الخطبة الأولى
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، وجعل طاعته من طاعته، واتباعه سبيلًا إلى محبته، وحذّر من مخالفة أمره، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، بلّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وتركها على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الحديد: 28]. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119].
أما بعد:
عباد الله: من أعظم ما يجب أن يستقر في قلب المسلم تعظيم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيم سنته؛ لأن تعظيم الرسول ليس أمرًا زائدًا على الإيمان، بل هو من مقتضيات الشهادة بأنه رسول الله. وقد جمع الله بين الإيمان به وتعظيمه فقال: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفتح: 8-9]. والتوقير ليس مجرد كلمات ثناء تقال، ولا مجرد مشاعر في القلب، بل أعظم توقيره أن يعظَّم أمره إذا أمر، ونهيه إذا نهى، وخبره إذا أخبر، وسنته إذا ثبتت. ولهذا قال الله تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء: 80]، وقال سبحانه: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحشر: 7]. فالمسلم حين يسمع: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينبغي أن يعلم أنه أمام أمر ليس ككلام سائر الناس؛ إنه كلام الرسول الذي أمره الله باتباعه وطاعته.
أيها المسلمون: لقد ربّى القرآن الصحابة على تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم حتى في طريقة مخاطبته والحديث بين يديه، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الحجرات: 1]. فلا تتقدموا بقول ولا رأي ولا حكم على حكم الله ورسوله. ثم قال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} [الحجرات: 2]. فإذا كان الله قد حذر من رفع الصوت فوق صوته في حياته، فكيف بمن يرفع رأيه وهواه على سنته بعد وفاته؟ وكيف بمن يبلغه حديث صحيح ثم يقول: أنا لا أقتنع بهذا، أو زماننا تغير، أو الناس اليوم لا يقبلون ذلك؟ إن المسلم قد يجهل الحديث، وقد لا يفهم معناه، وقد يحتاج إلى سؤال العلماء عن دلالته أو صحته أو كيفية تطبيقه، وهذا كله طبيعي؛ ولكن الخطير أن يكون موقف القلب من سنة رسول الله الاعتراض والرد لمجرد مخالفتها للهوى. قال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65]. فتأملوا: تحكيم، ثم عدم حرج، ثم تسليم.
أيها المؤمنون: ولهذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شديدي التعظيم لأمره؛ إذا سمعوا أمرًا بادروا إليه، وإذا جاءهم نهي وقفوا عنده. ولما نزل تحريم الخمر ونادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا إن الخمر قد حُرِّمت، قال أنس رضي الله عنه: فقال أبو طلحة: اخرج فأهرقها، فخرجت فهرقتها، فجرت في سكك المدينة) رواه البخاري ومسلم. لم يقولوا: لقد اشتريناها بأموالنا، ولا: نستهلك الموجود ثم نتركها، بل لما جاء أمر الله ورسوله انتهوا. ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه يوم خيبر في لحوم الحمر الأهلية: (أهريقوها واكسروها)، قاموا إلى القدور وهي تفور باللحم فأكفؤوها. رواه البخاري ومسلم. هذه هي حقيقة التعظيم: أن يكون أمر رسول الله أقوى من رغبة النفس، وأعظم من العادة والمصلحة الآنية.
