فقدت التركيز والشغف والاهتمام بنفسي، فكيف أعالج ذلك؟
2026-01-26 22:31:50 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا منحدرة من عائلة كريمة جدًّا، وكان بيتنا مفتوحًا للأقارب، نكرمهم ونحسن إليهم، والدتي ووالدي طيبين إلى درجة لم نكن ندرك أننا كنّا نتعرض للحسد أو العين.
أهلنا تعبوا علينا كثيرًا في الدراسة وحفظ القرآن، وكنتُ في الصف الأول، وخلال شهر وبعض الشهر أنهيتُ جزء عمّ، وإخوتي جميعهم كانوا من الحفّاظ، وكان شكلنا حسنًا ومرتبين.
كنتُ فتاة شديدة الذكاء والتركيز والفهم، والأولى على صفي، وأحفظ القرآن، وفي البيت كانت أمي تحبني كثيرًا؛ لأنني كنت واعية ومهذبة وعلى ما تريد، وربما كان شكلي الحسن سببًا إضافيًا مع كل ما سبق، ثم جاءت فترة لم أعد أستطيع التركيز، وصرت مشتتة الذهن.
نزحنا، ومرض والدي ثم توفي، وتزوجتُ وأنا في عمر 19 سنة، وانفصلت خلال ستة أشهر، حرفيًا لم يكن أحد يتمنى لي الخير، وهذا ما اكتشفناه لاحقًا؛ فلم نكن نعرف أن الناس قد تكون هكذا، فقد كنا نظن الجميع طيبين، ونعيش في أجواء أقرب إلى العالم المثالي.
المهم أنني أكملت دراستي، ووفقني الله بفضله وكرمه، لكنني ما زلت أعاني من برود غير طبيعي تجاه الدراسة، وتجاه قرآني، وتجاه حياتي وتطوير نفسي، أنا أريد، وأعرف ماذا عليّ أن أفعل، لكنني أحترق من الداخل على حالي، والهمة التي تأتيني لا تتجاوز نصف ساعة ثم تختفي لأيام.
لا أعرف إن كان هذا من العين، وأنا متأكدة بنسبة 70% أو أكثر أنه عين، لأنني أسمع كلامًا مباشرًا من الناس عن شكلي وأخلاقي، في البيت كانت علاقتي بأمي قوية جدًّا، وكل شيء تغيّر للأسوأ، وإذا رأوني أنا وأمي متقاربتين، أدلّلها وأكرمها، وهذا كان يزعج بعض الأقارب، وبعد سنة ونصف اكتشفنا أن زيارة شخص معيّن كانت سببًا في خراب علاقتي بأمي.
أريد أن أجمع القرآن لأجل الإجازة، وأريد أن أكمل دراستي، ولا أريد أن أبقى في هذا الهم الذي أنا فيه، وهناك نقطة أخرى تشغلني وهي التفكير في الزواج.
ماذا أفعل؟ كيف أعود كما كنت، مركّزة، مهتمة بنفسي، بدراستي، وبقرآني، مثل الناس الطبيعيين؟ كيف تذهب عني هذه العين؟ لقد تعبت.
مراجعة القرآن في الإجازة لا تحتاج وقتًا طويلًا، فقد راجعتُ وبقي القليل، لكن هذا القليل مضى عليه سنة كاملة، لا أستطيع التركيز في الحفظ، وعقلي مشتت، ولا أستطيع تجاوز ثلاث دقائق حتى ألهو.
أعتذر عن الرسالة الطويلة، لكنني في حاجة شديدة إلى إجابة.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ Yasmin حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نشكرك على تواصلك معنا، وثقتك بموقعنا.
فهمنا من رسالتك -أختي الكريمة- أنك تمرين بحالة من التشتت الذهني، وفقدان الشغف، وثقل غير معتاد تجاه الطاعات والعبادات والدراسة، وهو ما وصفته بالبرود، ولفت انتباهي في رسالتك ذلك التباين الكبير بين ما كنتِ عليه من ذكاء ونبوغ وقوة في الحفظ، وبين حالك الآن بعد سلسلة من الهزات الحياتية الصعبة، من وفاة الوالد -رحمه الله- والنزوح، ثم تجربة الزواج والانفصال المريرة.
