أشعر بنفور شديد من خاطبي الذي كنت على علاقة به، فهل أتركه؟
2026-08-18 00:07:09 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كنتُ على علاقة مع شاب لمدة ثلاث سنوات، وكنتُ دائمًا نادمةً عليها، وأحاول أن أبتعد عنه، أو أخبره أن يتقدم لي بالحلال، لكنه كان دائمًا يرجوني أن أبقى وأصبر معه، بحجة أننا لا نفعل شيئًا، وأننا نتحدث عن يومنا وعن الدراسة فقط، إلى أن يجهز نفسه ويتقدم لي، حتى إنه كان يبكي.
لكنني، رغم ذلك، كنتُ نادمةً جدًّا على هذه العلاقة، وكنتُ بين تأنيب ضميري وقلبي، واستعطافه لي؛ ففي كل مرة كان يحدد موعدًا ليتقدم لي، ثم يؤخره بحجة ما، ويبقى يقنعني بأنها ظروفه، رغم أنه كان مرتاحًا ماديًّا، لكن كانت أولوياته بناء السكن والاستثمار في أمور عمله.
وبقيتُ على هذه الحال، ففي كل مرة أفرح، ثم أُحبط، حتى فقدتُ الثقة في كلامه، وصِرتُ أرى أنه من المستحيل أن يتقدم لي، إلى أن جاء اليوم الذي نقصت فيه مشاعري تجاهه كثيرًا بسبب هذه الخيبات؛ فاستغللتُ الفرصة، وقررتُ أن أقطع هذه العلاقة المحرمة معه نهائيًّا، لكنه بقي يراسلني، ولم أرد عليه.
وبعد أن قطعتُ العلاقة، ندمتُ ندمًا شديدًا على المدة التي كنتُ أحدثه فيها، وتبتُ من خطئي، وكنتُ أصلي وأدعو الله أن يغفر لي، وأبكي بشدة، وإلى اليوم ما زلتُ نادمةً على ذلك.
بعدها أُعجبتُ بشاب رأيتُ فيه صفات الزوج الصالح، لكنني أبقيتُ ذلك في نفسي، ولجأتُ إلى الدعاء وقيام الليل طيلة شهر رمضان، أسأل الله أن يرزقني به، وفي آخر أسبوع من رمضان، جاءتني رسالة من الشخص الأول يخبرني فيها بأنه سيتقدم لي في الأسبوع نفسه، فقلتُ له: لقد انتهى الأمر، وأنا أرفض، فلا تتقدم، لكنه أصر وتقدم لي.
بعد ذلك فكرتُ في نفسي أنني ربما عندما دعوتُ الله بالشخص الآخر لم يكن من نصيبي، وأن الله يريد أن يعوضني خيرًا بالشخص الأول، فقبلتُ به، وفي البداية كنت سعيدةً، لكن بمجرد أن أصبحت الأمور جديةً، وحددوا موعد القدوم إلى بيتنا، جاءني تردد كبير، وتراجعت مشاعري وبدأتُ أتراجع عن قراري.
في البداية ظننتُ أن ذلك توتر طبيعي، لكنه ظل يزداد حتى مرضتُ كثيرًا، وتدهورت حالتي، حتى إنني ذهبتُ إلى طبيب نفسي، وأصبحتُ أعاني من نبضات في المعدة، مع نوبات من الخوف والهلع، وكل هذا بسبب رفضي له داخليًّا؛ فقررتُ أن أفسخ الخِطبة وأخبرتُه بذلك، لكنه ما زال مُصِرًّا على الاستمرار معي.
وأنا فعلًا مرعوبة من فكرة الزواج به، وقد نفرتُ منه بشدة، أيضًا بسبب أفعال رأيتُها منه؛ كالخوف الشديد من السحر والعين، والشك في كل من حوله، حتى أنا، والنظر إلى الفتيات، ومحاولة خدش حيائي بالأسئلة الجريئة والصور، وكذلك بسبب طريقة تفكيره.
وسؤالي: هل ترددي ونفوري الشديد منه بعد أن تقدم لي، وما أشعر به من خوف وقلق تجاه الزواج به، يدل على أن الأفضل لي عدم الاستمرار معه؟ وهل أكون مخطئةً إذا رفضته وفسخت الخطبة، رغم إصراره على الزواج بي، أم أن ما أشعر به قد يكون مجرد خوف وتوتر بسبب اقتراب الزواج؟
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخت الفاضلة/ أمة الله حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلًا بكِ في موقعكِ إسلام ويب، ونسأل الله أن يتقبل توبتكِ، ويشرح صدركِ، ويقدر لكِ الزوج الصالح الذي تسكن إليه نفسكِ، ويكون عونًا لكِ على دينكِ ودنياكِ.
