كيف أوازن بين بر والديّ وضيقي من تشديدهم في بعض الأمور؟

2026-08-12 00:48:16 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا فتاة أعيش مع أهلي، وهم لا يسمحون لي بالخروج من المنزل إلَّا بوجود محرم، سواء كان الخروج داخل المدينة لقضاء الحاجات، أو للتنزه، أو لزيارة الأماكن العامة، وبسبب عدم توفر محرم في كثير من الأحيان، قد أبقى شهرًا أو شهرين دون أن أخرج من المنزل، وقد أثر ذلك في حالتي النفسية بشكل واضح.

كما أن أهلي يتشددون في بعض الأمور التي لا أعلم أن الشرع قد أوجبها، وأشعر أن هذا التشدد قد سبَّب لي ضيقًا، مع علمي بأن الإسلام دين يُسر، وليس دين عسر.

وسؤالي هو:
• كيف أتعامل مع أهلي في هذه الحالة، مع المحافظة على برهم وعدم عقوقهم؟
• وهل يلزمني شرعًا ألَّا أخرج داخل المدينة إلَّا مع ذي محرم، أم أن هذا من باب تنظيم الأهل وليس حكمًا شرعيًّا عامًّا؟
• وما توجيهكم لي في مثل هذه الحالة؟

جزاكم الله خيرًا.

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سارة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ -ابنتنا العزيزة- في استشارات إسلام ويب.

نشكر لكِ تواصلكِ بالموقع، ونشكر لكِ حكمتكِ وحسن تدبيركِ للأمور، من حيث السؤال عن الحكم الشرعي، ومعرفة أن لِلأهل حقًّا وسلطةً على البنت، لرعاية مصلحتها، وحفظها، والقيام بشؤونها، وهذا كله دليل على رجاحةٍ في عقلكِ، وحسنٍ في تصريفكِ للأمور، فنسأل الله تعالى أن يزيدكِ صلاحًا، وهدايةً، وحكمةً.

وبدايةً نقول -ابنتنا العزيزة-: إن أحكام المحرم للخروج مختصة بالسفر، أما داخل البلد؛ فالأصل أن المرأة يجوز لها أن تخرج بلا محرم إذا أمنت على نفسها. ولكن قد أصبتِ كبد الحقيقة، ووُفقتِ لمعرفة الحق في هذا الأمر، وأن الحالات مختلفة في الحكم عليها، وأن التفريق بين الأحكام المستقرة الدائمة والأحكام العارضة المؤقتة أمر ملحوظ في الشرع الإسلامي. فكونكِ ذكرتِ في السؤال أن هذا الأمر قد يكون من باب تنظيم الأهل وليس حكمًا عامًّا، هذا الكلام كلامٌ صحيح موافق لأحكام الشريعة، فإن الفقهاء ينصون في كتبهم على أن للوليِّ أن يمنع البنت من الخروج من البيت.

ولا شك أن هذا المنع المقصود به رعاية المصالح، والحفاظ على البنت، وتجنيبها أنواعًا من المفاسد، سواء كانت مفاسد متحققة أو متوقعة، ومن ثم فينبغي أن تتعاملي مع منع أهلكِ لكِ من الخروج بهذه الروح، وسيسهل عليكِ تقبُّل هذا المنع.

وهذا لا يعني أنكِ مأمورة بالامتثال لهذا الأمر وإن نشأ عنه ضرر عليكِ، فالشريعة الإسلامية قائمة على جلب المصالح ودفع المفاسد، وعلى نفي الضرر، ولهذا من القواعد الإسلامية العامة: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ»، وكذلك من قواعد الشرع الإسلامي: (الضَّرر يُزال). فإذا كان المنع من الخروج لمدة طويلة يسبب لكِ بالفعل ضررًا وأذًى نفسيًّا، فهنا ينبغي أن تأخذي الأسباب، وتسلكي السُّبُل المؤدية إلى رفع هذا الضرر، ولكن مع محافظتكِ على بر والديكِ والإحسان إليهما.

والطريقة المثلى في هذه الحالة هي أن تتوجّهي إلى والديكِ؛ لتبيني لهما ما وقع عليكِ من ضرر، مع تفهمكِ لحرصهما عليكِ، وتفهمكِ لرعايتهما لمصلحتكِ.

فيمكن أن تقولي لهما: "أنا مقدرة لخوفكما عليّ وحرصكما على سلامتي، ولكن بقائي في المنزل مدة طويلة لشهر أو شهرين أصبح يسبب لي ضيقًا شديدًا، فكيف أجمع بين دفع هذا الضَّرر عن نفسي وبين أن أتجنب فعل الشيء الذي يغضبكم أو يخالف الشرع؟ فيمكن أن نتفق على أن أخرج في بعض الأماكن الآمنة والمناسبة، أو أن أخبركم بمكاني الذي أذهب إليه ووقت رجوعي، وإذا كان المكان بعيدًا أو فيه ما يدعو إلى القلق والخوف عليّ؛ التزم بما ترونه فلا أخرج".

فطرحكِ للموضوع بهذه الطريقة سيجعلهم يتفهمون حاجتكِ للخروج، وسيتحول الأمر من تنازع على سلطة وعناد في طاعة الأمر إلى اتفاق على ضوابط تحفظ ثقة أهلكِ فيكِ، وتحفظ سلامتك أنتِ. وإذا تمكنتِ من توسيط مَن له تأثير على والديكِ من الأقارب، ومحاولة الوصول إلى حل يحقق مقصود الجميع؛ فتحققي أنتِ مقصود الخروج من الترفيه عن النفس وأخذ حظكِ من النزهة، وتحققي في الوقت نفسه أمن أهلكِ عليكِ وسلامتكِ؛ فهذا هو المقصود الذي من أجله منع الشرع الإسلامي البنت من الخروج إلَّا بإذن أهلها.

نرجو الله تعالى أن تتوصَّلي إلى حل متوسِّطٍ تتحقق به المصالح للجميع، ولكن نؤكد عليكِ -ابنتنا الكريمة- أن موقف أهلكِ هذا -وإن بدا لكِ أن فيه نوع تشدد- إلَّا أن الدافع عليه بلا شك هو حفظ مصالحكِ ورعاية شؤونكِ، وهذا واجبٌ عليهم أن يفعلوه، ولكن وفق الضوابط التي ذكرناها.

نسأل الله تعالى أن يوفقكِ لكل خير.

www.islamweb.net