أمي أصيبت بالجنون وأبي لم يرق لحالها وزوجته آذتنا بشدة!
2026-01-24 23:12:25 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أبي توفاه الله، وقد ظلمني ظلمًا شديدًا، سمعتُ فيديوهات كثيرة، وكلمتُ الأصدقاء وأصحاب الحكمة؛ كي أستطيع تغيير ما في قلبي وأساهِم، لكن جرحي أكبر وأعمق، جرحي له 30 سنة، البداية أن أمي تزوجت عمي، وتوفّي عمي في حادث، وترك أطفالًا صغارًا، فاضطرت أمي للزواج من أبي، لكنه عذّب أمي وإخوتي الأيتام أشد العذاب.
طلقت أمي منه بعدما أنجبتني، وعاشت مع إخوتي الصغار في بيت أبيهم، وكان هذا البيت بجوار بيت أبي، ثم تزوّج أبي امرأة أخرى، ولم تسلم أمي من شره وشر زوجته؛ فكان يعتدي عليها بالسرقة والضرب.
كبرتُ وتزوجت، ولم يُلقِ عليّ نظرة، رغم أنه كان يراني يوميًا ذهابًا وإيابًا أمام البيت، ذهبتُ إليه كثيرًا وأنا أبكي كي يرقّ قلبه، ويسأل عني، ويعطف عليّ، ولا يجعلني أشعر باليُتم، وهو حيّ، لكنه جعلني كأنني يتيمة، ونفسيتي تعبت منذ طفولتي.
والأكثر أن زوجته قامت بسحري أثناء زواجي، وحرمتني من الإنجاب، وأصبحتُ مريضة، ولم يسأل عني، ورفض أن يعطيني نفقة وأنا صغيرة، وهدد أمي بأنه سيقتلني ويُخرّب حياتنا إذا طلبت النفقة.
وفي زواجي لم يتكفّل بأي شيء، أمي كانت تعمل في بيوت الناس لتوفّر لنا احتياجاتنا، حتى كبرنا أنا وإخوتي وتزوجنا.
منذ حوالي 6 سنوات، تعبت أمي وأصيبت بالجنون، وقلبت حياتنا رأسًا على عقب، وتفرّق إخوتي، وعرفتُ أنه هو وزوجته قاموا بسحرها، وأنه يريد الانتقام منها؛ لأنها تركته.
زوجته قست على إخوتي من أبي خوفًا على الميراث، رغم أني أوضحتُ لهم كثيرًا أنني لا أريد شيئًا من أحد، لكن أمهم جعلتهم يكرهونني.
سؤالي: حاولتُ كثيرًا أن أسامح، وأعرف فضل المسامحة، لكن: "لا يُكلّف الله نفسًا إلا وسعها"، لا أستطيع مسامحته هو وزوجته، جرحي ترك ندبات لا تشفى إلى الآن، مع العلم أن زوجته آذتنا كثيرًا، وكانت دائمًا تشعل الفتنة بين زوجات إخوتي وأمي، وجعلت الجميع يتفرّق بسبب شرّها وحسدها لأمي، ولا أقول إلا: حسبي الله ونِعم الوكيل.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ حبيبة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلاً بكِ -ابنتنا الفاضلة- في الموقع، ونشكر لكِ الاهتمام والحرص على السؤال، ونسأل الله -تبارك وتعالى- أن يُعينكِ على تجاوز الصعاب.
وقد لاحظت في الوظيفة أنكِ معلمة "نور البيان"، ونحن ننتظر من المعلِّمات لكتاب الله -تبارك وتعالى- ومن كل معلمة؛ أن تكون قدوة، أن توقن أن ما عند الله خير وأبقى، أن تتذكر أن المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله، وأن توقن بقول الله: {لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا}، وأنه لا يستطيع إنسان أن يضر إنسانًا إلَّا إذا قدر الله تبارك وتعالى.
وإذا وقع الإنسان في الابتلاء فعليه أن يتذكَّر أن أكثر الناس بلاءً الأنبياء، ثم الذين يلونهم، ثم الأمثل فالأمثل، ونسأل الله أن يجعلنا جميعاً ممن إذا أعطوا شكروا، وإذا ابتلوا صبروا، وإذا أذنبوا استغفروا.
