حياتي متوقفة ..فكيف أتعامل مع البلاء الطويل دون أن أفقد السكينة؟
2026-07-01 00:20:02 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم.
أنا منذ خمس سنوات وحياتي متوقفة، ولي سنوات وأنا أدعو الله أن يفرّج همّي وييسّر أمري، وأدري، وعندي يقين تام، أن ما أمرّ به الآن لا بد أن فيه خيرًا لي، وأحاول أن أعيش أيامي بسعادة، لكن هذا البلاء يشتدّ عليّ بين فترة وأخرى، بل إن الأمر الذي بسببه توقفت حياتي يزداد سوءًا.
أخاف أن يكون هذا عقوبة من الله، وأن الله غير راضٍ عني، البارحة جاءني خبر بأن الموضوع ازداد سوءًا، فشعرت بالحزن، وكتبت بعض التغريدات التي عبّرت فيها عن حزني وتعبي.
الآن أخاف أن يكون ذلك دليلًا على أنني لم أرضَ بقضاء الله وقدره، حتى إنني قلت بيني وبين نفسي: كل الناس تعيش حياتها وتتيسر أمورها، وحتى إذا ضاقت عليهم فإنها تنفرج سريعًا، فلماذا أنا هكذا؟ وأخاف أن يكون هذا من السخط أو الجزع.
لكنني لم أوضح لأحد من أهلي أنني متضايقة، ولم أشتكِ لأحد، ومع ذلك أشعر أنني متعبة جدًا، وأن روحي مرهقة للغاية، وأخاف أن الله غير راضٍ عني، وأخاف أن تتعسر أموري أكثر، وأخاف ألا أكون قد صبرت الصبر الجميل.
وأخاف أيضًا أن ما أمرّ به ليس ابتلاءً أصلًا، فهناك أناس أوضاعهم في الحياة أصعب من وضعي، لكنني والله أشعر أنني أريد أن أعيش، وأن أمضي في حياتي، وأن أحقق إنجازات، وأنا دائمًا أدعو الله، وراضية بقدره، وأعلم أن ما دام هذا الأمر من عند الله فهو خير لي، لكنني لا أعرف كيف أتعامل بطريقة صحيحة مع هذا الوضع الذي أتعب روحي وأرهقها.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ أصايل حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نشكركم لتواصلكم معنا، وثقتكم بموقعنا.
قرأنا رسالتك بكثير من التأمل، وشعرنا بثقل ما تحملينه في صدرك منذ سنوات، أنت تحملين يقيناً بالله في قلبك، وفي الوقت نفسه تحملين تعباً حقيقياً في روحك، وهذا ليس تناقضاً، بل هو طبيعة الإنسان الذي يؤمن ويتألم في آنٍ واحد.
دعينا نتناول معك مسألة مسألة مما طرحتِه في رسالتك.
أولاً: هل الحزن وكتابة الألم سخط على قضاء الله؟ هذا السؤال الذي يعتصر قلبك، ونريد أن نطمئنك: الحزن ليس سخطاً، والتعبير عن الألم ليس معصية، نبي الله يعقوب عليه السلام بكى على فراق يوسف حتى ابيضت عيناه من الحزن، وكان مع ذلك صابراً راضياً بقضاء الله، وقد قال: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (يوسف:86).
وكذلك بكى النبي صلى الله عليه وسلم حين توفي ابنه إبراهيم، فقال: (إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يُرْضِي الرَّبَّ) رواه البخاري ومسلم.
أما الصبر الجميل الذي ذكره القرآن الكريم، فهو الصبر دون الشكوى لغير الله، حتى لو صاحبه البكاء أو الحزن.
السخط المذموم هو الاعتراض على الله، وقول ما يُغضبه، أما الحزن والبكاء، والكتابة عن الألم، فلا حرج فيه ما دام القلب في باطنه يعلم أن ما جرى من عند الله، وفيه خير، وأنت بنفسك أخبرتينا أنك تحملين هذا اليقين، فلا تتهمي نفسك بما أنت منه بريئة.
