الخطبة الأولى
الحمد لله الكريم المنان، ذي الفضل والإحسان، الذي جعل الأسرة لبنة المجتمع، وأقامها على المودة والرحمة والبر والإحسان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أمر ببر الوالدين، وجعل شكرهما مقرونًا بشكره، فقال سبحانه: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء: 23]. وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله، خير الأبناء، وأكمل الآباء، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، فهي خير زاد، وأعظم وصية، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102].
وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1].
وقال جل وعلا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70-71].
أما بعد:
أيها المسلون: لقد أولى الإسلام الأب مكانةً سامية، وجعل له من الحقوق ما يليق بعظيم مسؤوليته، فهو القائم على الأسرة، والساعي على رزقها، والحارس لأمنها، والمربي لأبنائها، والقدوة في أخلاقه وسلوكه. وما من بيتٍ استقام إلا وكان للأب فيه أثر ظاهر، وما من أسرة تهاوت إلا وكان لغياب دوره أو ضعفه نصيب من ذلك.
وإن من الظلم أن يُنظر إلى الأب على أنه مجرد منفق، أو آلة للكسب، أو مصدر لتلبية الطلبات وحسب، بل هو قلب الأسرة النابض، وعقلها المدبر، وحصنها المنيع والحافظ بعد توفيق الله تعالى.
وقد قرن الله سبحانه حق الوالدين بحقه، فقال: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [النساء: 36]. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: (أمك). قال: ثم من؟ قال: (ثم أمك). قال: ثم من؟ قال: (ثم أمك). قال: ثم من؟ قال: (ثم أبوك) متفق عليه.
فهذا الحديث وإن أبرز مزيد فضل الأم، فإنه أثبت للأب حقًا عظيمًا يلي حقها مباشرة، وهو دليل على علو منزلته، ووجوب بره والإحسان إليه.
وهكذا كان سلفنا رحمهم الله يعظمون الآباء ويقدرونهم حق قدرهم، ويعدون رفع الصوت عليهم، أو التضجر من خدمتهم، أو إهمال حقوقهم من أعظم العقوق. وكانوا يرون أن من بر والديه بورك له في عمره وأهله وذريته، وأن الجزاء من جنس العمل؛ فمن بر والديه بره أبناؤه، ومن عقهما خشي أن يلقى من أولاده ما صنع بوالديه.
أيها المسلمون: إن الأب يحمل في قلبه هموم أسرته، وربما أخفى آلامه عن أولاده؛ ليبقى في أعينهم قويًّا ثابتًا. يخرج في طلب الرزق في الحر والبرد، ويتحمل المشاق؛ ليؤمن لهم حياة كريمة، وقد يحرم نفسه من كثير من المباحات؛ ليحقق لهم ما يحتاجون إليه. وكثير من الآباء لا ينتظر كلمة شكر، ولا يطلب جزاءً ولا ثناءً، وإنما يفرحه أن يرى أبناءه صالحين، ناجحين، مستقيمين على طاعة الله.
وقد أحسن الشاعر عندما قال:
ليـسَ اليتيمُ مَن انتهى أبواهُ مِنْ *** هـمِّ الحـياةِ، وخلَّفاهُ ذَليـلا
إنَّ اليتيمَ هـوَ الذي تَلْقَـى لَـهُ *** أُمًّا تَخلَّـتْ، أو أَبًا مَشغـولا
وكم من أبٍ أفنى شبابه، وأذهب صحته، وأنفق ماله، ثم إذا كبر سنه وجد من بعض أبنائه جفاءً، أو نسيانًا، أو إعراضًا، أو قلة سؤال، أو رفع صوت، أو تضجرًا من خدمته، وهذا والله من أعظم صور العقوق التي حذر منها الشرع، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رغم أنفه، ثم رغم أنفه، ثم رغم أنفه. قيل: من يا رسول الله؟ قال: من أدرك والديه عند الكبر أحدهما أو كليهما، ثم لم يدخل الجنة) رواه مسلم.
معاشر المؤمنين: ومن القضايا التي يكثر الحديث عنها في هذا العصر ما يسمى بـ"يوم الأب". وإن المسلم ينظر إلى هذه المناسبات بميزان الشريعة، فيعلم أن الإسلام لم يجعل بر الوالدين مرتبطًا بيوم في السنة، بل جعله عبادةً دائمة، وواجبًا مستمرًا، لا ينقطع في صباح ولا مساء. فالأب لا يُكرم في مناسبة عابرة، وإنما يُكرم في كل حين؛ بالكلمة الطيبة، والزيارة، والدعاء، والإنفاق عليه عند حاجته، وخفض الجناح له، والصبر على طبعه، وإدخال السرور إلى قلبه، وحفظ مكانته أمام الناس.