وبعد: فالمشكلة عندكِ الآن أن ثلاثة أمور اختلط بعضها ببعض: الندم على العلاقة السابقة، وتفسير عودة هذا الشاب بعد الدعاء بأنها إشارة من الله، والخوف من أن يكون رفضكِ له بعد تقدمه ظلمًا له، أو تفويتًا لما اختاره الله لكِ.
وإذا فصلنا هذه الأمور، أصبح القرار أوضح كثيرًا، على هذا النحو:
أولًا: العلاقة السابقة كانت خطأً، لكن التوبة لم يغلق بابها:
استمرار العلاقة الخاصة بينكما ثلاث سنوات أمر لا يجوز ولا يحل، ولو كان غالب الحديث عن الدراسة والحياة اليومية، وكان الواجب أن تكون العلاقة من طريقها المشروع، خاصةً مع تكرر وعوده بالتقدم ثم تأجيلها.
لكن هذا مضى، وقد ندمتِ، وقطعتِ العلاقة، وتبتِ إلى الله، فلا تحولي التوبة إلى عقوبة دائمة لنفسكِ، فقد قال الله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53].
والتائب لا يثبت صدق توبته بأن يبقى مع الشخص الذي كان سببًا في المعصية، ولا يلزمكِ شرعًا أن تتزوجيه تكفيرًا عمَّا مضى؛ فالتوبة شيء، واختيار الزوج شيء آخر تمامًا.
ثانيًا: تقدمه بعد دعائكِ لا يعني أن الله اختاره لكِ، وهذه نقطة مهمة جدًّا:
نعم، أنتِ دعوتِ الله في رمضان أن يرزقكِ شخصًا آخر رأيتِ فيه صفات الزوج الصالح، ثم جاء الأول وتقدم لكِ في الوقت نفسه تقريبًا، فبدأتِ تتساءلين: لعل هذه إجابة الدعاء، ولعل الله يريد أن يعوضني به.
لكن لا تبني قرار الزواج على هذا الاستنتاج؛ فنحن لا نعرف مراد الله من تتابع الأحداث، وليس كل شيء يقع بعد الدعاء رسالةً خفيةً تحدد لنا ما يجب فعله.
فقد يدعو المرء بشيء، ثم يحدث شيء آخر، والواجب حينئذ أن تنظري في الأمر بالشرع، والعقل، والاستخارة، والاستشارة، والأسباب الظاهرة، فلا تقولي: "بما أنه عاد في هذا التوقيت، فلا بد أنه نصيبي"؛ فهذا خطأ، ولو كان مجرد حدوث الشيء دليلًا على أن الله يريده منا، لما كان للاختيار، والاستخارة، والاستشارة معنى.
ثالثًا: أنتِ غير ملزمة بالزواج منه؛ لأنه انتظركِ أو أحبكِ:
الزواج لا يقوم على الشفقة، ولا على تاريخ العلاقة، ولا على بكائه، ولا على إصراره، ولا على شعوركِ بأنكِ مدينة له بشيء. وأخطر ما يمكن أن يحدث أن تتزوج الفتاة رجلًا لا تريده؛ لأنها تخشى أن تجرحه برفضه، فالعاطفة التي تجعلكِ تقبلين اليوم شفقةً عليه، قد تتحول بعد الزواج إلى ضيق منكِ ومنه، وعندئذ يكون الألم أكبر على الطرفين.
وقد جعل الشرع رضا المرأة معتبرًا في الزواج، فلا يملك هو بإصراره، ولا غيره بضغطه، أن يسلبكِ حقكِ في القبول والرفض.
رابعًا: فرقي بين رهبة الزواج وبين النفور من الشخص:
قد تتوتر الفتاة حين يقترب الزواج، وهذا طبيعي، لكن الذي تصفينه أوسع من مجرد رهبة عابرة؛ فتقولين إن مشاعركِ تجاهه نقصت قبل تقدمه، وإنكِ فقدتِ الثقة في وعوده، ثم لما أصبحت الأمور جديةً، ازداد رفضكِ الداخلي، ووصل الأمر إلى نوبات خوف وهلع ومراجعة الطبيب، وتقولين صراحةً: "أنا مرعوبة من فكرة أن أتزوجه"، و"نفرتُ منه بشدة".
ونحن لا نقول إن كل عرض ألمَّ بكِ دليل على أن الزواج شر، ولا إن نوبة الهلع إشارة من الله؛ فهذا غير صحيح، لكن، في المقابل، لا يصح تجاهل موقفكِ النفسي الواضح من الرجل.
