طاقات الشباب المسلم ودور المناهج التربوية والتعليمية في تحطيمها وإهدارها

2010-12-20 07:40:40 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم.

أنا أفهم أن كل شيء بثمنه، نحن لا نخرج للعمل منذ الثالثة عشرة من العمر كغيرنا في دول أخرى، نحن نبقى معتمدين على الأهل مادياً حتى نتخرج من الجامعة، والثمن.. أنه في أحيان كثيرة علينا أن نتحمل عدم الاستقلالية بحياتنا.

لا ينظر إلينا على أننا أشخاص ناضجون في الفكر والحس، بل نظل أطفالاً أو مراهقين لا نستطيع أن نحكم أنفسنا، ونحتاج للرقابة أو المتابعة المستمرة حتى لا نحيد عن الصواب، والأسوأ عندما نجد من هو أكبر منا سناً يسفه عقولنا وتفكيرنا، أو إنكار الاحتفاظ بالخصوصية في بعض الأمور.

أريد أن أفهم التالي:

- كيف يتكيف الشاب مع مثل هذه الأوضاع في الأسرة؟
- ما المشكلة في المجتمع العربي التي أوصلت بعض الشباب إلى هذه المعاناة؟
- ما الذي علينا تلافيه لمنع تكرار ذلك في المستقبل؟

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد،،،

إنه ليسرنا أن نرحب بك في موقعك إسلام ويب، فأهلاً وسهلاً ومرحباً بك، وكم يسعدنا اتصالك بنا في أي وقت وفي أي موضوع، ونسأل الله جل جلاله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يثبتنا وإياكم على الحق، وأن يبصرنا بما ينبغي أن تكون عليه التربية الإسلامية الراشدة، وأن يحفظ أبناءنا وبناتنا وأزواجنا ورجالنا بما يحفظ به عباده الصالحين، وأن يوفق القائمين على أمر التعليم في بلاد العالم العربي والإسلامي للنهوض بأسباب الرقي والازدهار، ولوضع الأسس والسبل الكفيلة لرفع معنويات الشباب، وإعدادهم ليكونوا جيلاً واعياً ومدركاً لمسئولياته المستعد لمواجهة التحديات التي تواجهه على مستوى الفرد، أو التي تواجه أمته على مستوى الجماعة.

بخصوص ما ورد برسالتك، فإنه مع الأسف الشديد رغم أننا أمة تملك رصيداً عظيماً لا مثيل له في العالم من أرصدة التربية والتوجيه والتعليم والنهوض والرقي، ألا وهو الإسلام العظيم، إلا أننا مع الأسف الشديد كأن الله لم يُنزل على نبينا كتاباً ولم يُرسل لنا رسولاً، نتعامل بطريقة أبعد ما تكون عن الواقعية، وترتب على ذلك ما لا يخفى عليك ولا على أحد من ذوي العقول والبصيرة أننا كل يوم نزداد تخلفاً عن ركب الحضارة الإنسانية، ونزداد رجعية، ونحيا حياة مظلمة كئيبة لا تحمل سمات الهمة العالية، ولا تبشر بخير في المستقبل، إذ أنه وكأننا قد فرض علينا أن نظل أذناباً للشرق أو للغرب، وأن نظل أتباعاً ليس بأيدينا زمام أي مبادرة، حتى في الأمور التي تتعلق بخصوصياتنا.

هذا الأمر أصبح مرضاً عاماً مع الأسف الشديد في معظم العالم العربي والإسلامي، وكأن الأمم نفسها أيضاً لم تبلغ بعضها إلى سن الرشد أو البلوغ، وكأن الأمة نفسها أيضاً في نظر أعدائها مازالت في مرحلة الطفولة، ولابد من فرض الوصاية عليها، وإلى اليوم فعلاً لم نرَ بريق أمل في معظم بلاد العالم العربي خاصة والإسلامي عامة، خاصة تلك المعسكرات الكبرى التي يوجد فيها الملايين من المسلمين الذين يُطحنون يومياً تحت وطأة الجهل والتخلف وسوء التربية وعدم التوجيه الرشيد، وعدم الأخذ بأسباب النهوض والتقدم، ولذلك هذا الذي ذكرته من الواقع إنما هو مع الأسف الشديد أمر ليس بجديد، وإنما كأن أعداءنا قد فرضوا علينا هذا النمط من أنماط السلوك في الحياة، حتى نظل متخلفين.

