الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

اليقين بالله وأثره في حماية الشباب من القلق والفراغ الوجودي

اليقين بالله وأثره في حماية الشباب من القلق والفراغ الوجودي

 اليقين بالله وأثره في حماية الشباب من القلق والفراغ الوجودي

يشهد العصر الحاضر تصاعداً ملحوظاً في معدلات القلق والاضطراب النفسي والشعور بالفراغ الوجودي، ولا سيما بين فئة الشباب، حتى أصبحت هذه الظاهرة محل اهتمام الباحثين في مجالات النفس والاجتماع والفكر، ومع التطور التقني والانفتاح الإعلامي، وتعدد المؤثرات الثقافية، وتراجع الروابط الإيمانية لدى بعض الناس، برزت أسئلة تتعلق بمعنى الحياة، والغاية من الوجود، ومستقبل الإنسان، وأسباب السعادة، والشقاء، وكثير من هذه الأسئلة لا يرجع منشؤها إلى نقص المعلومات، بقدر ما يرجع إلى ضعف اليقين واضطراب العلاقة بالله تعالى؛ ومن هنا تتجلى أهمية العقيدة الإسلامية، فهي لا تقتصر على بيان أصول الإيمان، بل تبني في قلب المسلم يقيناً يملؤه طمأنينة، ويمنحه رؤية واضحة للحياة والكون والإنسان، ويجعله قادراً على مواجهة الأزمات بثبات ورضا، فكلما قوي يقين العبد بربه، وبحكمته، ورحمته، وقدره، ووعده ووعيده؛ زال عنه كثير من القلق، واطمأن قلبه، واستقامت نظرته إلى الحياة؛ ولذلك فإن الحديث عن أثر اليقين بالله في حماية الشباب من القلق والفراغ الوجودي ليس حديثاً عن أثر نفسي عابر، وإنما هو بيان لأصل عظيم من أصول العقيدة في بناء الإنسان المؤمن، وربطه بخالقه، وتحصينه أمام التحديات الفكرية والنفسية التي تفرضها الحياة المعاصرة.

اليقين بالله أصل من أصول الإيمان وحياة للقلوب

اليقين هو أعلى مراتب الإيمان، وهو العلم الراسخ الذي لا يخالطه شك، والطمأنينة التي يستقر بها القلب على الحق. وقد أثنى الله تعالى على أهل اليقين في مواضع كثيرة من كتابه، فقال سبحانه: {وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} [البقرة: 4]، وقال عز وجل: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا} [الحجرات: 15]. فالقرآن يربط بين كمال الإيمان وانتفاء الارتياب؛ لأن القلب إذا امتلأ يقيناً بالله تعالى لم يبق فيه مجال للشكوك التي تزعزع الاستقرار الداخلي. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل ربه اليقين، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو: (اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك… ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا)، رواه الترمذي. فهذا الدعاء يبين أن اليقين ليس مجرد معرفة ذهنية، وإنما قوة قلبية تجعل المصائب أهون، والشدائد أيسر، والابتلاءات أقرب إلى الرضا والصبر. وقد قال الإمام ابن القيم رحمه الله: "واليقين من الإيمان بمنزلة الروح من الجسد". وهذه العبارة الموجزة تصور منزلة اليقين في حياة المؤمن؛ فكما أن الجسد لا حياة له بلا روح، فكذلك الإيمان لا يبلغ كماله إلا باليقين. وقال أيضاً: "وعلى قدر قوة اليقين تكون قوة التوكل"، فإذا رسخ اليقين في القلب، قوي اعتماد العبد على ربه، وزال عنه الاضطراب الذي ينشأ من التعلق بالأسباب وحدها.

