كيف أتوب من تتبع ونشر عورات الناس وأتخلص من حقوقهم؟
2026-08-24 02:28:57 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
تتبعت عورات رجال، وشاهدت أجسادهم من خلال حسابات وهمية، بعضهم أعرفهم، وبعضهم لا أعرفهم، وكان ذلك عن طريق مكالمات الفيديو أو تبادل الصور، وهم لا يعرفون هويتي، لكنني أعرف هويات بعضهم، وهذا هو الأمر الأول.
أمَّا الأمر الثاني، فقد كان لدي قديمًا حساب على «تيليجرام»، وكنت مشتركًا في مجموعات تنشر عورات رجال ومقاطع لهم، وكنتُ آخذ بعض ما يُنشر في مجموعة، وأنقله إلى مجموعة أخرى، وهكذا، ثم خرجتُ من جميع هذه المجموعات، لكن بعض الأشخاص كانوا قد حفظوا أشياء أعدت نشرها، ولا أعرف الآن كيف أصل إلى الأشخاص الذين نشرت لهم تلك الأشياء، بل إنني لا أعرف هويات بعضهم أصلًا، وكانت الصور والمقاطع تكشف عوراتهم.
كما أنني كشفتُ ستر شخص، وأرسلتُ صورًا لجسده إلى شخص آخر، ولكنني عندما سألتُ هذا الشخص الآخر -وهو صديقي- أخبرني بأنه لم يرسلها إلى أحد، إلَّا أنني ما زلتُ غير مطمئن إلى ذلك.
وقد خرجتُ الآن من جميع هذه المجموعات، وأغلقت كل الحسابات الوهمية، وتبت إلى الله، وندمت على ما فعلت، وبدأت أتقرب إلى الله بصدق، فقد كنت غافلًا، ولم أكن مدركًا لما يتعلق بحقوق العباد.
ومنذ أن تبتُ، بدأتُ أتذكر كل الأمور السيئة التي فعلتها، وأصبحتُ غير قادر على العيش بصورة طبيعية، حتى إنني صرت أتمنى الموت لأرتاح من شدة ما أشعر به من الندم والخوف.
وأخشى أن تكون توبتي قد جاءت بعد فوات الأوان، وبعد كل هذه السنوات من المعصية، كما أخشى ألَّا تكون لي توبة، ولا أعرف ماذا أفعل فيما يتعلق بحقوق العباد يوم القيامة!
وأنا خائف جدًّا من نفسي، وأشعر بالخجل والاشمئزاز مما فعلته، فقد كنت غافلًا، كما أخشى أن يكون بعض هؤلاء الأشخاص قد علموا بانكشاف سترهم، أو أنهم تعرضوا للأذى بسببي، وهذا الأمر يخيفني كثيرًا، وأسأل الله أن يغفر لي ويسامحني.
فماذا أفعل، أثابكم الله؟ وكيف أتصرف فيما يتعلق بحقوق هؤلاء الأشخاص، خاصةً من لا أعرفهم أو لا أستطيع الوصول إليهم؟ وهل لي توبة بعد كل ما فعلته؟ وهل يمكن أن تضيع حسناتي بسبب حقوق العباد؟ وكيف أتعامل مع شدة الندم والخوف التي وصلت بي إلى تمني الموت؟
أرجو منكم الإجابة عن كل جزئية من سؤالي، وجزاكم الله خيرًا.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ سائل حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بك -ولدنا الحبيب- في استشارات إسلام ويب، نشكر لك تواصلك بالموقع وثقتك فيه، وقد قرأت رسالتك كلمة كلمة، وأولًا: أحمد الله -سبحانه وتعالى- أن وفقك للاستعانة والسؤال بمن ينفعك بالنصح والتوجيه وإبداء الرأي في هذه المرحلة التي تمر بها الآن من عمرك، فنسأل الله تعالى أن يُعيننا على أن نُقدِّم لك خير ما عندنا من الرأي وأن ينفعك به.
