموري الدنيوية معطلةٌ جميعُها؛ تزوجتُ بعد معاناةٍ وتأخيرٍ وتكرارِ الرفض من أهلي -والحمد لله- برجلٍ متزوجٍ، وحياتي معه طيبةٌ، ولم أتدخل في بيته الأول أبدًا، مع أنني أجد في نفسي صعوبةً في الاستمرار لكني أجاهد.
وبعد الزواج دخلتُ في مسألة تأخر الإنجاب.
شُخِّصتُ بسحر سلالةٍ للتعطيل والمرض، وعولجت بالرقية الشرعية فترة من الزمن، تحسنتُ -والحمد لله-، لكن ما زالت التعطيلاتُ تحيط بي من كل جانب، لزمتُ الدعاء، وتحريتُ أوقات الإجابة في مناسباتٍ عديدةٍ، وتقربتُ إلى الله، ولزمتُ الاستغفار، وقراءة القرآن، حتى إنني تركتُ أمور الدنيا، وما زالت عندي ذنوبٌ كثيرةٌ، وأنا أجاهد وأتوب ثم أقع.
راجعتُ المأكل والمشرب الحلال؛ فأنا لا أعمل وأعتمد على زوجي في النفقة، وأوصيه بتحري الحلال في الرزق، وإذا عملتُ أحاول الإخلاص والإتقان في عملي.
فهل من نصائحَ تعينني وتصبرني؟
جزاكم الله خيرًا، وبارك الله فيكم.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ نسيبة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلًا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يثبتك على ما هداك إليه، وأن يرزقك سكينة القلب وحسن الظن به، ويفتح لك أبواب الخير والذرية الصالحة، وبعد:
فأجمل ما في رسالتك أن البلاء الذي كان يؤلمك صار سببًا لعودتك إلى الله، وإصلاح حجابك، وحفظ كتابه، وهذا في ذاته عطاء عظيم، لكن يبدو أنك بعد هذه العودة أصبحت تنظرين إلى حياتك من خلال سؤال متكرر: لماذا ما دمت قد اقتربت من الله ما زالت أمور الدنيا تتعطل؟!
وهنا يحتاج ميزانك إلى شيء من التصحيح؛ لأن الطاعة لا تعني أن تتحول الدنيا كلها إلى تيسير، كما أن تعسر بعض أمورها لا يعني أن هناك حاجزًا بينك وبين فضل الله، وهذا يحتاج إلى تفصيل في العناصر الآتية:
أولًا: لا تجعلي صلاح علاقتك بالله مرتبطًا بما يعطيك من الدنيا، اعبديه لأنه ربك المستحق للعبادة، لا لأن العبادة ستضمن لك الزواج والولد وسائر ما تتمنين في الوقت الذي تريدين، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾، ومن تمام العبودية أن يبقى الله حبيبًا مع العطاء والمنع، والتيسير والتأخير.
ثانيًا: لا نرى أن تبني فهم حياتك على تشخيص «سحر السلالة للتعطيل والمرض»، السحر حق، والرقية مشروعة، لكن هذه التسميات والتفاصيل لا نستطيع إثباتها، ولا ينبغي أن يصبح كل تأخير في حياتك دليلًا جديدًا عليها، ارقي نفسك بالقرآن والأذكار، لكن لا تعيشي أسيرة سؤال: هل زال السحر؟ وهل عاد؟ وهل هذا التعطل بسببه؟ فالقرآن أعظم من أن يصبح مجرد وسيلة لملاحقة تشخيص غيبي لا ينتهي.
ثالثًا: تأخر الإنجاب لا يعني أن حياتك الزوجية «معطلة»، فأنت تقولين إن الله رزقك بعد انتظار زوجًا، وحياتك معه طيبة، وهذه نعمة ربما كان قلبك قبل الزواج يدعو الله سنوات من أجلها، فلا تسمحي للأمر الذي لم يتحقق بعد أن يمحو في عينك ما تحقق بالفعل، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾.
رابعًا: استمري في الدعاء والاستغفار والقرآن، لكن لا تحولي العبادة إلى حساب تنتظرين نتيجته: دعوت كثيرًا، استغفرت كثيرًا، تحريت أوقات الإجابة، فلماذا لم أحمل بعد؟ فالله وعد بإجابة الدعاء، ولم يعد أن تكون الإجابة دائمًا بالصورة والوقت اللذين نختارهما، وقد يكون من أعظم آثار الدعاء ما يحدث في قلبك أنت قبل أن يتغير الواقع من حولك.
خامسًا: لا تتركي أمور الدنيا بحجة التقرب إلى الله، فالدين لا يريد منك الانسحاب من الحياة، بل أن تعمريها بطاعة الله، تعلمي، واقرئي، وصلي رحمك، وأحسني إلى زوجك، وابحثي عن عمل نافع إن كان مناسبًا لك، واعتني ببيتك ونفسك، فحفظ القرآن لا يناقض بناء الحياة، بل ينبغي أن يجعلك أقدر على عيشها بقلب مستقيم.
سادسًا: أما حياتك مع زوج متزوج، فما دمت اخترت هذا الزواج وحياتك معه طيبة، فجاهدي ما تجدينه من غيرة بالطريقة التي تحفظ قلبك وبيتك، ولا تجعلي نفسك في مقارنة مستمرة مع بيته الأول، ولك حقوقك الشرعية من العدل والنفقة والمبيت، كما أن للأسرة الأخرى حقوقها، وأحسنت حين قلت إنك لا تتدخلين في بيته الأول.
وأخيرًا، أعيدي تعريف «التيسير» في حياتك، ربما كنت في زمن تملكين أشياء من الدنيا وقلبك بعيد، ثم ردك الله إليه، وستر عليك، ورزقك التوبة والقرآن والزواج بعد انتظار، فليس صحيحًا أن «كل شيء معطل»، هناك أبواب عظيمة فتحت، وبقيت أبواب تنتظرينها، وعلى رأسها الذرية، فاسألي الله إياها كما سأل زكريا عليه السلام ربه: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾، ثم عيشي يومك ولا تجعلي حياتك كلها غرفة انتظار لما لم يأت بعد.
نسأل الله أن يثبت قلبك على طاعته، ويبارك لك في زوجك وحياتك، ويرزقك ذرية طيبة صالحة تقر بها عينك، ويصرف عنك كل سوء، ويملأ قلبك يقينًا ورضًا، ويجعل ما تأخر عنك مدخرًا لك في أجمل أوقاته، ويرزقك من فضله فوق ما دعوت ورجوت.
وبالله التوفيق والسداد.