لا أجد صعوبة في الصلاة بقدر ما أجدها في حفظ القرآن!
2026-01-19 23:13:27 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
بدايةً: جزاكم الله خيرًا على ما تقدِّمونه، ونسأل الله الأجر والتوفيق لنا ولكم.
أنا لدي مشكلة، وهي أنني أريد أن أحفظ القرآن الكريم لكن لم أوفَّق، ولا أعرف كيف أصف ذلك؛ إذ أحب كثيرًا أن أكون من أهل القرآن وتعليمه لغيري، ولكن إلى الآن لم ألتزم بمسجد لتحفيظ القرآن، ولم ألتزم بحفظه في المنزل، فكلما بدأتُ بحفظ سورة، أتوقف بعد أيام، إمّا بسبب امتحاناتي أو لمشاكل عائلية.
وهناك أمر آخر ترددتُ كثيرًا في السؤال عنه خوفًا من الرياء، ولكنني لا أجد جوابًا، وهو أنني –والحمد لله– أُصلِّي، ولا أجد صعوبة في الصلاة كما أجدها في حفظ القرآن، وأحاول أن أُصلِّي قيام الليل، لكنني أقرأ آيات قصيرة، وتراودني أفكار أن هذا ليس قيام ليل؛ فالآيات قصيرة، وما أفعله ليس له جدوى، وحاولت أن أقرأ من الهاتف، ولكن يتشتّت انتباهي.
فهل هذا الذي أمرُّ به يُعد نفاقًا؟ ما توجيهكم لي؟ وكيف تكون صلاة قيام الليل بتفاصيلها؟
جزاكم الله خيرًا.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ ... حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلًا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله الكريم أن يبارك فيك، وأن يحفظك، وأن يُقدِّر لك الخير حيث كان.
بدايةً: جزاكِ الله خيرًا على ما أنتِ عليه من خير، فما كتبته يدل على قلب حيٍّ صادق، لا على نفاق ولا فتور مذموم، بل على شوقٍ متعثِّر، وخوفٍ من التقصير، ممزوجٍ بتعظيم شعائر الله، وهذا بحد ذاته خير عظيم؛ لذا دعينا نجيبكِ من خلال ما يلي:
أولًا: هل ما تعانين منه نفاق؟
الجواب باختصار: لا؛ فالنفاق أن يُظهر الإنسان الطاعة ويُبطن الكفر، أو يعمل العمل لا يريد به إلا نظر الناس، أمّا أنتِ فتحبين القرآن، وتتمنين أن تكوني من أهله، وتحزنين لتقصيرك، وتخافين من الرياء، وتتألمين لانقطاعك، وهذه صفات إيمان لا صفات نفاق.
وقد قال الحسن البصري رحمه الله: "إِنَّ الرِّيَاءَ لَا يَخَافُهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا يَأْمَنُهُ إِلَّا مُنَافِقٌ"، فخوفكِ من الرياء دليل حياة القلب لا فساده، والفتور عن بعض الطاعات ليس نفاقًا، بل طبيعة بشرية، وقد قال النبي ﷺ: «إِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةً، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ، فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدِ اهْتَدَى».
ثانيًا: لماذا الصلاة أسهل عليكِ من حفظ القرآن؟
لأن الصلاة فريضة ذات وقت محدد، والمجتمع كله قائم بها، والنفس تعودت عليها منذ الصغر، أمّا حفظ القرآن فهو عبادة طويلة النفس، تحتاج إلى انتظام وخطة وصبر على الانقطاع والعودة، ولهذا قال العلماء: إن الدوام في النوافل أعظم أجرًا من كثرتها، فخير العمل أدومه وإن قل.
ثالثًا: الانقطاع بسبب الدراسة أو المشاكل العائلية:
هذا قد يكون عذرًا واقعيًا، وليس كسلًا محضًا، لكن الخطأ ليس في الانقطاع، بل في الظن أن الانقطاع يعني الفشل، فالقرآن لا يُحفظ بالقفز، بل بالعودة، ومن عاد بعد انقطاع فهو ثابت لا متقلب، ولو حفظتِ آية واحدة ثم توقفتِ ثم عدتِ، فأنتِ في طريق أهل القرآن لا خارجة عن الطريق.
