عشت واقعاً أليماً..فما السبيل للتخلص من مشاعر الإحباط التي تلازمني؟
2026-03-26 00:07:37 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا في عمر الأربعين، أعزبٌ وعاطلٌ عن العمل، وأعيش في بلدٍ يحكمه الفاسدون، وقد عانيتُ طويلًا مع أهلي من الظلم والذل والقهر، وكان أولهم والدتي، التي عملت بعقدٍ هشٍّ في التسعينات، حيث تعرّضت للملاحقة من بعض الموظفين والتحرّش، وربما الاعتداء، ممَّا اضطرها إلى ترك العمل، وكان الفساد والمحسوبية مستشريَيْن في الوظائف وفي المنظومة الأمنية.
ثم تأزمت الأمور بعد ذلك، وازداد الظلم والفساد، وتقدّم الجهلة، وتراجع المجتهدون، وانتشرت العنصرية والقهر، وحين حاولتُ أن أعبّر عن رأيي ولو قليلًا حوربت، وقد تعرّفتُ في تلك الفترة على أشخاصٍ سيّئي السلوك، ولم أكن على درايةٍ بحقيقتهم، فخُدعتُ بهم، واستغلّوا الظروف الأمنية لتشويه سمعتي والنيل مني.
ثم تبيّن لي لاحقًا أن بعضهم كان على صلةٍ بجهاتٍ خارجية، وأنهم تورّطوا في أفعالٍ مشينة، الأمر الذي صدمني وأشعرني بظلمٍ شديد، وقد عبّرتُ عن غضبي في وسائل التواصل، لكن ذلك لم يُخفِّف ما في نفسي، خاصةً مع شعوري بأن المجتمع من حولي يعاني من تدهورٍ أخلاقي، وكثرة النفاق، وترك الناس دون أن ينصف بعضهم بعضًا.
كما تعرّضتُ للأذى والمضايقة من بعضهم؛ مما زاد من شعوري بالإهانة، فبدأتُ في تقديم شكاوى، لكنني أشعر بالإحباط، وكأنني أسيرٌ لظروفي ولمحيطي، وأجد نفسي مثقلًا بالغضب والرغبة في الانتقام، خاصةً مع ما أراه من امتلاء السجون بأشخاصٍ مرّوا بتجارب قريبةٍ من تجربتي.
فما السبيل إلى تجاوز هذا الواقع، والتخلّص من مشاعر الغضب والإحباط التي تلازمني؟
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ سائل حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يربط على قلبك، وأن يخفف عنك هذا الثقل، وأن يفتح لك بابًا من العافية والسكينة.
بدايةً: ما تتحدث عنه ليس مجرد ضيق عابر، بل تراكم ألم وظلم وغضب، وهذا يحتاج معالجة واعية حتى لا يتحول إلى طريق يؤذيك أكثر، وما تشعر به من قهر وغضب أمرٌ مفهوم وأمرٌ تستثقله النفس؛ لأنك رأيت ظلمًا وتعرضت أنت وأسرتك للأذى، لكن أخطر ما في الأمر أن يتحول هذا الألم إلى رغبة انتقام تستهلكك من الداخل، فتزيدك خسارة فوق ما خسرت.
وعليه يجب أن تُفرِّق بين أمرين، وهما الظلم الذي وقع عليك وهذا حق لا يُنكر، والطريقة التي تتعامل بها معه وهذه هي التي ستحدد مستقبلك، فإمَّا أن تبنيك أو تدمرك، واعلم أن الانتقام لا يرد لك كرامتك غالبًا، بل يربطك أكثر بالماضي، ويجعلك تعيش أسيرًا لمن ظلمك، بينما الخروج الحقيقي هو أن تفك نفسك من هذا القيد، وتنجو بنفسك وأهلك.
ثانيًا: ما ذكرته عمَّا حدث لوالدتك أمر مروع، لكن لا تترك هذا الألم يتحول إلى نار تحرقك، بل اجعله دافعًا لأن تكون أقوى، وأن تحمي من تحب بما تستطيع دون أن تضيع نفسك.
ثالثًا: الإحباط من الواقع والفساد موجود في كثير من البلدان، لكن الاستسلام له يجعل الإنسان يفقد القدرة على الحركة، بينما المطلوب أن تبحث عن مساحة تتحرك فيها ولو كانت صغيرة.
رابعًا: لا تجعل هويتك كلها مبنية على أنك مظلوم؛ لأن هذا يسرق منك القدرة على البناء، بل قل: نعم ظُلمت، لكن ما الذي ينبغي علي فعله الآن؟ ثم التقدم للعمل والخروج بأهلك إلى منطقة آمنة، ولن تعدم الخير يا أخي.
خامسًا: أهم خطوة الآن أن تخرج من حالة الفراغ؛ لأن الفراغ مع الغضب يولد أفكارًا خطيرة، فابحث عن عمل بأي صورة، حتى لو بسيط؛ لأن العمل يعيد لك شعورًا بالقيمة والسيطرة، ولا تفرغ غضبك في مواقع التواصل؛ لأن هذا لا يغير الواقع، بل قد يزيد عليك الأذى، ويستنزفك نفسيًا دون نتيجة، وحاول أن تجد لك صحبة صالحة تعينك على البحث عن العمل، وعن السواء النفسي، ولا تتحدث عمَّا حدث لك ولا والدتك، وإن ضاق بك المكان فيمكنك أن تنتقل إلى مكان آخر.
سادسًا: إذا شعرت برغبة في الانتقام، توقف وقل لنفسك: هل هذا سيصلح حياتي أم سيدمر ما بقي منها؟ وهل سيترك الله الظالم؟ فإن كان الجواب إيجابيًا فارفع الأمر لله، وقل: "حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ"، وأكثر الدعاء على من ظلمك واترك الأمر لله عز وجل.
سابعًا: أكثر من الدعاء بأن يبدل الله حالك، وقل: "اللَّهُمَّ اكْفِنِي شَرَّ نَفْسِي، وَأَخْرِجْنِي مِنْ هَذَا الضِّيقِ، وَافْتَحْ لِي بَابًا مِنَ الرِّزْقِ وَالرَّاحَةِ"، ولا تنس أن الله يرى كل ما حدث، وأن الظلم لا يضيع عنده، لكن توقيت العدالة ليس بيدنا، بل بحكمته، وما عليك الآن إلا أن تحفظ نفسك من الضياع.
ثامنًا: لتطمئنَّ ويكون عندك يقينٌ بأنَّ الله سينصرك وأنَّ حقك لا محالة لا يضيع؛ عليك أن تقرأ هذه الآيات كثيرًا من سورة إبراهيم، وثق أنَّ الله سينتقم لك ممن ظلمك في الوقت الذي يريده هو سبحانه لا في الوقت الذي تريده أنت، اقرأ من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ * وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ * وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ * وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ * فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ * يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ * وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ * سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ * لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ * هَذَا بَلَاغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.
وفي الختام: أنت أمام مفترق طريق، إما أن تترك الألم يقودك إلى الخسارة، أو أن تستخدمه لتبني نفسك من جديد، ولو ببطء، فاختر الطريق الذي ينقذك لا الذي يزيدك غرقًا، والله الموفق.