أتقاضى راتباً زهيداً وأرى أبواب السعي أمامي مغلقة..فهل من نصيحة؟

2026-04-01 00:09:03 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

سأختصر سؤالي: أنا أتابعكم وأقرأ الأسئلة التي تُطرح عليكم، والحمد لله أتعلّم ديني وحدي من تفسير القرآن وقراءة الأحاديث، وسماع العلماء عبر الإنترنت، وسؤالي هو:

عمري ٣١ عامًا، وحتى الآن لم أثبت على عمل، ومعي شهادة في الرياضيات، وأعمل بالتدريس في كل عام، ولكن في مكان مختلف وغير ثابت، وهذه السنة أعمل بالتدريس وأتقاضى مبلغًا زهيدًا جدًّا مقارنةً بزملائي في المهنة.

سعيت كثيرًا وأُغلقت أمامي أبواب السعي، حتى مرّت عليّ فترة كنت أُدرّس فيها في عدة مدارس ومعاهد، واشتهرت وكان لي اسم، والآن خسرت كل هذه الأماكن، وأعمل الآن في مدرسة واحدة لقاء مبلغ زهيد جدًّا.

فكّرت وأرسلت السيرة الذاتية إلى مدارس جديدة ولكن لم أُقبل، وأفكّر أن أذهب بنفسي إلى المدارس والمعاهد حتى لا أشعر أنّي مقصّر أو لا أسعى، ولكن إذا ذهبت فسوف يظنّون أنّي لست ناجحًا في عملي؛ لأنّه بعد تلك الخبرة كلّها سيتعجّبون لماذا خسرت كل هذه الأماكن، ففي مهنتنا هكذا يفكّر أصحاب العمل.

أنا جدًّا أتفانى في عملي وأجتهد، وأعلِّم بضمير، وأتقن عملي، تصديقًا لقول الرسول ﷺ، والحمد لله أبتعد ما استطعت عن المعاصي، وأجتهد في رضا الوالدين وإسعادهما، وأجتهد في عدم استغلال الطلاب لكسب المال ولو كان هذا من حقي، لكنّي أخاف أن يكون حرامًا، وأمي وأبي دائمًا يدعوان لي بالرزق الوفير والواسع بطريقة عجيبة.

فانصحوني ماذا أفعل غير الدعاء والالتجاء إلى الله؟ علمًا أنّي كما ذكرت أرى أبواب السعي مغلقة، ولم يبقَ لي إلَّا السعي مع الذل لأصحاب المدارس.

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عمر حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك أخي الكريم في الشبكة الإسلامية، وردًّا على استشارتك أقول مستعينًا بالله تعالى:

ما تعاني منه ليس فشلًا كما تتصور، بل هو مرحلة ابتلاء واختبارٍ، ويجتمع فيها ضيق الرزق مع عظمة الأجر لمن صبر وأحسن السعي، ومن خلال استشارتك اتضح لي أنك صاحب ضمير حي، وتؤدي عملك بإتقان، وهذا أصل عظيم في التوفيق، فلا تستهِن به.

وسوف أجيب على استشارتك من ثلاثة جوانب: الجانب الشرعي، والجانب النفسي، والجانب العملي.

أولًا: الجانب الشرعي.
1. ينبغي أن تصحح فهمك؛ فالرزق ليس دليل رضا أو سخطٍ، فقد يُضيَّق على العبد وهو من أحبّ الناس إلى الله، قال تعالى: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ}، وليس أحب عند الله من أنبيائه، ومع هذا فلم يكونوا أغنياء من الناحية المادية، فالغنى هو غنى النفس، كما ورد ذلك عن النبي ﷺ: (لَيْسَ الغِنَى عَنْ كَثْرَةِ العَرَضِ، وَلَكِنَّ الغِنَى غِنَى النَّفْسِ).

2. إن كان الأمر كما ذكرت في استشارتك من تركك للحرام، وبرك بوالديك، وإتقانك لعملك، فأنت تسير في الطريق الصحيح؛ فهذه من مفاتيح الرزق، لكنها ليست ضمانًا أن يأتي الرزق فورًا، بل قد يتأخر لحكمة لا يعلمها إلَّا الله تعالى، واحذر من الذنوب والمعاصي بجميع أنواعها، فهي من أسباب حرمان الرزق، كما ورد عن النبي ﷺ: (وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ).

3. قولك: "إن أبواب السعي أراها مغلقةً، وبقي لي السعي مع الذل لأصحاب المدارس" يحتاج تصحيحًا، فما أدراك أن الأبواب مغلقة وأنت لم تبذل ما بوسعك في طلب الرزق؟ ثم إن السعي في طلب الرزق عبادة وليس ذلًا، فهذا يوسف عليه السلام عرض نفسه للعمل فقال: {اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}، وكان الصحابة والصالحون يطلبون العمل ويعرضون أنفسهم، فلا عيب في ذلك ولا ذلًا.

