الأبناء زينة الحياة الدنيا، وأمانة غالية في أعناق الوالدين، وشكر هذه النعمة يكون بتوجيههم نحو مراقي الإيمان والاستقامة، وغرس "تعظيم الله" في قلوبهم؛ فهو حصنهم المنيع من الشبهات والشهوات، وسبيلهم القويم لمحاسن الأخلاق والمعاملات.. وتتحمل الأسرة المسؤولية المحورية في هذا البناء الإيماني؛ امتثالاً لقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا}(التحريم:6)، وتأكيداً للتوجيه النبوي: (كُلُّكُمْ راعٍ وكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عن رعيته). وتنطلق هذه الرؤية في أصلها من مشكاة السيرة النبوية؛ إذ تجسد سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ومواقفه مع الصغار والكبار، وأحاديثه الشريفة ـ بنصوصها المباشرة ودلالاتها المُسْتَنْبَطة ـ أحكم المناهج لتنشئة جيل يُعظم خالقه سبحانه.. وإذ كان هذا الواجب حتمياً، فإنه في واقعنا المعاصر أشد إلحاحاً؛ أمام تدفق الأفكار الدخيلة عبر الفضاء الرقمي المفتوح، ليكون تعظيم الله هو النور الهادي للناشئة؛ وليكونوا صالحين في أنفسهم، ولبناتٍ صالحة في مجتمعهم.. ولتحقيق هذا المقصد، ثمة أدوات تربوية تُعين الأسرة في مسيرتها، من أبرزها:
أولًا: غرس تعظيم الله من خلال آياته ومخلوقاته ونعمه
إن تعظيم الله في قلوب الأبناء هو الأساس الحقيقي الذي تُبنى عليه شخصيتهم الإيمانية السويّة؛ فمتى استقر هذا المعنى في نفوسهم، أورثهم مهابةً وخشيةً لله، وأيقظ فيهم الاستشعار الدائم لقدرته سبحانه ونعمه، ويزداد هذا التعظيم رسوخًا حين تفتح الأسرة أمام أبنائها أبواب التأمل في آيات الله الكونية، كخَلق السموات والأرض، واختلاف الألسن والألوان، وتسخير الشمس والقمر بدقة وإتقان، قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ}(الروم:33)، وقال سبحانه: {وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ}(إبراهيم:33).
وينبغي للوالدين تحويل التفاصيل المرئية والمسموعة من حولهم إلى دروس إيمانية حية؛ فإخراج الثمرات بألوانها وطعومها المتنوعة من ماء واحد آية عظيمة، قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا}(فاطر:27)، وتتجلى هذه العظمة أيضًا عند توجيه مداركهم إلى أسرار الطيور المحلقة بانتظام بديع، وعجائب البحار وما تسخر به من حيوات، قال تعالى: {أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ}(النحل:79)..
بل إنَّ أبلغ ما يلفت نظر الناشئة إليه هو ما أودعه الله في ذواتهم من عظيم الصنع والخلق؛ تمثلًا لقوله تعالى: {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ}(الذاريات:21)، فكل عضو في أجسادهم شاهد ناطق على عظمة الخالق وفضله وحكمته؛ من نبض القلب الدائم، ودقة العين الباصرة، إلى العقل المفكر واللسان المعبر، قال تعالى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}(النحل78)، ومتى أيقن الأبناء أن حياتهم وصحتهم ورزقهم هي آثار محض فضل الله وقدرته، أورثهم ذلك محبة الله وإجلاله، وتجلت لهم عظمته سبحانه كحصن واقٍ في كل مشهد من مشاهد الحياة..
ثانيًا: غرس تعظيم الله من خلال أسمائه الحسنى وصفاته العُلا
من أجلّ الوسائل التي تُرسّخ تعظيم الله في نفوس أبنائنا، أن نعرّفهم بربهم من خلال أسمائه الحسنى وصفاته العُلا ـ بأسلوب سهل يسير ـ؛ فهي الأبواب الواسعة للوصول إلى حقيقة معرفته، والمعارج السامية التي تسمو بالقلوب إلى محبته وخشيته، ففي كل اسم جلال، وفي كل صفة جمال، يورث القلب إجلالاً وإنابة، مع كمال التنزيه له سبحانه كما قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}(الشورى:11).
فمتى وعى الناشئة أن الله هو "العليم" الذي لا تخفى عليه خافية، و"السميع" الذي يسمع السر والنجوى، و"البصير" الذي يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، و"الرحيم" الذي وسعت رحمته كل شيء، و"الغفور" الذي يغفر الذنوب جميعًا، و"القدير" الذي لا يُعجزه شيء في الأرض ولا في السماء؛ انقادت جوارحهم تعظيماً له، واستشعروا مراقبته في السر والعلن، متحققين بمقام الإحسان الذي أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ) رواه البخاري.
وقد ربط النبي صلى الله عليه وسلم بين هذه المعرفة والجزاء العظيم فقال: (إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إلَّا واحِدًا، مَن أحْصاها دَخَلَ الجَنَّةَ) رواه البخاري، والإحصاء لا يقف عند مجرد العدّ اللفظي، بل يمتد إلى فقه معانيها، والعمل بمقتضاها السلوكي، وبهذا ينشأ الأبناء على معرفة ربهم حق المعرفة، فيعظمونه بقلوبهم، ويستشعرون رقابة الله عليهم في كل حال وزمان ومكان..