فإذا اغتنم بعض الناس مناسبةً عالميةً لتذكير الأبناء بحقوق آبائهم، دون اعتقاد خصوصية شرعية لذلك اليوم، ودون جعله عيدًا دينيًا أو شعيرةً من شعائر الإسلام، فإن العبرة تبقى في دوام البر والإحسان، لا في الاقتصار على يوم واحد ثم العودة إلى الجفاء والإهمال.
والإسلام سبق كل الدعوات الحديثة حين جعل بر الوالدين قربةً يتقرب بها العبد إلى ربه، فقال سبحانه: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 24].
فلنتق الله في آبائنا، أحياءً وأمواتًا؛ ببرهم، والدعاء لهم، وصلة أرحامهم، وإنفاذ وصاياهم المشروعة، والصدقة عنهم، فإن ذلك من أوفى صور البر بعد وفاتهم.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، أحمده سبحانه على نعمه التي لا تُحصى، وأشكره على فضله الذي لا يُستقصى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
عباد الله: أوصيكم بتقوى الله في السر والعلن، فهي حبل النجاة من المحن والفتن، وخير زاد ليوم العرض العظيم.
أما بعد:
معاشر المؤمنين: اعلموا أن من أعظم القربات بعد توحيد الله تعالى برُّ الوالدين، والإحسان إليهما، والقيام بحقوقهما، وإن من أجلِّ تلك الحقوق حقُّ الأب الذي أفنى عمره في التربية والرعاية، وسهر الليالي، وتحمل أعباء الحياة، وسعى في طلب الرزق، وصبر على المشقة؛ ليهيئ لأبنائه أسباب الحياة الكريمة.
عباد الله: إن الأسرة التي يحظى فيها الأب بالاحترام والتقدير، وتُصان فيها مكانته، هي أسرةٌ أقرب إلى الاستقرار والرحمة والتماسك. وإن الأب حين يرى من أبنائه حسن الأدب، ولين الجانب، وجميل الوفاء، يزداد حرصًا على بذل الخير لهم، ويورثهم من حكمته وتجربته ما يعينهم على مواجهة الحياة.
وإن من المؤسف أن تؤثر بعض الثقافات الوافدة في نظرة الأبناء إلى آبائهم، حتى صار بعضهم يظن أن الاستقلال عن الأسرة يقتضي الجفاء، أو أن التقدم الحضاري يبرر ضعف الصلة بالوالدين، وهذا مخالف لهدي الإسلام الذي جمع بين قوة الشخصية، وكمال الأدب، وعظيم البر.
أيها المسلمون: إن برَّ الأب لا يقتصر على طاعته في المعروف، بل يشمل حسن الاستماع إليه، واستشارته، والدعاء له، والإنفاق عليه إذا احتاج، وإدخال السرور إلى قلبه، وزيارته، والسؤال عنه، والحرص على سمعته، واحترام أصدقائه، وصلة أقاربه، فقد قال رسول الله ﷺ: (إن من أبرِّ البر أن يصل الرجل أهل وُدِّ أبيه بعد أن يولي) رواه مسلم، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
ومن تمام البر كذلك أن يترفع الأبناء عن كل ما يؤذي آباءهم من قول أو فعل، امتثالًا لقول الله تعالى: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} [الإسراء: 23].
معاشر المؤمنين: وللآباء أيضًا مسؤوليات عظيمة، فإن الحقوق في الإسلام متبادلة، فمن حق الأب على أبنائه البر والطاعة في المعروف، ومن حق الأبناء على آبائهم حسن التربية، وغرس الإيمان، وتعليم القرآن، والقدوة الصالحة، والعدل بينهم، والرفق بهم، والإنفاق عليهم. قال رسول الله ﷺ: (كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته) متفق عليه.
فليتق الآباء الله في بيوتهم، وليجعلوا منازلهم عامرةً بالصلاة، وبتلاوة القرآن، وبالأخلاق الحسنة، فإن الأب الذي يكون قدوةً في الصدق، والأمانة، والعفة، والإحسان، يغرس هذه المعاني في أبنائه قبل أن ينطق بها لسانه.
أيها المسلمون: إن من أعظم الوفاء للآباء بعد وفاتهم كثرة الدعاء لهم، والاستغفار، والصدقة عنهم، وإنفاذ وصاياهم المشروعة، وصلة أرحامهم، والإحسان إلى من كانوا يحبون، فإن عمل الابن الصالح لا ينقطع أثره عن والديه، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) رواه مسلم.
فاحرصوا -رحمكم الله- على أن تكونوا ذلك الولد الصالح الذي يرفع درجات والديه في جنات النعيم.
هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، بقول ربنا سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].
المقالات