رابعًا: خوفكِ من الرياء في حفظ القرآن:
هذا من تلبيس الشيطان؛ فالرياء لا يكون في نية المستقبل، بل في قصد القلب عند العمل، وكونكِ تخافين الرياء لا يعني أنكِ مرائية، بل يدل على تعظيمكِ للعمل، ولذلك قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "الْإِخْلَاصُ أَنْ يُخْلِصَ الْعَبْدُ دِينَهُ وَعَمَلَهُ فَلَا يُشْرِكَ بِهِ فِي دِينِهِ وَلَا يُرَائِيَ بِعَمَلِهِ"، وقَالَ الْفُضَيْلُ: "تَرْكُ الْعَمَلِ لِأَجْلِ النَّاسِ رِيَاءٌ، وَالْعَمَلُ مِنْ أَجْلِ النَّاسِ شِرْكٌ، وَالْإِخْلَاصُ أَنْ يُعَافِيَكَ اللَّهُ مِنْهُمَا".
فلا تتركي الحفظ خوفًا من الرياء، بل احفظي واستعيذي بالله، وقولي: "اللهم اجعل عملي خالصًا لوجهك، ولا تجعل لأحد فيه نصيبًا".
خامسًا: قيام الليل بآيات قصيرة:
سؤالكِ هل له جدوى؟ والإجابة بوضوح: نعم، هذا قيام ليل صحيح كامل الأجر؛ فقيام الليل لا يُقاس بطوله فقط، بل بالقلب الحيّ اليقظ عند القيام، وقد قال النبي ﷺ: «مَنْ قَامَ بِعَشْرِ آيَاتٍ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الغَافِلِينَ، وَمَنْ قَامَ بِمِائَةِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ القَانِتِينَ، وَمَنْ قَامَ بِأَلْفِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ المُقَنْطِرِينَ»، وقال أيضًا: «إِنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ»، وأسوتك في هذا عَائِشَةُ -رضي الله عنها- فكَانَتْ إِذَا عَمِلَتْ عَمَلًا دَاوَمَتْ عَلَيْهِ.
فركعتان بآيات قصيرة مع حضور قلب خير من طولٍ مع تكلف، والوسواس الذي يقول لكِ إن هذا ليس قيامًا وسواسٌ كاذب.
سادسًا: كيفية صلاة قيام الليل عمليًا:
قيام الليل سهل وبسيط، وليس له عدد محدد، ويبدأ من بعد العشاء إلى قبل الفجر، ركعتين ركعتين، تقرئين ما تيسّر من الفاتحة وسورة قصيرة، وتختمين بالوتر ركعة واحدة أو ثلاثًا، ولا يُشترط حفظ طويل، ولا صوت مرتفع، ولا بكاء، بل صدق وحضور، وإن لم تستطيعي إلَّا ركعتين فقط فقد قمتِ بعض الليل.
سابعًا: القراءة من الهاتف والتشتت:
هذا أمر طبيعي؛ فالهاتف بيئة مشتتة، فلا تجلدي نفسكِ، وإن استطعتِ فخصِّصي وقتًا بلا إشعارات، أو احفظي من المصحف الورقي ولو آية واحدة، وإن لم يتيسر، فالقراءة من الهاتف جائزة ولا تنقص الأجر.
ثامنًا: كيف تبدئين حفظ القرآن دون انقطاع؟
ابدئي بلا مثالية: آية واحدة فقط في اليوم، من نفس السورة، في نفس الوقت، ولو خمسة أيام في الأسبوع، ولا تزيدي حتى يثبت الأساس، والأهم ألّا تتوقفي عند الانقطاع، بل ارجعي بهدوء دون لوم، ومراجعتكِ مع محفظة للقرآن مفيد جدًّا.
وختامًا:
ما تمرين به ليس نفاقًا، وحبكِ للقرآن علامة خير، وقيامكِ بآيات قصيرة قيام صحيح، وخوفكِ من الرياء دليل إخلاص، والانقطاع لا يُلغي الطريق، والله لا ينظر إلى الكثرة بل إلى الصدق، ومن صدق مع الله في القليل بلّغه الله الكثير ولو بعد حين.
نسأل الله أن يحفظكِ ويرعاكِ، والله الموفِّق.