كما ذكرت من أننا لا نخرج للعمل في الثالثة عشرة من العمر كغيرنا من الدول، ونظل معتمدين مادياً على الأسرة حتى نتخرج من الجامعة، ويترتب على ذلك أننا في أحيان كثيرة لا نستطيع أن نستقل بحياتنا، ولا يُنظر إلى الشباب على أنهم أشخاص ناضجين بمقدورهم أن يبدءوا حياتهم بطريقة سليمة.

إن مرحلة التعليم الطويلة فعلاً هي التي تؤدي إلى وأد كل هذه الأفكار الرائعة؛ لأن الشاب يظل أكثر من عشرين عاماً وهو عالة على أسرته لا يستطيع أن يملك قوت يومه، وإن خرج لا يجد المؤسسات التي تعينه أو تشجعه، ونظام التعليم قد لا يسمح له بازدواجية العمل مع التعليم؛ لأنه يستغرق مسافات طويلة ومساحات كبيرة، وأيضاً نظام التعليم نفسه وما يُلقى من معارف وعلوم، لا يؤدي إلى تحريك عجلة الحياة بطريقة تتناسب مع التحديات المعاصرة، وإنما كما يقولون: يقوم التعليم في معظم بلاد العالم العربي والإسلامي على نظام ملء الوعاء، فهذا مدرس الرياضيات يدخل فيسكب ما لديه من معارف ثم يأتي مدرس اللغة الإنجليزية فتختلط الرياضيات بالإنجليزية، ثم يأتي مدرس اللغة العربية فتختلط كذلك، ثم مدرس علوم ثم مدرس المواد الاجتماعية، خلطة طويلة لا يُسمح فيها للطالب أن يكون له دور في الحوار أو النقاش، وإنما يكون المدرس بارعاً إن استطاع أن يجعل الكل لا يتنفس، وأن يجعل الطالب كالمقعد الذي يجلس عليه، دون أدنى فرصة للحوار، دون أدنى فرصة للتشاور أو لتبادل الأدوار، دون أدنى فرصة لإعطاء مزيد من الحرية للشباب للمناقشة وفتح المجالات، باعتبار أن أمامه كم هائل من المعلومات وأن أمامه منهج طويل ينبغي أن ينتهي منه، ولذلك تكون النتيجة أن الذي يخرج من هذه البوتقة قلة قليلة من المفكرين، وقد يوأدون أيضاً في مراحل أعلى أو في ظروف الحياة الصعبة.

المشكلة ليست مشكلة أفراد أو أسر وإنما مشكلة منهج عام في معظم بلاد العالم العربي والإسلامي، وإن كانت بعض الدول الآن بدأت تتملل من هذا الوضع المحزن، وبدأت تعلن الحرب على هذا الوضع الكئيب، إلا أنها مازالت في طور التجربة، ولا نستطيع أن نحكم عليها بالنجاح، وإنما نقول أن هناك مبشرات من أن فكرة الحوار والنقاش في الصف أصبحت أوسع، وقدرة الطالب على البحث عن المادة العلمية في المواقع في النت أو في غيره أصبحت أكبر، ولعل هذا يهيئ، ولكن الإشكال أن حجم المعلومات يتم تقديمه من خلال هذه التجربة الجديدة، يأتي على حساب القيم والمبادئ، لأنها متقلصة، ويأتي على حساب اللغة الأم التي هي لغة المجتمعات العربية والإسلامية (اللغة العربية) إذ أن مساحة اللغة الإنجليزية واسعة جدّا، وهناك علوم أساسية لا تدرس إلا بالإنجليزية، في حين أنه كان من الممكن أن تدرس بالعربية، وأن يتم تغيير آلية التعليم وفقط، لا يلزم أن آخذ عن الناس كل ما لديهم؛ لأنه لابد لي من فلترة ولابد لي من عرض تلك القيم على قيمي وثوابتي، لأني لستُ هملاً ولستُ من الرعاع، ولم آت من فراغ، وإنما نحن أمة لها قيمها العظيمة الراسخة في جذور التاريخ، ونحن الأمة الوحيدة التي بيننا وبين السماء صلة مباشرة، فهناك إشكالية في التعليم أدت إلى مثل هذه السلبيات التي وردت في كلامك.

كيف يتكيف الشاب مع هذه الأوضاع؟

هذه مسألة تحتاج إلى وعي من الأسر؛ لأن الوضع التعليمي كما ذكرت لا يُفرز هذا الوضع المتميز، وإنما وضع تكرار لما كان من الأخطاء من عشرات السنين، بل قد يزيد عن المائة عام وزيادة والإفرازات هي هي، والذي يخرج يتميز بنوع من العبقرية أو النبوغ لا يكاد يُعد على الأصابع في العام الواحد مثلاً، في حين أننا نجد عمالقة يخرجون في الغرب كل عام؛ لأن وسائل التعليم تؤدي إلى ذلك.

