كلما تبت من الذنب عدت إليه، فما السبيل إلى التوبة النصوح؟

2026-09-03 01:46:23 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا فتاةٌ في الثامنة عشرة من عمري، عندما كنت في السابعة عشرة -تحديدًا- وجدتُ السعادةَ بقربي من اللهِ، فلم أجدْ أيامًا أكثرَ لطفًا وصفاءً من تلك الأيامِ، وبقيتُ على تلك الحالِ فترةً طويلةً، وبالطبع لم تكنْ تخلو من التخبطاتِ والأخطاءِ والمعاصي، ولكنني كنتُ أتوبُ -بفضلِ اللهِ- بعد دقائقَ، وإن كثرتْ فساعاتٌ بعد الزلةِ، وأعودُ نادمةً تائبةً للهِ مستغفرةً عن فعلتي.

قبل أسبوعين من الآنَ، -للأسف- وجدتُ نفسي أعودُ إلى معصيةٍ ألا وهي المسلسلاتُ، ولكن المصيبةَ لم تكنْ هنا بالذاتِ، بل بأنني لم أعدْ بعدها مباشرة للهِ تائبةً!

أجد نفسي نادمةً جدًّا، بل وحتى إنني أشاهدها وأنا لا أشعرُ بالرغبةِ ولا السعادةِ بذلك، أشعرُ بخواءٍ وغربةٍ واللهِ العظيمِ! ودائمًا ما أشعرُ بالندم والحزن الشديد وأبكي لبعدي، وأشعر بالقلق إن توفاني اللهُ على ذلك الذنبِ.

لا أحبُّ أن أكونَ بعيدةً واللهِ، حاولت العودة ولكنني في كلِّ مرةٍ أفشل، وأعاود الذنب مرةً أخرى، مع أنني لا أريده من الأساس، -وللأسف- وجدت ذكري لله قد خفَّ، وكنت -بفضله- أذكره في السابقِ كثيرًا، ووجدت في صلاتي تشتتًا، وقلة توفيقٍ في دراستي، رغم تفوّقي الذي رزقني الله إياه طوال حياتي، الحمدُ للهِ.

وأنا الآن أشعر بأن اللهَ لم يعدْ يحبني، وأنه يبعدني لأنني لا أستحقُّ القرب منه سبحانه، ورغم أنني أحاول دائمًا إحسان الظنِّ بالله، والتفكير بأن الله لم يبتلِني بهذا إلا لرفع درجتي أو لاختبار قوتي، إلا أن فكرة عدم حبه لي دائمًا ما تراودني.

هل تراني الآن مكروهةً من اللهِ؟ والله أنا خائفةٌ جدًّا، حتى إنني لم أعدْ أجد الطمأنينة في حياتي!

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ لين حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك -ابنتنا الكريمة- في استشارات إسلام ويب، وجوابي لك كالآتي:

‏أولًا: أنا معكِ في أن أحسن الأيام التي وجدتِ فيها الصفاء والسعادة هي أيام قربكِ من الله تعالى، ولو تخلل ذلك تخبطات ومعاص، فهذه حال الإنسان في هذه الحياة، ننال من الشيطان وينال منا، وأهم شيء هو تجديد التوبة إلى الله تعالى.

ثانيًا: المخرج من الذنوب الكثيرة هو التوبة إلى الله تعالى، التوبة النصوح، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ۖ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [التحريم: 8].

والتوبة النصوح هي التي شروطها ثلاثة، وهي: الإقلاع عن المعصية، والندم على ما فات، والعزم على عدم العودة إلى المعصية، فالتوبة النصوح هي المخرج من الذنوب والمعاصي.

ثالثًا: مشكلتكِ التي تبحثين عن حل لها، وهي ما ذكرتِهِ في رسالتكِ؛ من أنكِ في أغلب الحالات تتوبين إلى الله تعالى وتستغفرينه، ثم سرعان ما ترجعين إلى الذنوب، فجوابه: أنه مهما ابتلي الإنسان بمعصية فإنه بمجرد التوبة النصوح يتوب الله عليه، وكلما أحدث الإنسان ذنبًا أو معصية أحدث لها توبةً، وقد قال تعالى: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [النور: 31]، وفي الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم) [رواه مسلم]، وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (الندم توبة).

رابعًا: ابنتنا الفاضلة، كونكِ تحبين الله تعالى، وتكرهين المعاصي، هذه علامة الخير والإيمان في قلبكِ المتنور بنور الإيمان، فلا تيأسي من رحمة الله وفضله وكرمه، ولو وقعتِ في المعاصي، فالتوبة تجب ما قبلها، فما دمتِ نادمةً ومتحسرةً على ما فات فأيقني بالخير.

خامسًا: إياكِ أن يدخل اليأس والقنوط إلى قلبكِ، فيفسد عليكِ علاقتكِ بالله تعالى، فما يخيله لكِ الشيطان من أن الله لا يحبكِ ولا يوفقكِ في أموركِ، ومنها الدراسة، ما هي إلا وساوس من الشيطان؛ فإن الله يحب التوابين والمؤمنين، فهو سبحانه يحب عبده وأمته التائبة المنيبة إليه ولو تخللت ذنوب، وكلما أحدث الإنسان منا ذنبًا فليحدث له توبةً، ولا تجعلي اليأس والقنوط يدخلان إلى قلبكِ، فالله هو الرحمن الرحيم، وهو سبحانه أرحم بنا من أمهاتنا، قال تعالى: (وَرَحْمتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ).

سادسًا: بالنسبة لتذكركِ ذنوبًا ماضيةً، يكفي فيها الندم والتوبة والاستغفار، وأما الذي يجب عليكِ فعله فأمران: التوبة النصوح، وعدم اليأس والقنوط من رحمة الله تعالى، بل وعليكِ إحسان الظن بالله تعالى، فلا يتحول خوفكِ من الله إلى مرض نفسي ويأس، بل أبشري برب كريم رحيم، وفي الحديث القدسي يقول تعالى: (أنا عند ظن عبدي به فليظن بي عبدي ما شاء) [متفق عليه]، فأحسني الظن بالله تعالى، فهو سبحانه أرحم بنا من أمهاتنا.

وعليكِ بالصلاة وإن لم تجدي خشوعًا، فإنه مع كثرة الصلاة والعودة إلى الله وقراءة القرآن ينشرح الصدر -إن شاء الله-، ولا سيما مع كثرة قراءة القرآن الكريم، وقد قال بعض السلف: (تقرب إلى الله بما استطعت فلن تتقرب إلى الله بأفضل مما خرج منه سبحانه)، وهو كلامه -جل وعلا-، ومنه القرآن الكريم.

وختامًا: أسأل الله أن يتوب عليكِ، وأن يزيد إيمانكِ، ويسعدكِ في دنياكِ وآخرتكِ، آمين.

www.islamweb.net