كيف أصل إلى الاعتدال في الإنفاق دون بخل أو إسراف؟

2026-03-25 23:30:45 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا رجل متزوج، أبلغ من العمر خمسةً وثلاثين عامًا، ولدي ثلاثة أبناء، أحمد الله أن رزقني وظيفة جيدة ودخلًا مستقرًا، لكنني أعترف بأن لدي مشكلة بدأت تقلقني كثيرًا في الفترة الأخيرة.

منذ سنوات وأنا أنفق المال بسهولة شديدة؛ فأشتري أشياء لا أحتاجها، وأصرف على الكماليات كثيرًا، سواء في المطاعم أو المشتريات أو الرحلات، وفي نهاية كل شهر أكتشف أن راتبي قد انتهى تقريبًا، ولا يبقى شيء يُذكر للادخار أو للطوارئ، زوجتي كثيرًا ما تنصحني بأن نكون أكثر اعتدالًا في الإنفاق، خاصة من أجل مستقبل أبنائنا، لكنني أجد نفسي أعود إلى نفس العادة مرة أخرى.

في الفترة الأخيرة بدأت أشعر بالقلق من هذا السلوك، وأخشى أن أكون مقصرًا في شكر نعم الله عليّ، فأنا أعلم أن المال نعمة ومسؤولية، وأن الإنسان سيُسأل عنه: من أين اكتسبه وفيم أنفقه، كما أخاف أن يتعلم أبنائي مني هذا الأسلوب في الإسراف وعدم تقدير النعمة.

لذلك: أكتب إليكم طالبًا النصيحة، كيف يمكن للإنسان أن يرسخ في نفسه معنى شكر النعم عمليًا؟ وكيف يتعلم الاعتدال في الإنفاق دون بخل ولا إسراف؟ وما الوسائل التي تساعدني على تغيير هذا السلوك، حتى أحسن استخدام ما رزقني الله، وأربي أبنائي على تقدير النعمة وعدم تضييعها؟

جزاكم الله خيرًا، ونفع بكم.

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكركم على تواصلكم معنا، وثقتكم بموقعنا.

فهمنا من رسالتكم الكريمة أنكم تمرون بمرحلة مراجعة صادقة لعلاقتكم بالمال، وهذا في حد ذاته دليل على يقظة الضمير وحيوية القلب، فالإنسان الذي يقف أمام نفسه ويحاسبها قبل أن يحاسَب، قد أدرك روح قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ (الحشر: 18)، ونلاحظ كذلك أن زوجتك الكريمة تضطلع بدور الناصح الأمين في حياتكم، وهذه نعمة إضافية ينبغي تقديرها وشكرها.

أولًا: ما تصفونه من إنفاق مستمر دون قدرة على الضبط، رغم الرغبة في التغيير، يشير في الغالب إلى أحد أمرين أو كليهما:

الأول: هو أن الإنفاق صار وسيلة للحصول على شعور فوري بالرضا أو تخفيف الضغوط اليومية، وهو ما يعرفه علم النفس بـالإشباع الفوري، حيث يميل الإنسان إلى البحث عن المتعة القريبة على حساب المصلحة البعيدة.

والثاني: أن غياب خطة مالية واضحة يجعل المال يسيل بلا حدود؛ لأن النفس البشرية بطبعها تملأ الفراغ المتاح، ومصداق ذلك قول أبي ذؤيب الهذلي:
وَالنَّفْسُ رَاغِبَةٌ إِذَا رَغَّبْتَهَا وَإِذَا تُرَدُّ إِلَى قَلِيلٍ تَقْنَعُ

ثانيًا: سؤالك: كيف تُرسخ في نفسك معنى شكر النعمة عمليًا؟
والجواب هو: أن الشكر في الإسلام ليس مجرد قول الحمد لله باللسان، بل هو منظومة متكاملة تشمل القلب واللسان والجوارح، وقد وصف القرآن الكريم الشكور بأنه قليل بين الناس، فقال سبحانه: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (سبأ: 13)، ومعنى ذلك أن الشكر الحقيقي يحتاج إلى تدريب وتربية للنفس.

من الأمور التي تعينك على ترسيخ الشكر عمليًا:

- خذ عادة أسبوعية تجلس فيها وتكتب ثلاثة أشياء تنعم بها، وكثير من الناس محرومون منها، كالصحة ووجود الأبناء والاستقرار الوظيفي، هذا التأمل يحول النعمة من أمر مألوف إلى موضع شكر وتقدير، وكان من هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يأمرنا بالنظر إلى من هو دوننا لا إلى من هو فوقنا، فقال: (انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فإنه أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم) (متفق عليه).