ثالثاً: القدوة الوالدية والتطبيق العملي
إذا كانت معرفة آيات الله ونعمه، وأسمائه الحسنى وصفاته العلا، هي الأساس لغرس تعظيم الله في أبنائنا، فإنَّ الأسرة تظل هي القناة العملية لتنزيل هذه المعاني في واقعهم، وتبقى "القدوة الوالدية" هي المحرك الأول لبذور الإيمان والتعظيم؛ فالأب والأم هما النموذج التطبيقي الحي، والناشئ لا يتعلم التعظيم من المواعظ النظرية بقدر ما يتعلمه من السلوك المشهود أمامه.
فحين يرى الابن والده يترك مشاغله ويبادر إلى الصلاة فور سماع الأذان امتثالًا لقوله تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا}(النساء:103) ينطبع في قلبه أن الله أعظم من الدنيا وما فيها، وحين ترى البنت من أمها تحري الحياء في كلامها وثيابها ابتغاء مرضاة الله، تنشأ على الطاعة والحياء والحجاب بيسر وطمأنينة..
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أعظم الناس تعظيماً لربه؛ وتجلت روعة إجلاله في سلوكه وعبادته، حتى قالت عائشة رضي الله عنها: (كانَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُصَلِّي حتَّى تَرِمَ قَدَمَاهُ، فيُقَالُ له، فيَقولُ: أفلا أكُونُ عَبْدًا شَكُورًا) رواه البخاري. وهذا السلوك النبوي يؤكد أنَّ غرس العبادة والتعظيم لا يقف عند حدود الكلمات، بل ينبت من القدوة الحية التي يراها الأبناء صباح مساء؛ لتكون أفعال الوالدين مرآةً صادقة لتعظيم الخالق في قلوب أبنائهم..
رابعاً: المعايشة الحياتية والشعائر التعبدية
لا يقف أثر القدوة الوالدية عند حدود الهيئة والسلوك، بل يمتد ليتجسد في ممارسات تعبدية يومية ومواقف حياتية تُحيل العادات والعبادات إلى أدوات حية لترسيخ تعظيم الله في نفوس الناشئة.. ومن أبلغ هذه الأساليب ربط تفاصيل الحياة اليومية بالخالق سبحانه؛ فالطعام رزق، والنجاح توفيق، والمرض ابتلاء، والشفاء محض نعمة، كما قال تعالى: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ}(النحل: 53). وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يغرس هذا الإيمان والتعظيم لله عز وجل بالمواقف والكلمات، كما قال لابن عباس وهو غلام: (احفَظِ اللهَ يحفَظْك)؛ فبتحويل المواقف العادية كالحمد عند النعمة، والدعاء عند المطر أو السفر، إلى دروس إيمانية، وملازمة الأذكار المأثورة عند النوم والدخول والخروج، يستشعر الناشئة إحاطة الله ومعيته، مما يثمر في نفوسهم مراقبة مستمرة له سبحانه في كل آن..
ويتأكد هذا التعظيم بربط الأبناء بأعظم الروابط وهو القرآن الكريم، كلام الله الواجب تعظيمه؛ فحين يرى الطفل والديه يتلون كتاب الله بخشوع وتدبر، ينطبع في قلبه مهابة هذا الوحي الإلهي، فينشأ على تلاوته ومحبته والالتزام بأحكامه.. وتتوج هذه الممارسات بإقامة الصلاة التي تظل ميزان التعظيم وأعظم مظاهره، والصلة المباشرة بين العبد وربه، ولذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتربية عليها منذ الصغر فقال: (مُروا أولادَكم بالصلاةِ وهم أبناءُ سبعِ سنين) رواه أبو داود. وفي تأكيد مسؤولية الوالدين تجاهها، قال ابن تيمية: "يجب على كلِّ مطاعٍ أن يأمر مَن يطيعه بالصلاة، حتى الصغار الذين لم يبلغوا، ومَن كان عنده صغيرٌ، يتيمٌ أو ولد، فلم يأمره بالصلاة فإنه يعاقَبُ الكبير إذا لم يأمرِ الصغير"، فالمحافظة عليها في وقتها تغرس في قلب الناشئ أن الصلاة تفوق كل شاغل دنيوي مهما عظم، ومتى عاين الأبناء والديهم يعظمون قدرها، ويحافظون عليها، انغرس في قلوبهم توقيرها، وشبّوا على المحافظة عليها طاعةً وإجلالاً..
وخلاصة القول: إنَّ غرس تعظيم الله في قلوب الناشئة ليس مجرد واجب تربوي عابر، بل هو أساس الإيمان الراسخ، والحصن الواقي من مضلات الفتن.. وتبدأ هذه المسيرة المباركة بتوجيه الأبناء للتأمل في آيات الله ونعمه، والتعرف على أسمائه الحسنى وصفاته العُلا، وترجمة هذا البناء العقدي إلى واقع ملموس عبر القدوة الوالدية، وملازمة الأذكار، والارتباط بالقرآن الكريم، وصولاً إلى الصلاة التي تجسد ذروة هذا التعظيم، وبهذا التكامل التربوي، تُصاغ الشخصية المؤمنة السوية للناشئة التي تعظم الله في كل قول وفعل، ليكونوا لبناتٍ صالحة في مجتمعهم، تتحقق بهم سعادة الفرد والمجتمع، وإنَّ كل هذه المعاني الإيمانية، والقيم التربوية، والوسائل العملية، مستمدةٌ في أصلها وجوهرها من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأحاديثه الشريفة التي رسمت للمربين أحسن المناهج وأحكم السبل والوسائل..
المقالات

