أحب الله ورسوله وأتمنى أن أرى انتقام الله ممن آذاني
2026-03-29 00:37:41 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أرجوكم، إنّي أخاف أن أفقد إمّا إيماني أو عقلي؛ فأنا فتاة في السادسة والثلاثين من عمري، وقد مررت بصعوبات كثيرة في حياتي، ولم أحصل على شيءٍ بسهولة قط، فمنذ طفولتي كان حصولي على أبسط الأمور أمرًا عسيرًا بسبب أوضاع أسرتي المادّية، فتعلمت الصبر مبكرًا في سنّ صغيرة.
كنت دائمًا أبذل جهدًا كبيرًا للحصول على أيّ أمر، حتى بلغت السادسة والثلاثين، وإذا أخطأت خطأً بسيطًا كنت أعاقَب بشدّة، ليس فقط من عائلتي، بل أشعر أنّ الله يعاقبني أيضًا، فأصبحت أخاف من أشياء كثيرة، حتى انعزلت عن الناس، أخشى أن أخطئ في كلمة أو تصرّف فأدفع ثمنه غاليًا كما اعتدت طوال عمري.
ومن أمثلة ذلك أنّني اغتبت صديقةً يومًا، فقلت عنها كلمة بسيطة لصديقة أخرى ظننت أنّها تحبّها، لكنّها ذهبت ولفّقت المزيد من الأكاذيب، فقاطعتني صديقتي المقرّبة ولم تمنحني فرصة للدفاع عن نفسي، رغم أنّني وقفت معها وصدّقتها في مواقف كثيرة، اعتذرت منها مرارًا وتكرارًا، ولم أكن أريد أن نعود صديقتين، بل أردت فقط أن تسامحني، لكنها أغلقت كلّ باب للتواصل، ولا أفهم لماذا حدث كلّ هذا! فما قلته لم يكن يستحق، وقد قيل عنّي أسوأ من ذلك، وأرى غيري يقولون ما هو أسوأ ولم يدفعوا الثمن كما دفعت أنا، وهذا مثال واحد من آلاف الأمثلة.
تعرضت للأذى من شخص، وكم دعوت عليه، لكنّه حصل على الوظيفة التي يحلم بها، وزوجة صالحة، وأولاد، وسيارة، وسفر، وكلّ ما يتمناه أيّ شاب في سنّه، أمّا أنا فقد ساءت حياتي كثيرًا بعد ما فعل، وكلّ سنة تصبح أسوأ من سابقتها، وكلّما دعوت على أحد ظلمني شعرت أنّ الدعاء يرتدّ عليّ، فأنا التي أخسر وأمرض وأتعب وأعاني.
صبرت كثيرًا، ودعوت الله كثيرًا أن يرفع عنّي ما أنا فيه، ودعوت ألّا أكون ثقيلة على الناس، لكنّي أصبحت ثقيلة رغمًا عني، كلّ دعاء دعوت به لم يُستجب لي، وكلّ من ظلمني يعيش أفضل حياة، بل الحياة التي تمنّيتها أنا بحذافيرها.
سامحوني، لكنّي أريد حلًّا لمشكلتي قبل أن أفقد عقلي، أريد أن أرى انتقام الله ممّن آذاني، حتى أشعر أنّ هناك عدلًا في هذه الحياة، أو أن يعوّضني الله خيرًا ممّا فقدت.
لقد تعبت من محاولاتي الدائمة للدفاع عن نفسي طوال الوقت، وأريد أن أنطلق وأعيش حياتي كما يعيشها الآخرون.
أصبحت أشكّ في كلّ كلامي وتصرفاتي، وفي إيماني وصلاتي، لا يهمّني أن لا أملك شيئًا من الدنيا، إنّما أريد فقط أن أفهم ما أمرّ به، وأريد أن أحتفظ بإيماني وإسلامي، فأنا أحبّ ربّي ورسولي وديني أكثر من أيّ شيء في هذه الحياة.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ مزنه حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بكِ -ابنتنا الفاضلة- في الموقع، ونشكر لكِ الاهتمام وحسن العرض للسؤال.
ونبشركِ بأنكِ ملكتِ في الدنيا أغلى ما فيها، وهو حب الله وحب النبي ﷺ؛ فاستبشري بهذا الذي عندكِ، ولذلك -كما قال ربنا تبارك وتعالى-: {وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ}؛ (رزق ربكِ) يعني من الدين والصلاح والصلاة والطواعية للرسول ﷺ والاتباع للدين، هذا هو أكبر ربح يمكن أن يكسبه الإنسان، أمَّا الدنيا فمن الخطأ أن نظن أن الله رضيها ثوابًا لأوليائه أو عقابًا لأعدائه؛ فهي (لا تزن عند الله جناح بعوضة)، ولذلك تعب فيها الأنبياء، وجاع فيها الأصفياء والأتقياء والأولياء.
وربما نجد في الدنيا قد شبع فيها لُكَعُ بن لُكَع وكافر لا يؤمن بالله تبارك وتعالى؛ لأنها (لا تزن عند الله جناح بعوضة)، ولو كانت كذلك (ما سُقِيَ كافر منها جرعة ماء)، بل أحيانًا الإنسان يعصي الله ويُعطَى على معاصيه، ولذلك قال ﷺ: «إِذَا رَأَيْتَ اللَّهَ يُعْطِي الْعَبْدَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى مَعَاصِيهِ مَا يُحِبُّ، فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاجٌ»؛ كما قال العظيم: {سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ}، وقال الله -تبارك وتعالى- فيمن قصروا في طاعته {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ} لم ينتبهوا ولم يتّعظوا بما حصل لهم أو حصل لغيرهم، قال العظيم: {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} من الخيرات {حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ}.