ثانياً: هل البلاء الطويل دليل عقوبة؟
أختي الكريمة، الابتلاء لا يُقاس بطول مدته كدليل على سخط الله، وإلا لكان الأنبياء والصالحون أبعد الناس عن رضاه وهم أكثر الناس ابتلاءً، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ)، رواه الترمذي وابن ماجه. وقد كان نبي الله أيوب عليه السلام في بلائه سنوات طويلة لم تكن عقوبة، بل كانت رفعاً لمقامه عند الله، بل يُبشرنا الحديث الشريف: (إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ) رواه الترمذي. فالبلاء الطويل قد يكون دليل محبة، لا دليل سخط، وأنت بيقينك، وصبرك، ودعائك في مقام الرضا لا السخط.
ثالثاً: ذكرت في رسالتك أمرين: أنك تتساءلين لماذا تنفرج أمور الناس، وتتأخر أمورك، وأنك تشعرين أحياناً بأن ثمة من وضعه أصعب منك، أما الأمر الأول فنعلمك أن ما نراه من يسر في حياة الآخرين لا يعني خلو حياتهم من البلاء، فربما ابتلاؤهم فيما نحسدهم عليه ظاهرياً، وقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم دواء هذا الشعور، إذ قال: (انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) رواه مسلم، وحين يطيل الله ابتلاءك، فهو يعلم أنك تحتملين، قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (البقرة:286).
أما الأمر الثاني فاعلمي أن الألم ليس مسابقة يُحكم فيها للأشد وضعاً، فأنت تعانين ما يستحق أن يُرفع إلى الله، ويُدعى من أجله، وأنت تفعلين ذلك.
رابعاً: كيف تتعاملين مع هذا التعب الروحي؟
يقول أحد الشعراء الحكماء:
وَإِذَا عَرَتْكَ بَلِيَّةٌ فَاصْبِرْ لَهَا ... صَبْرَ الكَرِيمِ فَإِنَّهُ بِكَ أَعْلَمُ
وَإِذَا شَكَوْتَ إِلَى ابْنِ آدَمَ إِنَّمَا ... تَشْكُو الرَّحِيمَ إِلَى الَّذِي لَا يَرْحَمُ
فأفيضي دائماً بشكواك إلى الله، واجعلي دموعك في السجود طريقاً إلى الفرج، لا ثقلاً تحملينه في صمت، وحين دعاك الله للشكوى إليه قال: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ (النمل:62)، فلا تحرمي نفسك من هذا الكنز.
ومع ذلك، لا بأس أن تشاركي شخصاً تثقين به من أهلك شيئاً مما تحملين؛ فاحتجاز الألم بمفردك عبء مضاعف، التحدث عن الحزن مع من تثقين به ليس تذمراً، بل هو طلب للمساندة، وهذا حق الإنسان على من يحبه، كما أن الاهتمام بنفسك يومياً أمر لا يُهمل، فقللي من متابعة حياة الآخرين على وسائل التواصل الاجتماعي؛ لأنها تزيد الشعور بالمقارنة، وأكثري من الأنشطة التي تمنح روحك هدوءاً، ولو كانت بسيطة كالمشي أو القراءة.
وتلك الرغبة الصادقة التي تحملينها في قلبك في العيش والتحرك والإنجاز، اعتبريها طاقة إيجابية فيك لا تدعيها تخمد، واستثمريها في كل ما هو بيدك الآن مهما بدا صغيراً.
ويذكرنا الإمام الشافعي رحمه الله بما يُطمئن القلب:
ضَاقَت فَلَمَّا اسْتَحْكَمَت حَلَقَاتُهَا ... فُرِجَت وَكُنْتُ أَظُنُّهَا لَا تُفْرَجُ
وهذا هو وعد الله: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (الشرح:5-6)، كرر الله اليسر مرتين، وذكر العسر مرة، ومن سنن الله أن الفرج كثيراً ما يأتي حين يبلغ الضيق منتهاه.
وخمس سنوات من الدعاء، واليقين، والصبر رصيد عظيم عند الله لا يضيع.
وإن شعرت أن هذا الإرهاق يؤثر على صحتك ويومياتك بشكل متواصل ومقلق، فمن الحكمة أن تستشيري متخصصاً نفسياً يساعدك على إدارة ما تمرين به، وهذا لا يتعارض مع التوكل على الله، بل هو من باب الأخذ بالأسباب التي أمرنا بها ديننا.
نسأل الله أن يفرج همك، ويكشف كربك، وأن يجعل ما مضى من سنوات الصبر ذخراً لك عنده، وأن يأتيك اليسر من حيث لا تحتسبين.
ونسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يهديك سواء السبيل.