أحاول فعل الواجب تجاه والدي دون شعور حقيقي، فهل أنا عاق؟

2026-08-30 04:29:10 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

والدي طوال عمري لم يكن يسأل عني، وفي الفترة التي كنتُ أحتاج فيها إلى وجوده بجانبي تخلى عني، واختار زوجته الثانية وفضلها عليَّ، فبقيتُ فترة طويلة أعيش وحدي.

وبعد عدة سنوات، تجاوزتُ ما في نفسي، وكنتُ أنا من بادر إلى مصالحته؛ خوفًا من الوقوع في الذنب، وحرصًا على بره، لكنني إلى الآن لا أستطيع تجاوز ما حدث، وعلاقتي به لا تزال محدودة؛ فأتواصل معه بين حين وآخر؛ لأنني لا أعيش معه، وإذا علمتُ أنه مريض -مثلًا- أتصل به لأطمئن عليه، وأزوره، وأسأله إن كان يحتاج إلى شيء.

ولأنني اعتدتُ أن أتخذ جميع قراراتي وأقوم بأموري وحدي، فقد كنتُ وحدي -مثلًا- في تخرجي، وكذلك عندما تقدمتُ للزواج كنتُ وحدي، وبعد أن أَتخذ الخطوات أخبره بها، وهو في الأصل لا يُبدي اهتمامًا كبيرًا بذلك.

ومع هذا، إذا احتاج والدي إلى أي شيء في أي وقت، فلن أتأخر عنه، والحمد لله أصبحتُ ناجحًا في حياتي.

واستفساري هو: إنني أفعل كل ذلك وأنا أشعر بضغط نفسي وعدم ارتياح، وكلما أَنبني ضميري أتصل بوالدي لأطمئن عليه، لكنني أفعل ذلك مع أنني في داخلي لا أرغب في التواصل معه بسبب ما حدث بيننا؛ فهل عليَّ إثم بسبب هذه المشاعر؟ وهل ما أفعله يُعد من عقوق الوالدين؟

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخ الفاضل/ Ahmed حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلًا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يصلح ما بينك وبين والدك، وأن يجبر ما بقي في نفسك من أثر ما مضى، وأن يرزقك بره من غير أن تظلم نفسك أو تحملها ما لا تطيق.

فمن أصعب ما يمر به الابن أن يحتاج إلى أبيه في مرحلة من حياته، ثم يشعر أن أباه اختار الابتعاد عنه، وآثر حياة أخرى عليه، ثم يجد نفسه في التخرج، والعمل، والزواج، واتخاذ القرارات الكبيرة وحده.

ومن الطبيعي أن تترك هذه المواقف جرحًا، والشرع حين أمرك ببر أبيك لم يأمرك بأن تنكر هذا الجرح، أو تدعي مشاعر لا تجدها، وإنما أمرك بألّا يتحول الألم إلى عقوق، أو ظلم، أو إساءة، ونحب أن تنتبه إلى ما يلي:

• أولًا: ما تجده في قلبك من ألم وعدم رغبة في الاتصال بوالدك ليس في ذاته عقوقًا؛ فالإنسان لا يملك مشاعره كما يملك أفعاله، وقد لا تستطيع أن تعيد في قلبك صورة الأب التي كانت قبل ما حدث، لكنك تستطيع أن تضبط لسانك وتصرفاتك بحدود الله؛ فالمحاسبة تتعلق بما تتعمده من قول وفعل، لا بمجرد شعور يمر في قلبك ولا تختاره.

• ثانيًا: الذي تصفه من حالك فيه خير؛ فأنت تسلم عليه، وتسأل عنه بين الحين والآخر، وإذا علمت بمرضه اتصلت واطمأننت عليه، وإذا احتاج إليك قلت إنك لن تتأخر عنه، بل إنك بادرت سابقًا إلى إصلاح العلاقة خوفًا من الله، وحرصًا على البر؛ فلا يصح أن تنظر إلى كل هذا، ثم تحكم على نفسك بأنك عاق لمجرد أنك تفعله أحيانًا وقلبك متألم.

• ثالثًا: إننا ننصحك بألّا تجعل العلاقة في الحد الأدنى دائمًا ما دمت تستطيع الزيادة دون ضرر عليك؛ فبر الوالد باب عظيم، قال تعالى: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء: 23].

فاجعل لك قدرًا منتظمًا من السؤال عنه، ولو كان يسيرًا، بدلًا من أن تنتظر حتى يؤنبك ضميرك؛ كاتصال قصير كل أسبوع أو أسبوعين، وسؤال عن صحته وحاجاته، وزيارة بين حين وآخر إن تيسر؛ فهذا أريح لك من دورة طويلة من الانقطاع، ثم الشعور بالذنب.

• رابعًا: لا تجعل برك به مكافأة على أبوته لك، بمعنى: إن أحسن إليَّ أحسنت إليه، وإن قصر معي قصرت معه؛ بل أنت تبره لأن الله أمرك، وتحتسب ذلك عند الله، وهذا من أجمل ما في البر عند التقصير؛ لأن إحسانك حينئذ لا يكون مجرد رد جميل بجميل، وإنما طاعة تتقرب بها إلى الله، وقد قال سبحانه: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان: 15]؛ فإذا أمر الله بالصحبة بالمعروف حتى مع هذا الاختلاف العظيم، فحق الأب في أصل البر باق مع تقصيره.

• خامسًا: البر لا يعني أن تجعل والدك شريكًا في كل تفاصيل حياتك، أو أن تنتظر موافقته على كل قرار يخصك وأنت رجل بالغ مستقل، ولا يلزم أن تستشيره في كل خطوة لمجرد إثبات البر، أخبره بما يناسب، واستشره فيما ترى للاستشارة فيه قيمة، وأكرمه وأحسن إليه، لكن لا تجعل علاقتك بالله معلقة بمدى قربك العاطفي منه.

• سادسًا: حاول أن تتخلص من انتظار اعتذار أو تعويض قد لا يأتي؛ فربما تعيش سنوات وأنت تنتظر منه أن يدرك مقدار ما فعله بك، ثم لا يحدث ذلك، سامحه قدر استطاعتك، لا بمعنى أن تقول إن ما فعله كان صحيحًا، وإنما بمعنى ألّا تسمح للماضي بأن يظل حاكمًا لمستقبلك.

لقد وفقك الله، وأصبحت ناجحًا كما ذكرت، فلا تجعل نجاحك معلقًا على إثبات أنك استطعت الحياة بدونه، ولا تجعل جرحك القديم يسرق منك سكينة الحاضر.

فالذي نراه أن ما ذكرته لا يجعلك عاقًا بمجرده، لكن حافظ على القدر الواجب من البر والصلة، وزد عليه ما استطعت احتسابًا للأجر، وأحسن إليه إذا احتاج، ولا تسبه، ولا تهنه، ولا تقابل تقصيره بتقصير متعمد.

وإذا اتصلت به وقلبك لا يرغب في الاتصال، فلا تقل: أنا منافق في بري، بل قل: أنا أجاهد نفسي لله، وقد يكون العمل الذي تثقل به النفس أعظم أجرًا لما فيه من المجاهدة.

نسأل الله أن يجبر قلبك، ويغفر لوالدك تقصيره، ويرزقك بره من غير عنت، وأن يجعل ما تقدمه له خالصًا لوجهه، وأن يبارك لك في نجاحك وحياتك المقبلة، والله الموفق.

www.islamweb.net