ثانيًا: الجانب النفسي.
ما يعوقك عن السعي لطلب العمل هو فكرة سلبيةٌ، فها أنت تقول: "لو ذهبت للمدارس سيظنون أني فاشلٌ"، فهذه فكرة سلبية غير دقيقة للأسباب الآتية:

فأصحاب المدارس يبحثون عن مدرسٍ جيدٍ، لا عن قصة حياته، وهمهم هو ما سيرونه من إنجازٍ وإفادةٍ للطلاب، كما أن تنقّل المعلمين في هذه المهنة أمر شائع جدًّا، وكثير من الناجحين مرّوا بمراحل تراجعٍ مؤقتٍ، بالإضافة إلى أن ذهابك بنفسك يعطي انطباعًا لأصحاب المدارس أنك جادٌ، ومبادرٌ، وواثقٌ.

ثالثًا: الجانب العملي.
هذه خطوات عملية واضحة عليك القيام بها:

1. اذهب بنفسك؛ بحيث تكون هيئتك ممتازة تليق بمدرسٍ، وحضّر ملفك بشكلٍ جذابٍ: شهاداتك، خبراتك، شهادات الشكر والتقدير التي حصلت عليها، وغير ذلك مما له علاقةٌ.

2. تكلم مع مديري المدارس بثقةٍ ولباقةٍ، فقل: "أنا مدرس رياضيات لدي خبرة في عدة مدارس، وأبحث عن فرصة مناسبة"، ولا تبرر لماذا تركت العمل في المدارس السابقة إلا إذا سُئلت.

3. لا تحصر نفسك في المدارس فقط، وعليك أن توسّع مصادر دخلك من خلال الدروس الخصوصية، ولكن بطريقة معتدلةٍ وبشكلٍ منظمٍ، كما يمكنك أن تقوم بالتدريس عبر بعض وسائل التواصل بمبالغ يستطيع دفعها الطلاب، ويمكنك عمل مجموعات مراجعة لطلاب الثانوية، فأحيانًا يأتي الرزق من الباب الذي لا تتوقعه، كما قال تعالى: {وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}.

4. أبرز نفسك من خلال الإعلانات، ووضّح خبرتك الطويلة في هذا المجال، وطوّر نفسك من خلال تبسيط المادة بملازم خاصة بك، وضع أساليب شرحٍ حديثةً، واستخدم وسائل تعليمية تعين الطلبة على الفهم.

5. لا تربط كرامتك بالوظيفة، فأخطر جملة قلتها في استشارتك: "السعي مع الذل"، فالذي يسعى ويطرق الأبواب شجاع وليس ذليلًا، فالذل الحقيقي هو الاستسلام وترك السعي.

6. لا بد من أن تفكر جيدًا، وتسأل نفسك: بما أنني كنت ناجحًا في عملي ثم فقدته في عدة مدارس، فهل هناك سبب ارتكبته، أم أنه ابتلاء؟ ومن الأسباب: هل هناك مشكلة في تعاملي مع الطلاب أو الزملاء أو الإدارة؟ هل أنا لم أكن ملتزمًا بالمواعيد؟ هل هناك خلافات إدارية بيني وبين تلك المدارس؟ وهذا ليس اتهامًا مني لك، بل هو مراجعة تطويرية فقط.

7. نوصيك بالآتي:
- نوصيك بكثرة الاستغفار والصلاة على النبي ﷺ، فذلك من أسباب تفريج الهموم وتنفيس الكروب، ففي الحديث: (مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ)، وقال لمن قال له: أجعل لك صلاتي كلها؟ (إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ، وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ).

- تضرع بالدعاء بين يدي الله تعالى، وتحين أوقات الإجابة، وخاصة في الثلث الأخير من الليل، وأثناء السجود، وسل ربك أن يوفقك وييسر أمورك، فالدعاء نافع في هذا الباب.

- أكثر من دعاء ذي النون، ففي الحديث: (دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ).

- أكثر من الأعمال الصالحة المتنوعة؛ فذلك من أسباب جلب الحياة الطيبة، قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.

أخيرًا أقول لك: أنت الآن في مرحلة إعادة التوجيه، ولست في نهاية الطريق، فلا تحزن، وعليك أن تعمل بالأسباب، فكثير من الناس لا يُفتح لهم باب الرزق الواسع إلا بعد أن تُغلق الأبواب الأخرى.

أسأل الله لك التوفيق والسداد، آمين.

www.islamweb.net