في داخلي صوت يشعرني بأن زواجي لن يتم، فهل أتركه لأجل ذلك؟
2026-06-24 00:39:00 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم
هناك شخص معي في الجامعة يحبني، وأنا كذلك أحبه، ولكن كلانا لم يصارح الآخر بعد، أي أنه مجرد إحساس، وهو قد راسلني مرة وأخبرني بأنني فتاة طيبة جدًا، وأختلف عن بقية الفتيات، وأنه رجل صالح، والأيام ستثبت لي هذا الشيء (يعني باختصار خطبني، ولكنه ينتظر انقضاء شهر محرم)، وأنا متأكدة أنه يحبني، وفعلاً هو مستعد ليأتي اليوم قبل الغد لكي يتقدم لي.
لكن هناك إحساسان بداخلي يتعبانني كثيرًا؛ الإحساس الأول فيه صوت داخلي يقول لي: "لن تتزوجا"، وفي الوقت نفسه الذي يخرج فيه هذا الصوت، يأتي تأكيد آخر يقول: "بل سنتزوج"، وأنا مؤمنة جدًا برب العالمين أن يقدم ما فيه الخير، ودائمًا أصد الصوت الذي يقول إننا لن نتزوج، بالتأكيد الذي بداخلي أنه سيتم على خير إن شاء الله.
ولكنني تعبتُ كثيرًا من هذين الصوت، ومن هذين التأكيدين اللذين يأتيان في الوقت نفسه، وخائفة من أن يكون هذا الصوت صحيحًا؛ لأنني في كثير من الأحيان -إن لم يكن غالبًا-، يكون هذا الصوت صحيحًا، كذلك هذا التأكيد الذي يأتي في الوقت نفسه يكون أحيانًا صحيحًا أيضًا، فلهذا أنا حائرة؛ هل أكمل في هذا الموضوع أم أتركه بسبب إحساسي؟!
كيف يجب أن أتصرف؟! لدرجة أنني بدأت أفكر في مراسلة هذا الشخص وأقول له: "لا تتعب نفسك وتأتي، فعلامَ الخسائر ونحن لن نتزوج؟".
هذا الموضوع متعب لي للغاية، ويشغل تفكيري كثيرًا، ولا أعرف ما مصير الأمر الذي أريده؛ هل أكمل فيه أم أنهيه؟ وأتمنى أن تُفهموني كيف أتخلص من هذا الشيء، وهل فعلاً يجب أن أستمع لهذا الصوت أم أستمع للتأكيد، أم لا أستمع لكليهما؟
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سجى حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
بداية: نشكرك ابنتنا الكريمة على ثقتك في عرض ما يشغل بالك، كما نثني على حرصك في هذه المرحلة العمرية المهمة من حياتك على معرفة التصرف الصحيح، وعدم الانجراف وراء العواطف أو العلاقات غير المنضبطة شرعاً، ومما يُحمد لك أيضاً أنك حريصة على أن يكون أي ارتباط في إطار الحلال وعن طريق الأهل، لا من خلال علاقة عاطفية أو تواصل يتجاوز حدود الشرع، وهذا يدل على خير فيك ووعيٍ يُرجى أن يكون سبباً للتوفيق والسداد.
كما أن المرحلة العمرية التي تعيشينها الآن -وهي أواخر المراهقة وبداية الشباب- تتميز بكثرة التفكير في المستقبل، والرغبة في الاستقرار وتكوين الأسرة، مع وجود قدر من الحساسية الانفعالية والتردد عند اتخاذ القرارات المهمة، ولذلك فمن الطبيعي أن تشغلك مثل هذه القضايا، وأن تأخذ حيزاً من تفكيرك.
ابنتنا الكريمة: نود أولاً أن نلفت انتباهك إلى أمر مهم، وهو أن ما تصفينه بأنه إحساس أو صوت داخلي ليس بالضرورة حقيقة، أو دليلاً على ما سيقع في المستقبل، بل قد يكون مجرد توقعات، أو احتمالات، أو مخاوف ذهنية ينسجها العقل، ثم يكثر الانشغال بها حتى تبدو وكأنها حقائق مؤكدة.
نحن نقدّر مقدار القلق الذي يسببه لك هذا الأمر، لكن ينبغي التفريق بين الإحساس الشخصي وبين العلم بالغيب، فالغيب لا يعلمه إلا الله تعالى.
ومن خلال ما ذكرتِه: لا يظهر أن هناك مؤشرات واقعية تؤكد أن هذا الزواج لن يتم، كما لا توجد أيضاً مؤشرات قطعية تؤكد أنه سيتم حتماً؛ ولذلك فبقاء التفكير بين احتمالين متناقضين: (سيحدث) و(لن يحدث)، ثم الانشغال المستمر بهما، هو الذي يسبب لك هذا الإرهاق النفسي والحيرة.
ومن المهم هنا أن نتذكر توجيهات الإسلام في مثل هذه المواقف؛ فقد أرشدنا القرآن الكريم والسنة النبوية إلى أهمية اختيار الزوج الصالح صاحب الدين والخلق، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه)، فإذا كان هذا الشاب معروفاً بالاستقامة والدين وحسن الخلق، وكانت أسرته مناسبة، وكان التقدم سيتم بصورة رسمية عن طريق الأهل، فهذه من الأمور الإيجابية التي ينبغي النظر إليها بعين الاعتبار.
