بعد وفاة والدتي أصبت بحزن وكآبة وقلق من أبسط الأشياء!
2026-04-27 00:27:48 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
بدايةً: أشكر هذا الموقع الرائع الذي يقدّم أفضل الحلول لكل من ضاقت به الأمور، فقد كان ملجأ لي لأطرح مشكلتي، وحقيقة لأنني لم أجد من يسمعني ويفهمني، فكلما تحدثت إلى شخصٍ ما، ولأنهم لا يعيشون الشعور نفسه؛ ألقى منهم جفاءً وقلة اهتمام، فأرجو أن أجد ضالتي هنا عندكم.
أنا فتاة أبلغ من العمر 22 عامًا، توفيت والدتي قبل أشهر، وبعد وفاتها ظهرت لديّ حالة من القلق والتوتر والحزن الشديد والكآبة، من غير سبب، ولأتفه الأسباب، فأشياء بسيطة قد تؤثر في نفسيتي وتجعلني حزينة إلى أبعد الحدود، وفي كل مرة أحاول أن أضبط نفسي لأتخلص من هذا الشعور لا أستطيع، وأحس بالضعف أمام ذلك.
وازدادت لديّ هذه الحالة في الأيام الأخيرة، فأصبحت أتعب نفسيًا بصورة سيئة، وأحس بآلام في القلب والظهر، وسرعة في ضربات القلب، وهذا ما زاد خوفي وقلقي من أن يكون القلق والتوتر قد أدّيا إلى نتائج أخرى، مثل ضعف القلب، مع العلم أنني تمرّ بي حالات تكون فيها نفسيتي مرتاحة، فيكون كل شيء على ما يرام، ولا أحس بأي ألم، ولكن عندما أفكر في شيءٍ ما يعيد إليّ الحزن، أحس بآلام وسرعة في ضربات القلب، حتى إنني أشعر بأن الموت قد اقترب، فلا أجد أي لذة في حياتي، وكل شيءٍ أصبح سَواء.
أحاول دائمًا أن أعيش حياتي ولحظاتي كما ينبغي، وأن أطرح همّ المستقبل جانبًا، لكنني لا أستطيع، وأحاول كذلك أن أعالج حالتي بنفسي من خلال قراءة القرآن والذكر والصلاة، لكن سرعان ما تعود الحالة لتتجدد لديّ، تقريبًا كل يوم!
أفيدوني، بارك الله فيكم، وأعطوني حلًا يمكن أن يعيدني إلى ما كنت عليه فيما مضى من السعادة والراحة النفسية.
وجزاكم الله خيرًا.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ بنت مسلمة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نرحب بك في استشارات إسلام ويب.
أختي الفاضلة، قرأت رسالتك بكل تمعن، ونحن نستمع لك، وأقول لك: إننا بتوفيق من الله تعالى قد تفهمنا حالتك، وأتفق معك أن حالتك فعلًا مزعجة، والآخرون -بكل أسف- لا يحسُّون أحاسيسك، ولكني أقول لك أيضًا: إن حالتك ليست خطيرة، وهذا من لطف الله تعالى وفضله.
من ناحية التشخيص فإن الحالة التي تعانين منها، هي نوع من القلق النفسي المتمازج، مع درجة بسيطة من الاكتئاب، وهذا يسمى بالقلق الاكتئابي، ويعرف عن القلق أن هناك مكوّنًا نفسيًا، وهو الشعور بالضيقة وعدم الارتياح، وحين يأتي معه الاكتئاب يظهر الكدر وعسر المزاج، وهنالك أعراض عضوية منها سرعة ضربات القلب، والشعور بالتوتر العضلي، والبعض قد يحس بآلام هنا وهناك.
أنت لديك أسباب واضحة وهي وفاة والدتك –نسأل الله تعالى لها الرحمة وأن يتقبلها الله قبولًا حسنًا– وأنا أقول لك: إن القلب الرحيم دائمًا هو أفضل من القلب القاسي، وهي رحمة وضعها الله في قلوب بعض من عباده، والحزن على الوالدين أمر مشروع، بل أرى أنه مطلوب حقيقة، ولكننا تعلَّمنا من عقيدتنا الإسلامية السمحة أن الصبر عند الصدمة الأولى، وأن الدعاء هو المطلوب في مثل هذه المواقف وفي كل الأحيان، وأنهما -الصبر والدعاء- هما من المعينات الرئيسية لنا في مثل هذه المواقف.