هنا نحتاج أن نصحح الفكرة، وهي أن نُوقن أن مجيء الدنيا لإنسان ليس فيها دليل على رضا الله عنه، وذهاب الدنيا ليس فيه دليل على غضب الله على الإنسان؛ كما قال ربنا: {فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ} قال العظيم { كَلَّا}، هذا المعيار غير صحيح.
ولذلك أرجو أن تعيني نفسكِ على هذا الفهم، وتدركي أن الثواب عند الله تبارك وتعالى، وأن معاناة الإنسان في الدنيا يجد عليها ما عند الله تبارك وتعالى، والنبي ﷺ يبشرنا فيقول: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ؛ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ»؛ إذا مَسَّ بالسراء عَمَّ سُرورها، أو مَسَّ بالضراء أعقبها الأجر.
وأيضًا لا بد أن تعلمي أن (أكثر الناس بلاءً الأنبياء ثم الذين يلونهم ثم الأمثل فالأمثل، ويُبْتَلَى المرء على قدر دينه)، ولذلك أرجو ألَّا تقارني نفسكِ ولا تنظري إلى الدنيا التي عند الناس؛ كما قال سيد الناس ﷺ: «انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ» يعني في كل أمور الدنيا» «وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ؛ فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ».
نحن أُمِرْنَا في أمور الدنيا أن ننظر إلى من هُم أقل منا في المال والعافية والصحة؛ حتى نحمد الله ونعرف مقدار النعمة التي نتقلب فيها، أمَّا في أمور الدِّين فننظر إلى من هو أعلى مِنَّا؛ لنتأسى بهم ونتشبه بهم، وصولًا إلى الصحابة والصحابيات، بل تأسيًا برسولنا ﷺ الذي هو أكرم وأشرف من مشى على وجه الأرض عليه صلوات الله وسلامه.
فلا تحزني إذا فاتتكِ الدنيا وقد ربحتِ الدِّين عند الله تبارك وتعالى، واعلمي أن المظلوم من حقه أن يدعو، وأن الدعاء الذي يتوجه به الإنسان إلى الله صاحبه رابح، فإمَّا أن يستجيب الله مسألته، وإمَّا أن يدَّخر له من الأجر والثواب مثلها، وإمَّا أن يرفع عنه من البلاء والمصائب النازلة مثلها؛ فأنتِ رابحة طالما عرفتِ طريق التوجه إلى الله تبارك وتعالى.
ونكرر لكِ التهنئة على ما ختمتِ به هذه الاستشارة، وهي أنكِ تُحبين الله وتُحبين رسوله؛ فتجنبي المقارنات مع الآخرين، وحافظي على دينكِ وصلاتكِ وصلاحكِ، وثقي في الله تبارك وتعالى، واعلمي أن الذين يظلمون الناس لا بد أن ينتقم منهم رب الناس الذي يمهل ولا يهمل؛ فإن تأخر الأذى وتأخر الانتقام من الظلمة لا يعني أن الله -تبارك وتعالى- تركهم، بل هو يمد لهم ويستدرجهم حتى يأخذهم بعد ذلك أخذ عزيز مقتدر: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ}.
فكوني مع الله ولا تبالي، واستمري في الطاعات وتجنبي الاعتراض على ما يقدره الله عليكِ، ودائمًا ينبغي أن ندرك أن القدر لنا؛ لأن الله يُقدِّر لنا الخير: {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا}، لاحظي لم يقل (علينا) وإنما قال (لنا)، وقد قال عمر بن عبد العزيز: "كنا نرى سعادتنا في مواطن الأقدار".
نسأل الله أن يُقدِّر لكِ الخير ثم يرضيكِ به، وأن يعينكِ على التسلح بالصبر، وأن يثبتكِ على الإيمان، وأن يرزقنا الرضا بقضاء الله وقدره؛ فإن السعادة لا تُنال إلَّا بهذا، فالسعادة هي نبع النفوس المؤمنة بالله، الراضية بقضائه وقدره، المواظبة على ذكره وشكره وحسن عبادته، وتحمدي الله أنكِ مظلومة ولستِ ظالمة.
وبالنسبة للناس ينبغي أن تجتهدي في تجنب الكلام عنهم، وإذا حصل منكِ شيء فيكفي أنكِ تعتذرين وتتوبين إلى الله تبارك وتعالى، ولكن الإنسان لا بد أن ينتبه لكلامه، ويحذر من النمامين والنمامات، وما حصل من الأخت المذكورة -كونها أضافت كلامًا وأشياء لم تقوليها وشوهت صورتكِ- فهذا مردود عليها، وقد حذر النبي ﷺ من هذا فقال: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ»، وفي رواية: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ»، والقتات هو الذي يزيد على الكلام الذي سمعه من الكلام السيئ ثم ينشره.
نسأل الله أن يهدي المسلمين والمسلمات إلى ما يحبه ربنا ويرضاه، وأن يُيَسِّر أمركِ، ويلهمكِ السداد والرشاد، ويجعلنا وإياكِ ممن إذا أُعطوا شكروا، وإذا ابْتُلُوا صبروا، وإذا أذنبوا استغفروا؛ هو وليُّ ذلك والقادر عليه.