فسخي للخطبة ..هل كان قدراً رغم أني كنت سبباً فيه؟
2026-08-30 04:18:58 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
لديَّ لَبس في موضوع القضاء والقدر؛ فأنا أعلم أن ما حدث، وما يحدث، وما سيحدث، هو بقضاء الله وقدره، وأنه يجب الإيمان بذلك وتقبله.
وما أريد فهمه هو: كيف أنظر إلى الأمور التي حدثت بسببي أنا؟ فمثلًا: كنتُ أنا السبب في فسخ خطبة كان الشخص فيها مناسبًا لي أكثر من الخطيب الحالي، وأنا الآن في مرحلة التقبل والمضي قُدمًا، ولكن دائمًا ما يخطر ببالي هذا السؤال: بما أنني أنا من تسببت في فسخ تلك الخطبة وجرح الشخص الأول، فهل يجب عليَّ أن أؤمن بأن ما حدث كان بقضاء الله وقدره، مع أنني كنت سببًا فيه؟
وهل كوني السبب فيما حدث يعني أن أستمر في جلد ذاتي، وتأنيب ضميري، والتفكير في أنه كان من الممكن أن تكون حياتي أفضل، وأن تسير في منحًى آخر لو لم أتخذ ذلك القرار؟
لا أعلم إن كنت قد أوضحت مقصدي.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سائلة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بكِ -ابنتنا العزيزة- في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله تعالى أن يُقدِّر لكِ الخير حيث كان ويرضيكِ به، ونشكر لكِ تواصلكِ بالموقع وثقتكِ فيه.
وقد أوضحتِ فكرتكِ تمام الإيضاح، ووصل سؤالكِ بشكل واضح جدًّا، وهذا الإشكال الذي قام في ذهنكِ هو تساؤل واردٌ جدًّا على الإنسان، ولكن قد أجاب عنه النبي ﷺ، كما أجابت عنه آيات القرآن الكريم، وهذه الإجابة الواردة في كلام الله وكلام رسوله ﷺ دافعة -بإذن الله تعالى- لكل حُزن، أو تألُّم على الماضي، أو ما سميتهِ أنتِ بتأنيب الضمير.
فالله -سبحانه وتعالى- أخبرنا في كتابه أن كل ما يقع في هذا الوجود قد كتبه الله تعالى قبل أن نخلق ونخرج إلى هذه الدنيا، وإذا تذكر الإنسان هذه الحقيقة وهو مؤمن بها؛ فإنه يُدرك تمام الإدراك أنه لا يمكن أن يقع غير الذي كتبه الله، والله تعالى يُقدِّر الأقدار ويُقدِّر لها أسبابها، فالسبب هو بحد ذاته أيضًا من قدر الله، ولذلك قال الرسول ﷺ: «كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ حَتَّى الْعَجْزُ وَالْكَيْسُ».
ومعنى ذلك أن ما نقفه من المواقف هو أيضًا بأقدار الله تعالى، أَيْ إن الله تعالى قد كتبه وكتب أن يقع، هو تسبب فيه نعم، ولكن هو في الحقيقة إنما هو أداة لتنفيذ هذا القدر، فإذا أيقن الإنسان بهذا؛ سهل عليه تحمل المصائب التي تنزل به، أو فوات شيء كان يحبه، أو نحو ذلك.
وقد قال الله في كتابه الكريم: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ}، فيخبرنا أنه ما من شيء يقع إلَّا وهو مكتوب، ثم يخبرنا عن النتيجة؛ لكي لا نحزن على الشيء الذي يفوتنا، ولا نبطر ونفرح فرحًا مُورِثًا للأشر والبَطَر إذا حصلت لنا نِعَم؛ لأننا نؤمن أن ذلك كله بفعل الله تعالى وبفضله.
وبهذا تسلمين -أيتها البنت الكريمة- من هذا التأنيب الذي تعيشينه، والتفكر الدائم بأنه ربما كان سيكون الحال أحسن، وقد قال الرسول ﷺ وهو ينهانا عن قول "لو كان كذا لكان كذا": «لاَ تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ»، فـ "لو" هذه تفتح باب الشيطان على أوسع مصارعه، وتفتح على القلب أنواعًا من الأحزان والآلام بلا جدوى ولا منفعة، ولهذا نهى عنها الشارع الحكيم.
فأريحي نفسكِ واعلمي أن الله تعالى قد قدَّر لكِ أن تتزوجي -أو أن يخطبكِ- هذا الشخص، وأن الشخص الماضي الذي كان قد خطبكِ قد قدر الله تعالى ألَّا تكوني زوجة له، واعلمي أن اختيار الله تعالى لكِ خيرٌ ممَّا تختارينه أنتِ لنفسكِ، فربما تبدو لكِ بعض الخيارات أنها هي الأفضل، ولكنكِ لا تعلمين بواطن الأمور، وقد قال الله في كتابه الكريم: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}.
فكوني راضية بقضاء الله تعالى وقدره، وتعاملي معه على أنه الخيار الأفضل لكِ، وانظري إلى نعم الله تعالى عليكِ التي حُرِم منها أناس آخرون؛ فهذه المقارنة هي التي تُورث قلبكِ السعادة والفرح بفضل الله تعالى وعطائه.
نسأل الله أن يوفقكِ لكل خير.