والإنسان المظلوم لا يحتاج أن يحمل في نفسه؛ لأن الله تبارك وتعالى يسمع ويرى؛ ولأنه ينصر المظلوم وينتقم من الظالم، ونسأل الله -تبارك وتعالى- أن يُعينكِ على تجاوز هذه المواقف لأنكِ تتألمين، وقد مضى الوالد إلى الله -تبارك وتعالى- وستمضي زوجته وسنمضي جميعًا، وعند الله تجتمع الخصوم.
فلا تشغلي نفسكِ أكثر من اللازم، ولا تحاولي رد الأذى بمثله، ولكن قومي بما عليكِ تجاه الوالد وإن قصّر؛ لأن البر عبادة لله -تبارك وتعالى- ليس لوالد ولا لوالدة، إننا نقوم ببر آبائنا وإن قصّروا، نحسن لأمهاتنا وإن قصّرنَ، لأن البر عبادة لله -تبارك وتعالى- من يقوم بها يجازيه الله، ومن يقصر فيها يحاسبه الله، وإذا قصّر الأب فالله يحاسبه، وإذا أحسن فالله -تبارك وتعالى- يجازيه.
وأنتِ -ولله الحمد- رغم الصعاب عشتِ وتزوجتِ، ونسأل الله أن يكتب لكِ الأجر، وثقي بأنه ما من مصيبة يصاب بها المؤمن، الشوكة فما فوقها إلَّا كفَّر الله بها من خطاياه.
فنسأل الله أن يجعل لكِ المغفرة في كل ما مررتِ به من مواقف صعبة، وأيضًا أن يعوض الوالدة خيرًا، وأن يعجل بشفائها، وأن يعينها ويتقبل عملها الذي قامت به في تربيتكم وفي الصبر على هذا الأذى، وننتقل غدًا إلى ربٍ يقتاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء، لا تضيع عنده الحقوق، ينصب ميزان العدل، {فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ} قال العظيم: {أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ}، فسنقف بين يدي العدل الذي لا تخفى عليه خافية سبحانه وتعالى.
ولذلك أرجو أن تتوقفي عن هذه الكراهية، وهذا الشر الذي يؤججه الشيطان من أجل أن يُحزنكِ، من أجل أن يبعدكِ عن معالي الأمور، من أجل أن يشغلكِ ويؤذيكِ بأمور لا تُقدِّم ولا تؤخر؛ فإن هذه المشاعر السالبة تتعبكِ ولا تضر الآخرين، والله -تبارك وتعالى- هو الذي يقول: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}، الله -تبارك وتعالى- هو الذي يقول: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}، الله -تبارك وتعالى- يعوض من يسامح، ويجد الأجر والثواب عند الله تبارك وتعالى.
وحتى المظلوم قال في حقه العظيم: {لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ}، لكن في ختامها رجح العفو، وأنه الأعلى والأغلى، {وَكانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا * إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا} فكيف إذا كان هذا الظالم هو الأب الذي يجب علينا أن نقوم بما علينا تجاهه؟
وتعلمنا من الخليل إبراهيم -عليه السلام- اللطف مع الأب، رغم أنه كان مشركاً بالله، وكان يؤذيه، {يَا أَبَتِ ... يَا أَبَتِ ... يَا أَبَتِ ... يَا أَبَتِ}، حتى قال: {لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ ۖ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا}، عندها قال الخليل: {سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي}.
فنسأل الله أن يُعينكِ على تجاوز هذه الصعاب، وأرجو أن تعيدي النظر، بناءً على ما سمعتِ من آيات ونصائح، ونسأل الله -تبارك وتعالى- أن يعينكِ وأن يقر أعينكم جميعًا بشفاء الوالدة.
ونكرر: كل من ظلم الناس سيعود عليه الظلم بالعواقب الوخيمة في الدنيا مع ما ينتظره في الآخرة، فالظلم مرتعه وَخِيم، {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ}.