وقد أعجبني تعبيرك عن مشاعرك حيال وفاة والدتك –رَحِمَهَا اللهُ تَعَالَى– وحتَّى الأنبياء قد حزنوا، فالرسول ﷺ حزن لوفاة ابنه إبراهيم، فقال: «إِنَّ القَلْبَ لَيَحْزَنُ، وَإِنَّ العَيْنَ لَتَدْمَعُ، وَإِنَّا لِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ»، وقال ﷺ في وفاة ابن ابنته: «إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ»، ثم رُفِعَ الصَّبِيُّ إِلَيهِ وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ فِي صَدْرِهِ، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا هَذِهِ؟ قَالَ: «هَذِهِ رَحْمَةٌ يَجْعَلُهَا اللهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ».
فالرسول ﷺ موقفه واضح حيال هذه الأمور، الدعاء وحزن القلب ودمع العين، ونحن يجب أن نقتدي به ﷺ، وذلك بأن لا نفعل ولا نقول إلَّا ما يُرضي الله تعالى، ونبي الله يعقوب -عليه السلام- حزن على ابنه يوسف سنين طويلة حتَّى ابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم، ولَمَّا عاتبه أبناؤه على ذلك قال: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ}.
فهذه رحمة عظيمة، فلا تحسِّي بالذنب أبدًا، ولكن عليك بالصبر وعليك بالتجلد، وعليك أن تدعي بالرحمة لوالدتك، وهذا سوف ينقلك -إن شاء الله تعالى- من حالة القلق هذه والكآبة إلى حالة من الرضا والقبول، وأن تكوني فعلاً بنتًا صالحة تدعو لوالدتها.
أيتها الفاضلة الكريمة: النقلة الفكرية مهمة أو ما نسميها بالتفكير المعرفي، فيجب أن تحاوري نفسك، يجب أن لا تستسلمي لهذه الأحزان، وهذا مصير لكل إنسان، والحياة لا بد أن تسير وتستمر، ولن تقف عند موت أحد، ومن أصابه مصيبة فليتذكر مصيبته في النبي ﷺ.
وهنالك معينات طيبة في مثل هذه المواقف: أكرمي أصدقاء والدتك، تواصلي معهنَّ؛ هذا أيضًا يجعلك تشعرين أيضًا بالرضا.
انتبهي لبيتك ولزوجك، وحاولي أن تديري وقتك بصورة طيبة، انضمي لحلقات حفظ القرآن وتلاوته، مارسي الرياضة في داخل المنزل؛ هذا فيه شيء من التفريغ النفسي المريح.
أيضًا مارسي تمارين الاسترخاء؛ حيث يمكنكِ أن تستلقي على السرير في الغرفة، ويكون المكان حولكِ هادئًا، وفكري في حدث طيب وسعيد، ثم أغمضي عينيكِ وخذي نفسًا بطيئًا، واجعلي صدركِ يمتلأ بالهواء، وبعد ذلك أمسكي على الهواء في صدركِ قليلاً، ثم أخرجيه بكل قوة وشدة عن طريق الفم.
كرري عملية الشهيق والزفير هذه خمس مرات متتالية، بمعدل مرة في الصباح ومرة في المساء، لمدة ثلاثة أسابيع، ثم مرة واحدة مساءً لمدة أسبوعين.
بقي أن أقول لك: سيكون من الجيد أيضًا أن أصف لك أحد الأدوية العلاجية الطيبة والممتازة، والذي يعرف بفعاليته العظيمة في مثل هذه الحالات.
الدواء يعرف تجاريًا باسم "سبرالكس - Cipralex" ويعرف علميًا باسم "استالوبرام - Escitalopram"، أرجو أن تحصلي على العبوة التي تحتوي على حبة قوتها 10 مليجرامات، حيث توجد أيضًا عبوة تحتوي على عشرين مليجرامًا، ولكنك لست في حاجة إلى هذه.
ابدئي في تناول نصف حبة -5 ملغ- استمري عليها يوميًا لمدة عشرة أيام، ثم ارفعي الجرعة إلى حبة كاملة يوميًا، واستمري عليها لمدة ثلاثة أشهر، ثم خفضيها إلى نصف حبة يوميًا لمدة أسبوعين، ثم توقفي عن تناول الدواء.
هذا دواء فاعل وممتاز وسليم وغير إدماني، وغير تعودي، ولا يؤثر على الهرمونات النسوية، فقط لا ننصح باستعماله أثناء الحمل.
نسأل الله تعالى المغفرة والرحمة لوالدتك ولجميع موتى المسلمين والمسلمات، ونسأل الله لك العافية والشفاء، والتوفيق والسداد، ونشكرك على تواصلك مع إسلام ويب، وبالله التوفيق.