وبداية نقول -أيها الحبيب-: المطلوب منك هو الفرار إلى رحمة الله تعالى، وليس اليأس والقنوط من رحمته تعالى وفضله، فمهما عظمت ذنوب الواحد مِنَّا فإن باب التوبة لا يزال مفتوحًا ما دام هذا الإنسان حيًا ولم تبلغ الروح الحلقوم، وقد قال النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ العَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ».
فمن رحمة الله تعالى ولطفه بنا وفضله علينا أنه فتح لنا هذا الباب العظيم، وقال: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}.
فاحذر من أن يُوقعك الشيطان في اليأس والقنوط من رحمة الله، فإن هذا الذنب أعظم من الذنوب التي فعلتها، والله تعالى يُحب عبده التائب ويُكرمه، وقد قال الرسول ﷺ: «لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلاَةٍ، فَأَضَلَّهَا وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ يَنْتَظِرُ المَوْتَ إِذَا بِرَاحِلَتِهِ عَلَى رَأْسِهِ، فَقَالَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ» أو كما قال عليه الصلاة والسلام.
هذا الحديث العظيم يُبيِّن فيه النبي ﷺ فرح الله تعالى بتوبة الإنسان، وهذا الفرح ليس لأنه سبحانه محتاج لعبادة أحد، ولكنه فرح الكريم، فإن يحب أن يكرم عبده المؤمن، فإذا تاب ورجع إليه فرح الله تعالى لأنه يريد أن يكافئه على هذه التوبة بما لا تتخيله نفسه.
فأبشر برحمة الله تعالى، كن صادقًا في توبتك، والتوبة تعني: الندم على فعل المعصية في الماضي، والعزم على عدم الرجوع إليه في المستقبل، مع الإقلاع عنها في الحال، والتخلص من حقوق الناس إذا كانت هناك حقوق للناس.
ولكن حقوق الناس لا يعني أن يُهلك الإنسان نفسه باليأس والقنوط، وأن يتمنى الخروج من هذه الدنيا والموت؛ لأنه أصبح خائفًا مرعوبًا أو حزينًا، فليس هذا من معاني التوبة، التوبة تعني أن تكون حريصًا على رد حقوق الناس إذا كنت تقدر على ذلك، فينبغي أن تأخذ الأمر بالتدريج؛ حيث أمكنك أن تحذف الصور التي نشرتها دون أن تتعرَّض لأي فتنة أو ضرر احذف هذه الصور.
وإذا أمكن أن تطلب من الأشخاص الذين نشرت إليهم هذه الصور، إذا أمكنك أن تطلب منهم ألا يعيدوا نشرها دون أن تتعرَّض أنت أيضًا لخطر من هذا التواصل، كأن تستدرج وترجع مرة ثانية إلى مستنقع المعصية، أو غير ذلك من الأضرار، إذا لم تتعرض لضرر في هذا الطلب فاطلب من الذين نشرت لهم هذه الصور ألَّا يعيدوا نشرها.
أمَّا ما لا تقدر عليه، فاسأل ربك -سبحانه وتعالى- أن يتولى عنك أداء المظالم والحقوق، والله تعالى كريم وهاب، فإنه يقدر على أن يُعطي خصمك يوم القيامة من العطاء ما يجعله يعفو عنك ويصفح عنك، فأحسن ظنك بالله تعالى، وعظِّم رغبتك فيما عنده من الخير، ولن يخذلك الله، فقد قال الله في الحديث القدسي: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي».
أهم نقطة ينبغي أن نحذرك منها -أيها الحبيب- هي الكلمات التي تشعر بأنك ترغب في الموت والتخلص من هذه الحياة، فإذا كان هذا فقط تعبيراً عن مدى الهم والقلق الذي أنت فيه؛ فالحل هو ما ذكرناه لك من إحسان الظن بالله والمبادرة إلى التوبة والاستغفار.
أمَّا إذا كنت تجد رغبة في الانتحار، فينبغي أن تأخذ هذه الأمور مأخذ الجد، وتأخذ بالأسباب التي تدفع عن نفسك هذه الرغبة أو هذا التفكير، لا تبق وحدك، وأخبر الأشخاص الموثوقين بما تجده من المعاناة، وحاول أن تجد إعانة مادية لدى الأطباء النفسيين لكي يخرجوك من هذه الدائرة.