ضعف اليقين من أسباب القلق والفراغ الوجودي

يعيش كثير من الشباب اليوم حالة من الحيرة الفكرية والاضطراب النفسي، ليس بسبب قلة الإمكانات أو ضعف الوسائل، وإنما بسبب غياب المعنى الذي يعيشون من أجله. فقد أصبح النجاح عند كثير من الناس يقاس بالشهرة أو المال أو المتعة العاجلة، فإذا فقد الإنسان شيئاً من ذلك شعر بأن حياته فقدت قيمتها. أما العقيدة الإسلامية فتقدم تصوراً مختلفاً؛ إذ تبين أن الإنسان مخلوق لغاية عظيمة، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]. فمن عرف غاية وجوده، وعلم أنه يسير إلى ربه، وأن حياته كلها عبادة إذا صحت نيته، لم يقع فريسة للفراغ الوجودي الذي ينتج عن فقدان المعنى. وقد قال سبحانه: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون: 115]. فالقرآن ينفي العبث عن حياة الإنسان، ويؤكد أنها مرتبطة بالحكمة والغاية والجزاء. وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية إلى هذا المعنى حين قال: "وفي الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة"، ثم بين أن هذه الجنة هي ما يجده المؤمن في قلبه من معرفة الله، ومحبته، والأنس به، وذكره. فالقلب إذا خلا من هذه المعاني، بقي يشعر بالوحشة مهما كثرت حوله أسباب الرفاهية. وقال أيضاً: "إن في القلب فاقة لا يسدها شيء إلا عبادة الله"، وهذه الكلمة من أعمق ما قيل في بيان حقيقة الفراغ الوجودي؛ لأن الإنسان قد يملأ وقته بالترفيه، أو عمله بالإنجاز، أو حياته بالماديات، لكن قلبه يبقى مفتقراً إلى معرفة ربه، فإذا وجدها اطمأن، وإذا فقدها بقي مضطرباً.
اليقين بالله يورث الطمأنينة والثبات
من أعظم ثمار اليقين بالله أنه يملأ القلب سكينة وطمأنينة، قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28]. فالطمأنينة ليست أثراً للظروف الخارجية وحدها، وإنما هي ثمرة للإيمان واليقين. ولهذا قد يعيش المؤمن في شدة، ومع ذلك يكون مطمئن القلب، بينما يعيش غيره في رغد من العيش وهو مضطرب النفس. ومن صور هذا اليقين إيمان المسلم بأن الله تعالى حكيم في قضائه، رحيم بعباده، لا يقدر شيئاً عبثاً، قال سبحانه: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: 216]. كما يؤمن بأن الأرزاق والآجال بيد الله، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وهو المعنى الذي قرره النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما بقوله: (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك…) رواه الترمذي. ولهذا كان السلف يعدون اليقين أعظم أسباب الثبات. قال الحسن البصري رحمه الله: "ما أيقن عبد بالجنة والنار حق اليقين إلا قرت عينه". فالقلق الذي يعيشه كثير من الناس ناشئ عن خوف المستقبل أو الحسرة على الماضي، أما المؤمن فيعيش بين الثقة بالله، وحسن الظن به، والرضا بقضائه.
كيف يحمي اليقين الشباب من الشبهات والضغوط الفكرية؟
لا يقتصر أثر اليقين على الجانب النفسي، بل يمتد إلى الجانب الفكري؛ لأن القلب الموقن بالله لا تهزه كل شبهة، ولا ينساق وراء كل فكرة جديدة. وقد وصف الله تعالى عباده المؤمنين بقوله: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ} [إبراهيم: 27]. فالثبات ثمرة للإيمان، والإيمان يقوى باليقين. وفي زمن تتدفق فيه الأفكار عبر المنصات الرقمية، يحتاج الشباب إلى يقين يجعلهم يزنون الأقوال بميزان الوحي، لا بميزان الشهرة أو كثرة المتابعين. فكم من فكرة رائجة لا تقوم على برهان، وكم من شبهة انتشرت ثم زالت، وبقي الحق ثابتاً كما أنزله الله. وقد قال الإمام الشاطبي: "الاعتصام بالسنة هو النجاة"، وأشار إلى أن الانحراف يبدأ حين يترك الإنسان الوحي ويتبع الهوى أو التقليد الأعمى. ومن هنا فإن بناء اليقين في نفوس الشباب ينبغي أن يسبق كثرة الجدل؛ لأن القلب إذا امتلأ إيماناً كان أقدر على فهم الشبهات وردها، بخلاف القلب الخالي الذي يتأثر بأدنى مؤثر.
وسائل عملية لتعزيز اليقين في حياة الشباب
إن اليقين لا يولد دفعة واحدة، وإنما ينمو مع الإيمان، ويزداد بالطاعة، ويقوى بالعلم والعمل. فمن أعظم أسبابه تدبر القرآن الكريم؛ لأنه الكتاب الذي يخاطب العقل والقلب معاً، ويكرر عرض دلائل التوحيد، وآيات القدرة، وقصص الأنبياء، ووعد الله ووعيده، حتى يرسخ اليقين في النفس. ومنها كثرة ذكر الله تعالى، فإن الذكر يجدد الإيمان، ويبعث السكينة، ويقوي الصلة بالله عز وجل. ومنها صحبة أهل الإيمان والعلم، فإن النفوس تتأثر بمن حولها، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل) رواه أبو داود والترمذي. ومنها النظر في أسماء الله الحسنى وصفاته؛ فكلما ازداد العبد معرفة بربه، ازداد يقينه به. فمن أيقن بأن الله هو الحكيم، اطمأن لقضائه، ومن علم أنه الرزاق، لم يستبد به القلق على مستقبله، ومن آمن بأنه الرحيم، أحسن الظن بربه في جميع أحواله. كما ينبغي للأسرة والمؤسسات التعليمية والدعوية أن تعتني ببناء الإيمان قبل معالجة الظواهر؛ لأن علاج النتائج دون تقوية الأصول لا يحقق الأثر المطلوب.
فالقلق والفراغ الوجودي اللذين يعاني منهما كثير من شباب العصر لا يعالجان بالوسائل المادية وحدها، مع أهمية الإفادة من الخبرات النفسية المعتبرة، وإنما يحتاجان قبل ذلك إلى إعادة بناء العلاقة بالله تعالى، وترسيخ اليقين في القلوب، وإحياء معاني التوكل والرضا والثقة بوعد الله وحكمته.

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة