أمي لم ترض عن زوجتي رغم كل ما بذلته لإرضائها، فما نصيحتكم؟
2026-08-02 01:37:25 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا رجل متزوج ولي أبناء، وعلاقتي بزوجتي طيبة، وقد وقع خلاف بين زوجتي وأمي، ورغم أن الخلاف كان بسيطًا، إلَّا أنني -في محاولة لإنصاف أمي- كدت أُطلِّق زوجتي، غير أن الله عز وجل سلَّم، وعادت علاقتي بزوجتي إلى ما كانت عليه، إلَّا أن هذا الأمر لم تستسغه أمي، ورغم جميع المحاولات التي قامت بها زوجتي لإرضائها وطلب الصفح منها، فإنها لم ترغب في التنازل.
سؤالي: هل تطليق زوجتي يدخل في طاعة الوالدين وبرِّهما؟
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخ الفاضل/ هشام حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلًا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يصلح ما بينكم، وأن يؤلف بين القلوب، وأن يرزقك الحكمة والعدل.
بر الوالدين من أعظم الواجبات، وقد قرنه الله بتوحيده في غير ما موضع من كتابه، وهو من أعظم القربات إلى الله تعالى، لكن هذا لا يعني أن كل ما يطلبه الوالدان يجب تنفيذه، بل الطاعة إنما تكون في المعروف، وليس لأحد -كائنًا من كان- أن يأمر بما فيه ظلم، أو قطيعة، أو تعدٍّ على حقوق الآخرين.
ولهذا فإن مجرد غضب الأم على زوجة ابنها، أو وجود خلاف بينهما، لا يجعل طلاق الزوجة واجبًا، ولا يكون طلاقها من البر الواجب بالأم، بل إن الأصل أن الزوج مؤتمن على زوجته، وقد أمره الله أن يعاشرها بالمعروف، وأن يحفظ حقها، كما أمره ببر أُمِّه والإحسان إليها، فليس المطلوب أن يهدم حقًّا ليقيم آخر، وإنما المطلوب أن يعدل بين الحقوق ما استطاع.
وقد وقع في رسالتك ما يدل على أن زوجتك حاولت الاعتذار، وطلب الصفح، وإصلاح ما وقع، ومع ذلك بقيت والدتك رافضة للصلح، فإن كان الأمر كما ذكرت، ولم يكن على زوجتك ظلم ظاهر أو إساءة متكررة، فلا نرى أن تطليقها يكون من البر، بل قد يكون ظلمًا لها، وظلمًا لأولادك، وإفسادًا لبيت مسلم من غير مسوغ شرعي.
وأمَّا ما يستدل به بعض الناس من قصة عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- حين أمره أبوه بتطليق زوجته، فهذه واقعة خاصة بعمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، وهو صحابي مُلهَم، وقد أقرَّ النبي ﷺ فيما ذهب إليه عمر، وهذان الأمران لا يتوافران في أحد بعدهم، بل هما منتفيان قطعًا فيمن سواهم.
ولذلك لم يقل جمهور أهل العلم بأن الوالد إذا أمر ولده بطلاق زوجته أن عليه السمع والطاعة، بل نظروا إلى سبب الطلب: فإن كان لمصلحة شرعية ظاهرة، أو لفساد في الزوجة، كان للأمر وجه، مثل أمر نبي الله إبراهيم لابنه إسماعيل بأن يُغيِّر عتبة بابه (يعني يطلق زوجته)، وذلك لأن زوجته كانت سيئة العشرة معه، ففهم إبراهيم -عليه السلام- من حالها ما يدل على عدم صلاح بقاء النكاح معها، فأشار على ابنه بتطليقها، وهذه القصة لا يُقاس عليها كل أمر يصدر من الوالدين في شأن زواج أو طلاق الأبناء، أمَّا إذا كان سببه مجرد الخصومة، أو عدم الارتياح، أو الغيرة، فلا يجب الطلاق، وقد يكون ظالمًا إن فعل ذلك.
لذا ننصحك أن تستمر في بر والدتك، وخدمتها، والإحسان إليها، والصبر على ما يصدر منها، وألَّا تسمح في الوقت نفسه بظلم زوجتك، أو إشعارها بأنها مهددة بالطلاق كلما وقع خلاف عائلي.
كما ننصح زوجتك أن تستمر في حسن الأدب مع والدتك، ولو لم تجد منها ما ترجوه، فإن الإحسان لا يضيع عند الله، وربما ليّن الله القلوب مع الأيام.
واجعل همك الآن أن تبني جسور الهدوء، فلا تنقل الكلام بين الطرفين، ولا تجعل كل خلاف يصل إلى الآخر، وحاول أن يكون لكل واحدة منهما حقها ومكانتها؛ فأمك لا يعوضها أحد، وزوجتك شريكة عمرك وأم أولادك، والعدل بين الحقوق من أعظم ما يتقرب به العبد إلى الله.
كذلك أحسن إلى زوجتك ما استطعت بينك وبينها، وانصحها بلطف، وأخبرها بتقديرك لما تفعله، وكن بارًّا بأهلها؛ فإن المرأة يأسرها إحسان زوجها إلى أهلها، ويدفعها إلى مزيد من التحمل والصبر والإحسان.
نسأل الله أن يصلح ذات بينكم، وأن يذهب ما في النفوس، وأن يجعل بيتكم عامرًا بالمودة والسكينة، والله الموفق.