وتذكر أن الانتحار ليس خروجًا من الألم، وإنما هو انتقال من ألم صغير في هذه الدنيا إلى آلام أكبر بالعقوبة التي أعدها الله تعالى للمنتحر، فإن المنتحر يعذب في نار جهنم بنفس الوسيلة التي قتل بها نفسه في الدنيا، احذر أن يجرّك الشيطان إلى هذا المنزلق الخطير، نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يغفر ذنوبك، وأن يتقبل توبتك.
وخير ما نوصيك به البحث عن الرفقة الصالحة؛ فهم خير من يعينك على الثبات على التوبة، وقد أحسنت حين تخلصت من البيئة القديمة، وأغلقت كل الحسابات، فهذا جزء من توبتك، ونسأل الله تعالى أن يثبتك على الخير حتى تلقاه.
___________________________________________
انتهت إجابة الشيخ الدكتور/ أحمد سعيد الفودعي، مستشار الشؤون الأسرية والتربوية.
وتليها إجابة الدكتور/ محمد عبد العليم، استشاري أول الطب النفسي وطب الإدمان.
__________________________________________
أرحب بك في استشارات إسلام ويب، وأسأل الله تعالى أن يشرح صدرك وييسّر أمرك، وأن يهب لك من لدنه رحمة، ويهيأ لك من أمرك رشدًا.
وكما أفادك فضيلة الشيخ الدكتور أحمد سعيد الفودعي -حفظه الله- بأنه قد اطلع على رسالتك كلمةً كلمةً، فأنا أيضًا قد فعلت مثل ما فعل، وليس لديَّ كثير مما أضيفه إلى ما ذكره الشيخ الدكتور الفودعي؛ لأنه قد أوفى الموضوع حقه تمامًا.
فقط أؤكد لك، من الناحية النفسية والسلوكية، أن المشاهدات التي كنت تقوم بها هي نوع من الانحراف الجنسي، ولا شك في ذلك، ويجب أن تفهمها على هذا النحو.
ومن رحمة الله عليك أنك قد غيرت مسارك، وأنك قد بدأت في تعديل سلوكك من خلال هذه التوبة العظيمة التي أنعم الله -تبارك وتعالى- بها عليك.
أيها الفاضل الكريم، ارتداد ثقتك في توبتك هو ناتجٌ من أمر إيجابي، وهو أن نفسك اللوامة لا زالت متسلطةً عليك حتى لا تأخذك النفس الأمَّارة بالسوء بغفلة، وبالفعل فإن هذا شيءٌ جيد؛ لأن التوبة تتطلب أيضًا الآليات التي تساعد على استمراريتها، فشعورك بالألم، وشعورك بالندم أمرٌ مرغوبٌ فيه، لكن كما ذكر لك الشيخ -أيها الفاضل الكريم- يجب ألَّا تقنط من رحمة الله.
هذا هو الأمر الذي أؤكده لك، وأنا أعتبرك من القلائل الذين أنعم الله عليهم بأن خرجوا من هذه المأساة النفسية الجنسية السلوكية، فأرجو أن تعيش الحياة بكل قوة، واحذر بألَّا تفتح أي منافذ للشيطان ليتغلغل إلى داخل كيانك الوجداني، ويُجمِّل لك الانحراف الجنسي السابق.
وبناءً على ذلك، عليك بالصحبة الطيبة، وعليك بالعمل الصالح، وعليك بالحرص على العبادات في وقتها، وأنت -إن شاء الله تعالى- من الفائزين، هكذا نرى أيها الفاضل الكريم، فما قمت به حقيقةً عملٌ كبير وعملٌ جليل، وهو من رحمة الله عليك، أرجو أن تحتفظ بإجابة الشيخ الدكتور أحمد سعيد الفودعي وتقرأها وتطلع عليها مراتٍ ومرات.
بارك الله فيك، وجزاك الله خيرًا، وبالله التوفيق والسداد.