إن ما تشعرين به -أختي الغالية- هو أمر طبيعي جدًّا من الناحية الإنسانية؛ فالنفس البشرية ليست آلة صماء، بل هي تتأثر بالصدمات المتلاحقة، هذه المشكلة يمكن أن ننظر إليها من زاويتين:
الزاوية الأولى: الزاوية النفسية والواقعية:
لقد واجهتِ في سن مبكرة (19 عامًا) أحداثًا جسامًا، ففقدان الأب يمثل فقدان السند، والانفصال السريع يمثل صدمة عاطفية واجتماعية، والنزوح يمثل فقدان الأمان المكاني، فكل هذه الضغوط قد تؤدي إلى ما يشبه الإنهاك النفسي، حيث ينسحب العقل من التركيز في الأمور العالية (كحفظ القرآن والدراسة) ليركز فقط على محاولة البقاء والتعافي من الألم، وهذا البرود قد يكون وسيلة دفاعية من عقلك الباطن ليهرب من وطأة التفكير في الماضي والقلق من المستقبل.
الزاوية الثانية: الزاوية الروحانية (العين والحسد):
أنتِ تذكرين بوضوح أنكِ وعائلتكِ كنتِ محط أنظار الناس لجمالكم ونبوغكم وكرمكم، والحقيقة الشرعية تؤكد أن (العين حق)، كما قال النبي ﷺ، والنفوس الضعيفة قد تحسد النعمة دون ذكر الله، خاصة إذا كانت النعمة ظاهرة كما في حالتك مع والدتك، وتعطل علاقتك بوالدتك بعد زيارة معينة هو مؤشر قوي على وجود أثر عين يحتاج إلى علاج.
من الأمور التي سوف تعينك -بإذن الله- لتجاوز هذه المحنة والعودة إلى سابق عهدك:
أولًا: التحصين والرقية الشرعية كنمط حياة، فلا بد أن تعودي إلى حصنك الحصين:
- حافظي على أذكار الصباح والمساء بتركيز ويقين.
- واجعلي لنفسك ولبيتك ووالدتك رقية يومية بسورة البقرة والمعوذات، يقول الله عز وجل: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
- اليقين بأن الله هو الحافظ سيبدد الخوف من العين تدريجيًا.
ثانيًا: أنتِ تحاولين العودة للقمة دفعة واحدة، وهذا يسبب لكِ الإحباط حين تفشلين بعد نصف ساعة، لذلك عليك أن تتذكري قول النبي ﷺ: (إِنًّ هَذَا الدِّين مَتِين فَأَوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ).
نصيحتنا لكِ ألَّا تضغطي على نفسك في الحفظ للإجـازة حاليًا؛ بل اجعلي هدفكِ هو الصلة بالقرآن فقط، ولو لعشر دقائق يوميًا، وحين تستعيدين سكينتك سيعود التركيز تلقائيًا.
ثالثًا: العين قد تضرب الروابط القوية، كوني ذكية، ولا تستسلمي للمشاعر السلبية تجاه والدتك، برّك بها وإحسانك إليها هو أعظم علاج نفسي وروحي لكِ، اجلسي معها، قَبّلي يدها، واطلبي منها الدعاء لكِ بظهر الغيب، فدعاء الوالد لولده مستجاب ولا يحجبه شيء.
رابعًا: التفكير المشوش في الزواج هو نتيجة الصدمة السابقة، عليكِ أن تدركي أن فشل تجربة لا يعني فشل الحياة، وأنكِ الآن أكثر نضجًا، لا تستعجلي الزواج لمجرد الهروب من حالتك، بل ركزي على بناء نفسك أولاً، وعندما يحين الوقت المناسب سييسر الله لكِ الرجل الصالح الذي يقدر قيمتك.
خامسًا: تذكري دائمًا أن التعب في طريق المعالي هو ضريبة النجاح، كما قال الشاعر:
بَصُرتُ بالرَّاحةِ الكُبرى فلم أَرها ... تُنالُ إلا على جِسرٍ من التَّعَبِ
فما تمرّين به هو جسر ستعبُرينه -بإذن الله- لتصلي إلى الراحة الحقيقية.
لا نريد أن نسقط في فخ الإسقاطات التشخيصية، ولكن للأمانة والموضوعية، إذا شعرتِ أن التشتت وعدم القدرة على الإنجاز يسبب لكِ ضيقًا تنفسيًا أو نوبات حزن عميقة مستمرة، فقد يلزمك زيارة أخصائي نفسي للتقييم، ومع ذلك فالنصائح أعلاه هي ركائز أساسية للتعافي.
أختي الكريمة: إن اللجوء إلى الله عز وجل بالدعاء، والتوكل عليه ومناجاته في جوف الليل، وسؤاله أن يرد إليكِ قلبك وعقلك، هو أمر لا بد منه، قولي دائمًا: (اللهم رب الناس، أذهب البأس، واشفِ أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سقمًا).
نسأل الله أن يُيَسِّر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يهديك سواء السبيل، وأن يحفظك بعينه التي لا تنام، ويقر عينك بتمام حفظ كتابه.