والسؤال الأهم ليس: لماذا دق قلبي؟ ولماذا اضطربت معدتي؟ وإنما: لو اختفى الخوف كله غدًا، هل أريد هذا الرجل زوجًا بالفعل؟ فإذا كان الجواب في داخلكِ: "لا"، وبأسباب منطقية وشرعية، فهذه مسألة ينبغي حسابها.
خامسًا: هناك أمور ذكرتِها تحتاج إلى نظر مستقل:
ذكرتِ خوفه المفرط من السحر والعين، حتى يصل إلى الشك في المحيطين به وفيكِ، وذكرتِ نظره إلى الفتيات، ومحاولته خدش حيائكِ بالأسئلة الجريئة والصور، فلا تتجاهلي هذه الأمور؛ لأن بينكما تاريخًا قديمًا. وخاصةً مسألة السحر والعين؛ فالإيمان بهما ثابت شرعًا، لكن تحويلهما إلى تفسير دائم للحياة والشك في الناس أمر آخر، وقد يجعل الحياة الزوجية مرهقةً إذا كان الأمر كما تصفين.
وكذلك احترام حيائكِ وحدودكِ مهم، والرجل الذي يريدكِ زوجةً ينبغي أن يكون أول من يحفظ هذه الحدود، لا أن يضغط عليكِ لتجاوزها. ولا نحكم عليه من رسالتكِ بأنه سيئ أو غير صالح، لكن نقول: هذه أمور ينبغي تقييمها بجدية قبل الزواج، والسؤال عنه من أشخاص يعرفونه حقيقةً، لا الاكتفاء بما عرفتِه أنتِ خلال العلاقة.
سادسًا: لا تجعلي الشخص الآخر جزءًا من قراركِ:
الشاب الذي أعجبتِ بصفاته، ودعوتِ الله أن يرزقكِ به، أخرجيه مؤقتًا من المعادلة، فلا ترفضي الأول لأنكِ تتمنين الثاني، ولا تقبلي الأول لأن الثاني لم يتقدم. بل انظري إلى من جاء خاطبًا وحده، واسألي نفسكِ: لو لم يوجد ذلك الشخص الآخر أصلًا، فهل أقبل بهذا الرجل دينًا، وخلقًا، وشخصيةً؟ وهل أطمئن إلى بناء بيت معه؟ بهذا يكون قراركِ أنقى وأعقل.
سابعًا: ماذا تفعلين الآن؟
• لا تستمري في إجراءات الزواج وأنتِ بهذه الحال.
• اطلبي إيقاف الأمر مدةً كافيةً، واقطعي المناقشات العاطفية المباشرة معه؛ لأن إصراره، وبكاءه، واستعطافه، قد يعيدكِ إلى الدائرة القديمة نفسها.
• اجعلي التواصل في أمر الزواج من خلال الأسرة، واستخيري الله، واستشيري من يعرف الرجل ويعرفكِ، واسألوا عنه في دينه، وخلقه، وطباعه، وغضبه، وتعامله مع المال، والنساء، وأسرته.
• استمري مع الطبيب أو المختص فيما يتعلق بنوبات الهلع إن بقيت؛ لأن قرار الزواج ينبغي ألَّا يصدر وأنتِ تحت ضغط نفسي شديد.
• ثم، بعد هدوئكِ، إن وجدتِ قبولًا حقيقيًا، واطمأننتِ إلى دينه وخلقه بعد السؤال، فلكِ أن تعيدي النظر.
• وإن بقي النفور وعدم الرغبة، فلا تتزوجيه، ولا تحتاجين إلى صناعة عشرات المبررات حتى يكون لكِ حق الرفض؛ فعدم قبولكِ به زوجًا في نفسه سبب كافٍ لعدم إتمام الزواج.
وأخيرًا:
• لا تنظري إلى السنوات الثلاث الماضية وكأنها صنعت دَينًا في رقبتكِ لهذا الرجل.
• لقد أخطأتما حين استمرت العلاقة خارج إطارها المشروع، ثم تبتِ أنتِ إلى الله، والآن يبدأ حساب جديد تمامًا: هل هذا الرجل مناسب لأن يكون زوجكِ وأبًا لأولادكِ أم لا؟
• إن كان مناسبًا ورضيتِ به، فتزوجيه لأنه صالح لكِ، لا لأنه ماضٍ عائد إليكِ.
• وإن لم تريديه، فارفضيه بأدب وحسم، ولا تجعلي الندم على علاقة انتهت يدفعكِ إلى زواج قد تندمين عليه عمرًا.
نسأل الله أن يختار لكِ الخير، ويرضيكِ بما يختاره لكِ، وفي كلٍّ خير، واحرصي على ما ينفعكِ، واستعيني بالله ولا تعجزي، والله الموفق.