- تذكر دائمًا حين تقدم على شراء شيء غير ضروري أنك ستُسأل عنه، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع... وعن ماله: من أين اكتسبه، وفيم أنفقه) (رواه الترمذي)، هذه الوقفة اللحظية قبل الشراء هي بوابة الشكر الحقيقي.

- اجعل جزءًا ثابتًا من دخلك للصدقة، ولو كان يسيرًا، هذا يرسخ في قلبك أن المال مستأمَن لا مملوك، ويمنحك شعورًا بالغنى الحقيقي، ووعد الله بأن الشكر يزيد النعمة: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (إبراهيم: 7).

ثالثًا: رسم القرآن الكريم صورة المؤمن المثالي في علاقته بالمال رسمًا بليغًا: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾ (الفرقان: 67)، وهذا الوسط الذهبي ليس موقفًا عفويًا، بل هو خلق يُكتسب بالتدريب، وقد لفت الله نظرنا إلى خطورة الطرفين معًا بقوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾ (الإسراء: 29).

ومن أنفع ما قرأت في هذا الشأن قول الإمام الشافعي -رحمه الله-:
إِذَا مَا كُنْتَ ذَا قَلْبٍ قَنُوعٍ فَأَنْتَ وَمَالِكُ الدُّنْيَا سَوَاءُ

رابعًا: لا تكفي المعرفة النظرية وحدها ما لم تترافق مع أدوات تطبيقية، وهذه خطوات مجربة يمكنك تبنيها تدريجيًا:

- خصص ساعة مع زوجتك في نهاية كل شهر، لتوزيع الراتب على الأبواب الأساسية، وحدد مبلغًا معينًا للكماليات لا تتعداه، وفور وصول الراتب حوّل مبلغ الادخار فورًا قبل أي إنفاق، القاعدة هنا: (ادخر أولًا وأنفق ما تبقى لا العكس).

- قاعدة (التأجيل الأربعيني) حين تشعر برغبة في شراء شيء غير ضروري، أجّل القرار 48 ساعة، ستكتشف أن كثيرًا من هذه الرغبات تتلاشى من تلقاء نفسها؛ لأنها كانت نزوة لا حاجة.

- كثير من الإنفاق غير الضروري مرتبط بتصفح تطبيقات التسوق، أو مجالسة من يحثون على الإنفاق، خفف من هذه المحفزات، واشترك في نشاطات اجتماعية لا تستلزم الإنفاق.

- اجعل من الشفافية المالية بينكما منهجًا شهريًا، فهذا يعزز المسؤولية المشتركة، وزوجتك بنصيحتها المتكررة تؤدي أمانة، فكافئها بالاستجابة العملية لا بالوعود فحسب.

خامسًا: القلق على أبنائك من أن يرثوا عنك هذا النمط قلق في محله، لكنه أيضًا بشرى خير؛ لأنه يدفعك نحو التغيير، والأطفال يتعلمون بالمشاهدة أكثر مما يتعلمون بالكلام، وأنفع ما تفعله على هذا الصعيد ثلاثة أشياء:
الأول: هو إشراكهم في قرارات الميزانية البسيطة المناسبة لأعمارهم، كجعل كل منهم مسؤولًا عن مصروف أسبوعي محدد يدير أمره بنفسه.
الثاني: هو تعريفهم على واقع الناس من حولهم، بزيارة الأسر المحتاجة، أو المشاركة في أعمال الخير، فإن المشاهدة المباشرة تزرع في القلب شكرًا حقيقيًا لنعمة المال.
الثالث: أن تحدثهم عن قيمة المال بلغة مناسبة لهم، فتخبرهم مثلًا أن هذا الشيء يحتاج إلى عمل ساعات معينة لشرائه، مما يربط المال بالجهد، لا بمجرد حصول المال من مصباح علاء الدين السحري!

نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يهديك سواء السبيل، وأن يجعل مالك مباركًا نافعًا لك ولأهلك وذريتك، وتذكر أن هذه اليقظة التي تشعر بها اليوم هي بداية طريق التغيير، وما يعجز عنه الإنسان بمفرده يهون بتوفيق الله، ثم بالعزيمة الصادقة والخطة الواضحة.

وفقك الله.

www.islamweb.net