بعد حصول زوجتي على وظيفة أصابتنا ابتلاءات، فما نصيحتكم؟

2026-08-19 22:49:11 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
تحية طيبة، وبعد:

أستشيركم في أمر أثقل كاهلنا مؤخراً؛ حيث رزق الله زوجتي بفرصة عمل جديدة معي في نفس المشفى (في قسم النساء، وهو قسم مخصص للفتيات والنساء فقط، ومستقل تماماً، ومكان العمل آمن، ومطمئن بفضل الله).

بعد ظهور خبر عملها، تداول المقربون من الأهل والأقارب الموضوع بكثرة، وكَثُر الحديث عن تحسّن دخلنا المادي، وتوفّر "راتبين" في المنزل، ومنذ يوم عملها الأول، انقلب حال بيتنا بشكل مفاجئ؛ حيث نواجه توتراً مستمراً، ومشاكل وخلافات شبه يومية دون أسباب واضحة، فضلاً عن وعكات صحية، وحمّى لا تفارق أفراد الأسرة، حتى أصبح العلاج والحرارة المرتفعة أمراً أسبوعياً لدينا.

أشعر بعجز أمام هذا التغير المفاجئ والواضح في استقرار بيتنا وصحة عائلتي، وأرغب في استشارتكم من الناحية الشرعية والإيمانية:

كيف نتعامل مع هذا الوضع؟ وما الخطوات الشرعية والعملية لحل مشاكلي؟

وجزاكم الله عنا كل خير.

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ زين الدين حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلاً بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يبارك لكما في عملكما ورزقكما، وأن يحفظ بيتكما وأهلكما، ويجمع بينكما على المودة والسكينة، ويصرف عنكما كل سوء.

فالتزامن الذي ذكرته لافت للنفس بلا شك؛ أن تبدأ زوجتك العمل، ويكثر حديث الناس عن الراتبين وتحسن أحوالكما، ثم تتتابع الخلافات والوعكات الصحية؛ فمن الطبيعي أن يخطر لك سؤال العين والحسد، لكن المنهج الشرعي المتزن ألا ننكر العين، وألا نجزم بها لمجرد تتابع الأحداث؛ بل نجمع بين التحصين الشرعي والبحث عن الأسباب الواقعية، لذا دعنا نجيبك من خلال ما يلي:

أولاً: العين والحسد حق، ولكن لا نجزم بأن ما أصابكم بسببهما، فقد قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الْعَيْنُ حَقٌّ»، فأصل العين والحسد ثابت شرعًا، وقد يقع الضرر بإذن الله، ولكن كثرة حديث الناس عن راتب زوجتك، ثم وقوع المشكلات والمرض بعد ذلك، لا تكفي وحدها للحكم بأن الأسرة أصيبت بالعين، فالتزامن ليس دائمًا سبب، وقد يكون ما حدث عينًا، وقد تكون له أسباب أخرى، وقد تجتمع أسباب متعددة، ونحن لا نملك دليلاً يجيز لنا الجزم بشيء منها.

ثانيًا: لا تجعلوا الشك في العين بداية لمشكلة أكبر، فإن أخطر ما قد يحدث الآن أن تبدؤوا بالسؤال: من الذي حسدنا؟ هل هو فلان الذي سأل عن الراتب؟ هل هي قريبة تحدثت عن الوظيفة؟ لماذا قال فلان كذا؟ ولماذا تغيرت الأمور بعدما علم هؤلاء؟ هذا الباب قد يفسد العلاقات، ويولد سوء الظن، والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾، فلا تتهموا أحدًا، ولا تراقبوا كلمات الأقارب وتصرفاتهم بحثًا عن الحاسد، ولا تحولوا كل مشكلة جديدة إلى دليل إضافي على العين.

ثالثًا: الرقية والتحصين مشروعان في كل الأحوال سواءً كان ما أصابكم عينًا أم لم يكن، فالتحصين خير كله؛ فحافظوا على أذكار الصباح والمساء، وأذكار النوم، وقراءة آية الكرسي، والإخلاص والمعوذتين، وليقرأ كل واحد منكم على نفسه الفاتحة والمعوذات وينفث في يديه ويمسح جسده، واحرصوا على قراءة سورة البقرة في البيت؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ»، والأفضل ألا تجعلوا الرقية حدثًا استثنائيًا مرعبًا في البيت، فيشعر الأبناء أن كارثة خفية تحيط بهم، وإنما اجعلوها عبادة هادئة ضمن حياة الأسرة، ولا تحتاجون ابتداءً إلى التنقل بين الرقاة، ولا إلى البحث عمن يخبركم هل أنتم محسودون أم لا، فالرقية التي يقرأها الإنسان على نفسه من أنفع ما يكون بإذن الله.

رابعًا: اكتموا تفاصيل النعمة دون أن تعيشوا في خوف منها، فليس المطلوب إخفاء كل خير عن الناس، لكن ليس من الحكمة أيضا نشر تفاصيل الرواتب، والدخل، والترقيات، والمكاسب، وكل ما يدخل البيت، وقد قال يعقوب ليوسف عليهما السلام: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾، فاجعلوا أموركم المالية الخاصة بينكما قدر الإمكان، وإذا سأل أحد عن راتب زوجتك، أو مقدار ما تجمعانه، فيكفي جواب عام لطيف دون تفاصيل.

