الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فضائل التوحيد

فضائل التوحيد

 فضائل التوحيد

الخطبة الأولى

الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل التوحيد أصل الدين، وأساس النجاة يوم يقوم الناس لرب العالمين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الداعي إلى توحيد الله، المحذر من الشرك به، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70-71].
أما بعد:
عباد الله: إن أعظم ما أُمر به العباد، وأجلّ ما قامت عليه السماوات والأرض، وأول ما دعت إليه الرسل، هو توحيد الله عز وجل، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]. فالتوحيد هو الغاية من الخلق، وهو أساس الدين، وهو أول واجب على العبد، وهو مفتاح الجنة، فمن حققه فقد فاز فوزًا عظيمًا، ومن ضيّعه فقد خسر خسرانًا مبينًا. ولقد بعث الله جميع الأنبياء والمرسلين بالدعوة إلى التوحيد، قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36]، فما من نبي إلا وكان أول ما يدعو إليه قومه أن يعبدوا الله وحده لا شريك له. فالتوحيد هو رسالة الأنبياء جميعًا، وهو الحق الذي قامت عليه دعوة الرسل من أولهم إلى آخرهم، وهو أعظم حق لله على عباده، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه: (حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا) متفق عليه.
عباد الله: إن من أعظم فضائل التوحيد أنه سبب النجاة من النار، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة) رواه مسلم، فهو أعظم ما يُنجي العبد يوم القيامة، وهو الحصن الحصين الذي يحتمي به من عذاب الله، فمن جاء بالتوحيد الصادق، مخلصًا لله، فإن مآله إلى الجنة. ومن فضائل التوحيد كذلك أنه سبب للفوز برضا الله سبحانه وتعالى، ونيل رحمته وتوفيقه، وأنه أعظم ما يتقرب به العبد إلى ربه، فلا عمل أنفع للعبد ولا أعظم أجرًا من تحقيق التوحيد والإخلاص لله. ولذلك كان السلف الصالح يعتنون به أعظم العناية، تعلمًا وتعليمًا، وعملًا ودعوةً، لأنهم علموا أنه أصل الأصول، وأساس الدين، وأن صلاح العبد في دنياه وأخراه مرتبط بصحة توحيده وإخلاصه لربه سبحانه وتعالى.
أيها المسلمون: ومن أعظم فضائل التوحيد أنه سبب مغفرة الذنوب، فإن الله سبحانه وتعالى يغفر ما دون الشرك لمن يشاء، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} [النساء: 48]، فدلّ ذلك على أن التوحيد أعظم سبب للمغفرة، وأن من سلم من الشرك فقد فتح له باب الرجاء، مهما عظمت ذنوبه. وقد جاء في الحديث القدسي أن الله تعالى يقول: (يا ابن آدم، لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة)، فالتوحيد الصادق يمحو آثار الذنوب، ويجعل العبد متعلقًا برحمة الله، راجيًا عفوه ومغفرته، غير قانط من رحمة ربه، ولا يائس من فضله وإحسانه.
ومن فضائل التوحيد أنه يُثقّل الميزان يوم القيامة، كما في حديث البطاقة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنَّ اللهَ سيُخَلِّصُ رجلًا من أُمَّتي على رؤوسِ الخلائقِ يومَ القيامةِ، فينشرُ عليه تسعةً وتسعين سجلًّا، كلُّ سجلٍّ مثلُ مدِّ البصرِ، ثم يقول: أتنكرُ من هذا شيئًا؟ أظلمَكَ كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا ربِّ. فيقول: أفلك عذرٌ؟ فيقول: لا يا ربِّ. فيقول: بلى، إنَّ لك عندنا حسنةً، وإنَّه لا ظلمَ عليك اليوم. فتُخرجُ له بطاقةٌ فيها: أشهدُ أن لا إله إلا الله، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه. فيقول: يا ربِّ، ما هذه البطاقةُ مع هذه السجلاتِ؟! فيقول: إنك لا تُظلم. فتوضعُ السجلاتُ في كفَّةٍ، والبطاقةُ في كفَّةٍ، فطاشتِ السجلاتُ، وثَقُلَتِ البطاقةُ، فلا يَثْقُلُ مع اسمِ اللهِ شيءٌ) رواه الترمذي. فهذا يدل على عظم قدر التوحيد عند الله، وأنه أعظم ما يُثقل به ميزان العبد. والعبد قد يأتي يوم القيامة بأعمال كثيرة، ولكن أعظم ما ينفعه بعد رحمة الله هو صدق توحيده وإخلاصه، لأن التوحيد أصل الأعمال كلها، وبه تُقبل الطاعات، وبه ترتفع الدرجات، وبه ينال العبد رضا رب الأرض والسماوات.