وقد ذكرتِ أن هناك اتفاقاً مبدئياً على أن يتقدم بعد انقضاء شهر الله المحرم، وهذا في حد ذاته مؤشر على أن الأمر يسير في طريقه الطبيعي والشرعي، لكن يبدو أن المشكلة الحقيقية ليست في الشاب نفسه، وإنما في كثرة التفكير في المستقبل، ومحاولة استباق الأحداث، وتوقع النتائج قبل وقوعها.
ولهذا ننصحك بما أرشدنا إليه الشرع عند الإقدام على القرارات المهمة والمصيرية، وهو الجمع بين الاستشارة والاستخارة؛ فاستشيري والديك، ومن تثقين بحكمتهم وخبرتهم، واستخيري الله تعالى بصدق، ثم امضي في ما يظهر لك أنه الأصلح، مع تفويض الأمر لله عز وجل، فإذا كان في هذا الأمر خير لك فسييسره الله، وإن كان غير ذلك، فسيصرفه عنك، ويعوضك خيراً منه.
أما الاستغراق في التساؤلات من قبيل: هل سأتزوج أم لا؟ وهل هذا الإحساس صحيح أم لا؟ وهل أوقف الموضوع قبل أن يبدأ؟ فغالباً لا يؤدي إلا إلى زيادة الحيرة والقلق دون الوصول إلى نتيجة عملية.
كما أننا لا ننصحك باتخاذ قرار مصيري بإنهاء الموضوع، أو رفض الخاطب اعتماداً على هذه الأفكار، أو الأحاسيس وحدها؛ لأن القرار في هذه الحالة سيكون مبنياً على مشاعر متقلبة واحتمالات غير مؤكدة، وليس على معطيات واقعية واضحة، والأصل أن تُبنى القرارات المهمة على الدين والخلق، والمشاورة والاستخارة والوقائع الحقيقية، لا على التوقعات الذهنية.
ومن الوسائل العملية التي قد تساعدك:
عندما ترد عليك هذه الفكرة اكتبيها في ورقة أو في هاتفك.
اسألي نفسك: ما الدليل الواقعي عليها؟
ما الدليل الواقعي الذي ينفيها؟
هل هي حقيقة أم مجرد احتمال؟
ثم أجّلي التفكير فيها إلى وقت لاحق بدلاً من الاسترسال معها طوال اليوم.
فهذا الأسلوب يساعد على التعامل مع الفكرة بصورة عقلانية، بدلاً من الانغماس فيها انفعالياً.
كذلك حاولي عدم مراقبة مشاعرك أو اختبار صحة إحساسك بصورة مستمرة؛ لأن كثرة المراقبة تجعل الفكرة أقوى وأكثر إزعاجاً، وعندما يأتيك هذا الصوت الداخلي، فالأفضل أن تقولي لنفسك: هذا مجرد احتمال وليس حقيقة، ثم تنشغلي بأمر آخر نافع في دراستك أو حياتك اليومية.
ومن الجوانب المهمة أيضاً أن تحافظي على حدود العلاقة الشرعية، وألا تدخلي في تواصل عاطفي مطول، أو ارتباط غير رسمي قبل التقدم والخطبة الشرعية، فذلك أحفظ لقلبك، وأبعد عن التعلق والقلق، وأقرب إلى رضا الله تعالى.
أما إذا لاحظتِ أن هذه الأفكار أصبحت متكررة بصورة مزعجة جداً، أو أنها تستحوذ على جزء كبير من يومك، أو تمنعك من اتخاذ القرار المناسب، أو تسبب لك ضيقاً شديداً ومستمراً، فحينها يُستحسن مراجعة مختص نفسي؛ لأن بعض الأشخاص يعانون من أفكار قهرية أو قلق مفرط تجاه المستقبل، ويمكن للمختص أن يساعدهم على التعامل معها والسيطرة عليها بطرق علاجية فعالة.
وخلاصة القول: لا تستمعي إلى هذا الإحساس باعتباره حكماً على المستقبل، ولا تتخذي قرارك بناءً عليه، وإنما انظري إلى الواقع، واستشيري أهلك، واستخيري ربك، فإذا تقدم الخاطب، وكان صاحب دين وخلق، وكفاءة مناسبة، فاتخذي قرارك بعد المشورة والاستخارة، ثم توكلي على الله تعالى، ودعي ما غاب عنك من أمور المستقبل لرب العالمين، فإنه سبحانه يعلم وأنت لا تعلمين، ويقدر الخير لعباده المؤمنين حيث كان.
نسأل الله تعالى أن يشرح صدرك، وأن ييسر لك الخير حيث كان، وأن يرزقك الزوج الصالح والحياة الطيبة المباركة، وأن يوفقك لما فيه خير دينك ودنياك، وأن يرزقك الطمأنينة وحسن التوكل عليه.
وبالله التوفيق والسداد.