عباد الله: ومن أبلغ المواقف في تعظيم السنة ما وقع لعبد الله بن عمر رضي الله عنهما، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تمنعوا نساءكم المساجد إذا استأذنكم إليها) رواه مسلم. فقال أحد أبناء عبد الله بن عمر: والله لنمنعهن، فغضب عبد الله غضبًا شديدًا وقال له: أخبرك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول: والله لنمنعهن! وفي رواية أنه سبّه سبًّا شديدًا ما سمعه سبه مثله قط. لم يكن غضبه لأن ابنه خالف رأيه الشخصي، وإنما لأنه عارض قولًا صريحًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وكذلك لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا استأذنت امرأة أحدكم إلى المسجد فلا يمنعها) رواه البخاري ومسلم، كان الصحابة ينظرون إلى هذه الأوامر بمنظار التسليم، وإن كانت للنصوص أحكامها وضوابطها التي يبينها أهل العلم. والمقصود هنا هو موقف القلب: كيف نتعامل عندما يقال لنا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
أيها المسلمون: وقد حذّر الله تحذيرًا شديدًا من مخالفة أمر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63]. فمخالفة السنة ليست أمرًا هينًا، ومن أعظم أسباب ضعف تعظيم السنة أن يتحول الدين عند الإنسان إلى ما يوافق مزاجه؛ يأخذ الحديث الذي يعجبه، ويترك ما لا يعجبه، ويتمسك بالسنة إذا وافقت عادته، فإذا خالفت عادته بحث عن طريق للتخلص منها. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن ظهور هذا المسلك فقال: (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه) رواه أبو داود. والسنة هي التي بينت لنا القرآن، فعن طريقها عرفنا كيف نصلي ونزكي ونحج، وتفاصيل الحلال والحرام، قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44].
أيها المؤمنون: وتعظيم السنة لا يعني أن ينسب الإنسان إلى النبي صلى الله عليه وسلم كل ما يسمعه، بل من تعظيمه ألا ننسب إليه إلا ما ثبت عنه. قال صلى الله عليه وسلم: (من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار) رواه البخاري ومسلم. ومن تعظيم السنة كذلك أن نفهمها فهمًا صحيحًا، وأن نجمع النصوص في الباب، وأن نرجع إلى أهل العلم فيما أشكل علينا؛ فكم من إنسان ظن أنه ينصر السنة وهو ينسب إليها ما ليس منها، أو يفهم حديثًا على غير مراد النبي صلى الله عليه وسلم. وتعظيم السنة وسط بين من يهجرها ويعرض عنها، ومن يتكلم فيها بغير علم.
عباد الله: ومن أعظم دلائل تعظيم السنة أن تظهر في حياتنا، لا أن تبقى محفوظة في الكتب. تظهر في صلاتنا، وفي صدقنا وأمانتنا، وفي بر الوالدين وصلة الأرحام، وفي تعامل الرجل مع زوجته وأولاده، وفي البيع والشراء، وفي الرحمة بالضعيف، وفي حفظ اللسان، وفي حسن الخلق. قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21]. وقال صلى الله عليه وسلم: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى) رواه البخاري. فتعظيم السنة ليس بكثرة الحديث عنها وحده، وإنما بأن يكون لها سلطان على قراراتنا وأخلاقنا وأعمالنا، وأن نربي أبناءنا على أن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدم على الهوى والعادة ورأي البشر.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، أمر بطاعة رسوله واتباع هديه، وجعل في ذلك الفوز والفلاح، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
عباد الله: إن تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم وسنته ليس شعارًا يرفع، وإنما موقف يظهر حين يبلغنا أمره ونهيه. فالمعظم لرسول الله يصدق خبره، ويطيع أمره، ويجتنب نهيه، ويقدم سنته على هواه، ولا ينسب إليه ما لم يثبت عنه. قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران: 31]. فالمحبة الصادقة تثمر اتباعًا، والتعظيم الصادق يثمر تسليمًا؛ فلنربِّ أنفسنا وأهلينا على كلمة عظيمة: ماذا قال الله؟ وماذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فإذا ثبتت السنة لم نسخر منها، ولم نستح منها، ولم نقدم عليها أهواءنا، وفي الوقت نفسه لا نتكلم باسم السنة بغير علم، ولا ننسب إلى رسول الله ما لم يقله. وقد ترك لنا صلى الله عليه وسلم هديًا واضحًا، فمن تمسك به اهتدى، ومن أطاعه فقد أطاع الله، قال تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 71].
واعلموا أن من تعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم كثرة الصلاة والسلام عليه، وقد قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
المقالات