لكن انتبه: الستر شيء، والخوف المرضي من أعين الناس شيء آخر، فلا تعيشوا وكأن كل نعمة معرضة للزوال بمجرد أن يراها أحد؛ فالحافظ هو الله، ولا يقع شيء إلا بإذنه سبحانه.

خامسًا: افحصوا التغير الذي أحدثه العمل نفسه في حياتكما، وهذا جانب مهم جدًا قد يغيب بسبب التفكير في العين، فقبل عمل زوجتك كان للبيت نظام، ثم دخل متغير كبير: خروج يومي، ومواعيد جديدة، وإرهاق وظيفي، ونقص وقت الراحة، وربما تغير النوم والطعام وتقسيم المسؤوليات المنزلية، وقد يعمل الزوجان ساعات طويلة في المشفى، ثم يعود كل منهما مرهقًا، فيصبح ما كان يحتمل سابقًا سببا للشجار الآن، فاجلسا معًا واسألا بهدوء: هل ننام بما يكفي؟ هل ازدادت الأعباء على الزوجة بعد أن أصبحت تجمع بين الوظيفة والبيت؟ هل يحتاج الزوج إلى تحمل جزء أكبر من مسؤوليات المنزل بعد تغير الظروف؟ هل أصبح الوقت المشترك بينكما أقل؟ هل الخلافات تحدث غالبًا بعد أيام العمل الشاقة؟ فقد تكتشفان أن جزءًا كبيرًا مما بدا بلا سبب له أسباب صغيرة متراكمة.

سادسًا: كذلك تكرر الحمى والوعكات الصحية، لا ينبغي تفسيره بالعين قبل فحص أسبابه، فإذا كانت الحرارة المرتفعة تتكرر بالفعل بين أفراد الأسرة أسبوعيًا، فهذا يستحق تقييمًا طبيًا، خاصة مع عملكما في بيئة صحية يكثر فيها الاحتكاك بالمرضى والعدوى، فالرقية لا تتعارض مع الطب، فنرقي أبناءنا، وندعو لهم، وفي الوقت نفسه نبحث عن السبب الطبي، وهذا هو التوكل الصحيح: تعلق القلب بالله، مع استعمال الأسباب التي خلقها سبحانه.

سابعًا: لا تجعلوا الوظيفة نفسها موضع تشاؤم؛ ولا ينبغي أن تصلوا إلى نتيجة تقول: منذ أن عملت الزوجة والمصائب تتوالى، إذًا العمل جلب علينا الشر، فإذا كان عملها مباحًا، والمكان كما وصفت آمنًا ومستقلاً، فلا تجعلوا مجرد تزامن المشكلات معه سببًا لترك رزق ساقه الله إليكم، بل اشكروا الله على النعمة، وأصلحوا ما يمكن إصلاحه من نظام حياتكم، وحصنوا أنفسكم.

ثامنًا: ضعوا برنامجًا عمليًا فيه:

- المحافظة جميعًا على الصلاة والأذكار، وقراءة سورة البقرة بانتظام، وليرقِ كل منكم نفسه.
- وفي الجانب الأسري، اتفق أنت وزوجتك على ألا تناقشا المشكلات الكبيرة في وقت التعب بعد العمل، وأن يكون لكما وقت أسبوعي هادئ للحديث، وأعيدا توزيع مسؤوليات البيت بما يناسب كونكما تعملان الآن.
- وفي الجانب الصحي، تابعوا حالات الحمى المتكررة طبيًا بدلاً من الاكتفاء بربطها بما حدث.
- وفي الجانب الاجتماعي، توقفوا عن تداول تفاصيل الدخل والراتبين، من غير خصومة مع أحد، ولا اتهام لأحد، ثم راقبوا الحياة نفسها، هل قل الشجار بعد تنظيم النوم والأعباء؟ هل تحسنت الصحة بعد معرفة سبب الحمى؟ هل عاد الهدوء مع التحصين والقرآن؟

ختاماً: لا تجعل هذا الأمر يسرق فرحتكما بالرزق الجديد، قد يكون الله قد فتح لزوجتك باب رزق، ثم جاءت معه مرحلة انتقالية احتاجت الأسرة إلى بعض الوقت حتى تتكيف معها، فاشكروا النعمة، وحصنوها بالطاعة والذكر والصدقة، قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾، وخذوا بالأسباب الطبية والأسرية، ولا تتهموا أحدًا بالحسد، ولا تبحثوا خلف كل حادثة عن تفسير غيبي، فإن كانت عينًا فكتاب الله والذكر والرقية من أعظم أسباب دفعها بإذن الله، وإن كانت أسبابًا صحية أو أسرية فقد أخذتم بأسباب علاجها، وفي الحالتين يبقى القلب معلقًا بمن بيده النعمة والضر والنفع جميعًا.

والله الموفق.

www.islamweb.net