أيها المسلمون: ومن فضائل التوحيد أنه يُحقق الأمن والطمأنينة، قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ} [الأنعام: 82]، فالذي يُخلص التوحيد لله، يعيش آمن القلب، مطمئن النفس، ثابتًا في المواقف، لا تضطرب به الفتن، ولا تزعزعه الأحداث. لأنه يعلم أن الأمر كله لله، وأن النفع والضر بيده سبحانه، فلا يتعلق قلبه بالمخلوقين، ولا يخافهم خوف السر، ولا يرجو منهم ما لا يقدر عليه إلا الله، فيحيا حياة مستقرة هادئة، ملؤها الثقة بالله، وحسن التوكل عليه، والرضا بقضائه وقدره.
ومن فضائل التوحيد: أنه يورث العبد قوة في الإيمان وثباتًا على الحق، فكلما ازداد العبد معرفة بربه وتعظيمًا له وإخلاصًا في عبادته، ازداد يقينًا وثباتًا عند الشدائد والابتلاءات، والتوحيد يملأ القلب نورًا وبصيرة، فيميز صاحبه بين الحق والباطل، وبين السنة والبدعة، وبين الهدى والضلال، فيسير على طريق مستقيم، مستمسكًا بدينه، لا تغره الشبهات، ولا تجرفه الشهوات.
ومن أعظم فضائل التوحيد أنه سبب لدخول الجنة بلا حساب ولا عذاب لمن كمل توحيده، كما في حديث السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب (رواه البخاري)، وهؤلاء هم الذين حققوا التوحيد، وتوكلوا على الله حق التوكل. ومن فضائل التوحيد أنه سبب لقبول الأعمال، فإن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا له، قال تعالى: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا} [الكهف: 110]، فالعمل الصالح هو ما كان خالصًا لله، موافقًا لسنة النبي صلى الله عليه وسلم.
أيها المؤمنون: إن أعظم ما يُنافي التوحيد هو الشرك بالله، وهو أعظم الذنوب، قال تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13]، وهو الذي يحبط الأعمال، ويمنع المغفرة، ويُخلد صاحبه في النار إن مات عليه، فاحذروا الشرك، ظاهره وخفيه، صغيره وكبيره. وإن تحقيق التوحيد يكون بالإخلاص لله، واتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وترك الشرك والبدع، وتعظيم الله في القلوب، ومراقبته في السر والعلن، فاجعلوا التوحيد أساس حياتكم، ومفتاح نجاتكم.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
عباد الله: التوحيد هو أعظم نعمة أنعم الله بها على عباده، وهو أصل الدين، وأساس القبول، وسبب النجاة، وهو الذي يحرر الإنسان من الخوف والذل، ويجعله متعلقًا بالله وحده، مطمئنًا بذكره، ثابتًا على طاعته.
وهو الذي يمحو الذنوب، ويُثقل الميزان، ويُدخل الجنة، ويُنجي من النار، ويُحقق الأمن في الدنيا والآخرة. ومن حقق التوحيد، ظهرت آثاره على حياته كلها، فصار مخلصًا في عبادته، صادقًا في قوله، مستقيمًا في سلوكه، متبعًا لهدي النبي صلى الله عليه وسلم، بعيدًا عن الشرك والبدع، حريصًا على طاعة الله، لأن قلبه امتلأ بتعظيم الله، وإخلاص الدين له.
وإن أعظم ما يجب على المسلم أن يعتني به هو تصحيح توحيده، وتعاهده، وتعلمه، وتعليمه، والتحذير مما يناقضه أو ينقصه، لأن التوحيد هو رأس المال، وهو الأساس الذي تُبنى عليه الأعمال، فإذا صلح صلح ما بعده، وإذا فسد فسد ما بعده.
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة