شاب في الغربة يريد الخروج من دائرة العادة المحرمة: ما نصيحتكم له؟
2026-04-21 22:35:02 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم.
أنا شاب في التاسعة عشرة من عمري، سافرت حديثاً للدراسة في بلد أجنبي، أعاني من ذنب أنهكني جداً؛ فأنا شاب ضعيف جداً في الخلوات، فكلما خلوت فعلت معصية أحاربها منذ سنين، ألا وهي العادة السرية!
كنت أفعلها منذ أن كنت في الحادية عشرة أو الثانية عشرة من عمري، ولم أكن أعلم ما هي؛ حيث لم أجد شخصاً يحذرني ويبصرني بمخاطرها، عندما أصبح عمري ستة عشر عاماً علمت بأنها حرام، وعلمت بمخاطرها، ومن هنا بدأت محاربتي لها، كلما انقطعت عنها فترة، سرعان ما أعود إليها مرة أخرى، وأنا على هذه الحال إلى يومنا هذا، وكلما فعلتها سارعت بالتوبة -والحمد لله-.
عندما أعود إليها، أعود إلى ذنوب أخرى تركتها، أكثرها سماع الأغاني، والله إني تعبت من هذه العادة، إنها مؤثرة على حياتي كلها؛ على دراستي ونفسيتي، والكثير من الأشياء، والله إنني أريد التخلص منها، مع العلم أنه يظهر للناس أنني شخص محترم وملتزم، ولكن عندما أخلو مع نفسي أضعف.
جربت أغلب الحلول؛ التزمت النوافل، وصمت تطوعاً، وتصدقت، وعندي ورد من القرآن شبه يومي، ومحافظ على صلاتي في الجماعة والحمد لله (والله لا أقول هذا رياءً عن نفسي، ولكن لأضعكم في الصورة).
لا أستطيع الزواج الآن؛ فأنا في بداية مسيرتي الجامعية، ولا أريد الضغط على أسرتي (بصفتي البكر والمعين لأسرتي بعد الله -سبحانه وتعالى-، وأيضاً أسرتي لا تملك المال الكافي لتزويجي)، لكنني أملك النية الخالصة للزواج -إن شاء الله بعد أن يرزقني الله بعمـل؛ حيث إن الله زرع في قلبي حب ابنة خالتي منذ عامين تقريباً، وهي تصغرني بأربع سنين، وهي أيضاً تبادلني هذا الحب، ووعدتها بالزواج.
كنا نتحدث مع بعضنا بالرسائل، وكان كلامنا في حدود السلام فقط والاطمئنان على بعضنا، ولكن أبشركم لقد تبنا إلى الله تعالى من هذه العلاقة، وقطعنا التواصل بيننا منذ أكثر من عشرة أشهر.
أرجو منكم إعانتي، للتخلص من هذه العادة والاستقامة على الطريق الحق.
لدي نقطة أخرى -جزاكم الله خيراً- لقد انتقلت إلى هذا البلد الأجنبي، وسكنت في شقة مكونة من ثلاث غرف، أي غرفة لكل طالب، يسكن معي شاب من نفس جنسيتي وشاب آخر من جنسية أخرى.
مشكلتي هي مع الشاب الذي من جنسيتي؛ حيث إنه يريدنا أن نتشارك في طبخ الطعام، وأنا لا أريد ذلك؛ لأنه شخص عشوائي فوضوي وغير نظيف (آسف على وصفه بهذه الطريقة). هو شاب مؤدب ومحترم جداً وملتزم، ولكن يوجد لديه هذا العيب، وأنا شخص مرتب ولا أحب العشوائية، فكيف أوصل له أنني أريد الطبخ بنفسي؟
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ Abdo حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نشكرك على تواصلك معنا وثقتك بموقعنا.
فهمنا من رسالتك أخي الكريم أنك تحمل ثلاثة هموم في آنٍ واحد، وقد أحسنت حين أفصحت عنها بهذا الصدق النادر، فالرجل الذي يعترف بضعفه أمام الله، ويطلب المعونة، هو في حقيقته رجل قوي لا ضعيف.
أولاً: نُثني عليك ثناءً صادقًا، فما تفعله من محافظة على الصلوات في الجماعة، والصيام، والصدقة، وقراءة القرآن، لهو أمر يسعد القلب، ويدل على إيمان حي لم يمت، بل هو إيمان يكافح ويقاوم، وهذه المعركة التي تخوضها منذ سنوات، ليست دليلاً على فسادك، بل دليل على أن فيك خيرًا يرفض الاستسلام.
العادة السرية التي تصفها، تعرف نفسياً بأنها نمط سلوكي إدماني، أي أن الدماغ قد تعلّم ربط الوحدة والضغط النفسي بهذا الفعل، كطريقة للتنفيس، وهذا ليس تشخيصًا إكلينيكيًا، وإنما فهم يساعدك على معرفة طبيعة عدوّك، والعدو الذي تعرفه أسهل مواجهةً من العدو المجهول.
لفت انتباهنا أنك ذكرت كلمة واحدة، هي مفتاح الحل، وهي قولك: (كلما خلوت)، الخلوة هي المدخل، وهي الزناد الذي يطلق الضعف، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يخلونَّ رجل بامرأة)، والحكمة في هذا النهي أن الخلوة تُسقط الحواجز، وهي قاعدة تنطبق على خلوة الإنسان مع نفسه في اللحظات الحرجة.
أخي الكريم: أنت جربت كثيرًا من الحلول الروحانية، وهي خير وبركة ولن تذهب سدى، لكن دعنا نضيف إليها أدوات عملية تكمّل ما بنيته:
الأمر الأول: أن تقطع طريق الخلوة من الأساس، وذلك بوضع ضوابط عملية في بيئتك الجديدة، اجعل باب غرفتك مفتوحاً كلما كنت وحدك، ولتكن جلساتك في المكتبة أو المقهى، أو أي مكان عام، بدلاً من غرفتك، الشيطان لا يستطيع أن يفعل شيئاً إذا انعدمت الفرصة قبل أن تنعقد النية.
الأمر الثاني: أن تعرف مُحفّزاتك الشخصية، هل يأتي الضعف عند الفراغ؟ أم عند الضغط الدراسي؟ أم عند الشعور بالوحدة والغربة في البلد الأجنبي؟ غالبًا ما يكون للإدمان السلوكي مُحفّز عاطفي، والغربة التي تعيشها الآن قد تكون رافداً جديداً لهذا الضعف، فانتبه لحالتك العاطفية قبل أن تنتبه للفعل ذاته.
الأمر الثالث: أن تستغل وقتك استغلالاً كاملاً، أنت في بلد جديد وجامعة جديدة، فابحث عن ناد رياضي أو مجموعة دراسية، أو تطوع في نشاط طلابي، الرياضة تحديداً تصرف الطاقة الجسدية، وتُفرز في الجسم مواد تعمل على تقليل الشهوة وتحسين المزاج.
قال أبو الطيب المتنبي:
أَعَزُّ مَكانٍ في الدُّنى سَرجُ سابِحٍ وَخَيرُ جَليسٍ في الزَّمانِ كِتابُ
وخير ما يُجالسك في لحظات الوحدة كتاب الله وورد الذكر، فلا تدع الفراغ ينصب عليك شَرَكه.
الأمر الرابع: أن تغيّر علاقتك بلحظة الانتكاسة، أنت الآن تتوب بعد الفعل، وهذا جيد، لكن حاول أن تطوّر مهارة التوقف قبله، وذلك بأن تُنشئ في ذهنك ما يُعرف (بخطة وقف الطوارئ)، حين تشعر بأنك تقترب من الضعف، قم فوراً وتوضأ وصلِّ ركعتين، أو اخرج من الغرفة، واتصل بأحد أصدقائك، ولو دون أن تخبره بشيء، المهم أن تقطع سلسلة الأحداث في منتصفها.
الأمر الخامس هو: ألّا تجعل من الانتكاسة نهاية القصة، أحد أخطر ما يفعله الشيطان أنه يحوّل الذنب إلى يأس، وهو ما يجعلك تقول: وقعت مرة فلأقع مرات، يقول الله عز وجل: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، كلما وقعت قم، وكلما أذنبت تب، ولا تنتظر أن تتوقف تمامًا لتبدأ في الصلاح، بل ابدأ في الصلاح الآن، ومعك ذنبك حتى يغادرك.
الأمر السادس: أن تستعين بمختص، لا نريد أن نُضخّم الأمر، لكن -للأمانة- فإن هذا النمط الذي يمتد لسنوات، ويقاوم كل محاولاتك، قد يستحق منك زيارة واحدة لمستشار نفسي متخصص في السلوكيات الإدمانية، وهو ما يتوفر في كثير من الجامعات الأجنبية مجاناً، ضمن خدمات دعم الطلاب، طلب المساعدة شجاعة وليست ضعفاً.
ثانياً: بخصوص علاقتك ببنت خالتك، أُثني عليك وعليها، أنكما قطعتما التواصل منذ عشرة أشهر، هذا قرار يستحق الاحترام، وفيه من النضج ما يدل على صدق التوبة، النية الصادقة للزواج بعد الاستقرار نية حسنة، وخير ما تفعله الآن هو أن تصون هذه النية في قلبك، وتعمل لتحقيقها بالجد في دراستك، دون أن تفتح قناة تواصل تُعرّض النية للانزلاق.
ثالثاً: موضوع الطهي مع زميلك، هذا الأمر أبسط مما يبدو، وحلّه بكلمات دافئة وصريحة، يمكنك أن تقول له بأسلوب مريح: أنا شخص لديه عادات معينة في المطبخ، وأحب النظام بطريقة خاصة، ولذلك أُفضّل أن أطبخ بشكل مستقل، حتى لا أُتعبك أنت بملاحظاتي، أو أُسبّب لك ضغطاً، ونبقى أصحاباً خارج المطبخ، هذا الأسلوب يُقدّم القرار كحماية له، وليس انتقاداً لشخصه، وهو الأكثر نجاحاً في مثل هذه المواقف، يقول الله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، وحسن القول في التعامل اليومي يُصلح الكثير مما يُفسده التهرب والصمت.
لا نريد أن ننهي حديثنا دون أن نقول لك: أنت شاب يحمل همّ دينه ودراسته وأسرته، وبنت خالته، كلها في وقت واحد وهو في التاسعة عشرة من عمره، هذا وحده يستحق التقدير، الطريق طويل، لكنك لست وحدك فيه، ومن كان الله معه فهنيئًا له.
نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يهديك سواء السبيل.