كذلك أيضاً عدم تدريس المواد التربية الإسلامية وكيفية تعامل الأسرة مع الأولاد في المراحل السنية العمرية، فمرحلة الطفولة المبكرة لها متطلباتها، ومرحلة الطفولة المتأخرة لها متطلباتها، ومرحلة المراهقة لها متطلباتها، ومرحلة البلوغ والرجولة لها متطلباتها، فلابد من ذلك، هذا مع الأسف الشديد لا يدرس أبداً في أي جامعة من الجامعات العربية أو الإسلامية، وإن درس فإنما يدرس من وجهة نظر الغرب ولا يدرس من وجهة نظر الإسلام العظيم، فالمأساة كبيرة وعظيمة حقّاً، وهذه المعاناة ستستمر مادمنا مصرين على هذا الوضع، ولذلك لابد من مبادرات ولو على الأقل مبادرات فردية، بأن تفكر الأسر في ضرورة الاطلاع على كتب التربية للتعامل مع أولادها ومراعاة ظروفهم، وإعطائهم هامشاً من الحرية بموجبه يستطيعون الاعتماد على أنفسهم.

لابد فعلاً من أن تتدخل الأسر لإنقاذ ما يمكن إنقاذه ولو على الأقل في داخلها، بقراءة ما كُتب عن أساليب التربية وأنظمة التربية من وجهة نظر إسلامية راقية، ولا مانع من الاستعانة بالمسلمات الغربية التي لا تتعارض مع الإسلام، فنحن أمة لا ننغلق أمام الآخر، وإنما نأخذ منهم ما يؤدي إلى تحقيق ذاتنا دون أن يتعارض ذلك مع ديننا ومعتقداتنا، لا يلزم أن آخذ عن الغرب كل ما لديهم؛ لأن الغرب بيئة تختلف تماماً عن البيئة الإسلامية.

أتمنى من كل ولي أمر أسرة أن يحاول أن يُدخل إلى برنامج حياته ضرورة البحث والاطلاع والقراءة، وخاصة نحن الآن في عصر الإنترنت، لو كتبنا كلمة (تربية) لخرجت أمامنا عشرات المواقع التي تحدثنا عن التربية، تربية إسلامية وغير إسلامية، لابد أن نقتحم هذا الميدان وبقوة، حتى نستطيع أن ننقذ ما يمكن إنقاذه؛ لأن الأمة تسير إلى الهاوية مع الأسف الشديد، وكل يوم تتسع الهوة بيننا وبين غيرنا، ورغم أننا نملك مقومات الحضارة إلا أننا لسنا متحضرين؛ لأن الحضارة لا تُشترى، والحضارة أيضاً ليست في ارتفاع البنيان وكونها شاهقة كالأبراج وغيرها، ولا في اقتناء الطائرات والسيارات الفارهة، وإنما في أن نصنع الحضارة بأنفسنا، أن يتحضر الإنسان في خاصة نفسه، ثم يصنع الحضارة كما فعل النبي المصطفى عليه الصلاة والسلام، فلقد ترك النبي صلى الله عليه وسلم وراءه جيلاً متميزاً استطاع أن يغير وجه التاريخ وأن يكتسح ثلاثة أرباع العالم بقيم وثوابت أذهلت العدو قبل الصديق.

لابد للأسرة فعلاً من أن تجعل لها برنامجاً تربوياً، وأن يطلع على ذلك وأن يلتزم به أولاً أولياء الأمر، قبل الشباب، الوالد والوالدة، الزوج والزوجة، لابد لهم من الاطلاع حتى يغيروا طريقة التعامل مع الشباب ويراعوا التحديات التي تواجههم، ويعطونهم مساحة الحرية التي تؤهلهم لكي يكونوا من أصحاب المسئولية في المستقبل.

أسأل الله تبارك وتعالى أن يوفق أولياء الأمور لأخذ بنواصي التقدم وإخراجنا من هذا الوضع الآسن الذي جعلنا وراء العالم كله، كما أسأله تبارك وتعالى أن يوفق أيضاً أولياء أمور الأسر لأن يعيدوا النظر في طريقة تربيتهم، وأن يفتحوا أنفسهم على مراجع التربية المعتبرة النظيفة النقية حتى يساهموا في إسعاد أولادهم وإعدادهم لتحديات المستقبل.

هذا وبالله التوفيق.

www.islamweb.net