الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

عاشوراء درس التاريخ وفقه التعبد

عاشوراء درس التاريخ وفقه التعبد

عاشوراء درس التاريخ وفقه التعبد

الخطبة الأولى

الحمد لله العزيز الجبار، القوي القهار، الذي يُديل الأيام بين الناس؛ ليُظهر الحق وأهله، ويُزهق الباطل وحزبه، أحمده سبحانه على نعمه الظاهرة والباطنة، وأشكره على آلائه المتتابعة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل العاقبة للمتقين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، إمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.

أيها المسلمون: أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل وطاعته، فهي وصية الله للأولين والآخرين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1]. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) ‌يُصْلِحْ ‌لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70-71].

أما بعد:

عباد الله: إن يوم عاشوراء ليس يومًا عاديًّا في سجل التاريخ، ولا مناسبةً موسميةً تُذكر ثم تُنسى، بل هو يومٌ عظيم من أيام الله، يحمل في طياته أعظم الدروس والعبر، ويجسد سنة الله الجارية في الصراع بين الحق والباطل. ففي هذا اليوم نجَّى الله تعالى نبيه موسى عليه السلام ومن معه من المؤمنين، وأغرق فرعون وجنوده الذين استكبروا في الأرض بغير الحق. لقد كان فرعون رمزًا للطغيان والاستبداد، يدعي الربوبية ويقول: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعات: 24]، ويقول: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص: 38]، فأرسل الله إليه موسى عليه السلام بالبينات والآيات، يدعوه إلى التوحيد والإيمان، ويأمره بالعدل والإحسان، لكنه قابل الحق بالعناد، والهدى بالاستكبار، فكانت النهاية المحتومة للطغاة في كل زمان ومكان.

ولما خرج موسى ومن معه من المؤمنين، ولحقهم فرعون بجنوده، بدا المشهد في ظاهره انتصارًا للباطل، حتى قال أصحاب موسى: {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} [الشعراء: 61]، لكن موسى الموقن بربه قال: {كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء: 62]، فانفلق البحر بأمر الله، وسلك المؤمنون طريق النجاة، وغرق الطغاة في أمواج الهلاك.

وهكذا يعلمنا عاشوراء أن موازين الأرض قد تختل، لكن ميزان السماء لا يختل، وأن الباطل قد ينتفش ساعة، لكنه لا ينتصر أبدًا، وأن الحق قد يُبتلى، لكنه لا يُهزم ما دام أهله ثابتين على دينهم. قال تعالى: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء: 81]. وقال بعض العلماء: "دولة الباطل ساعة، ودولة الحق إلى قيام الساعة". وفي هذه القصة تسلية للمؤمنين في كل عصر، إذا رأوا تكالب أهل الباطل وقوة شوكتهم؛ فإن العبرة ليست بكثرة العدد والعدة، وإنما بتأييد الله ونصره لعباده المؤمنين.

أيها المسلمون: لقد أدرك نبينا محمد ﷺ عظمة هذا اليوم ومكانته، فلما قدم المدينة وجد اليهود يصومون عاشوراء، فسألهم عن سبب صيامهم، فقالوا: هذا يوم نجى الله فيه موسى وقومه وأغرق فرعون وقومه، فصامه موسى شكرًا لله، فقال النبي ﷺ: (نحن أحق بموسى منكم)، فصامه وأمر بصيامه، رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما. وفي هذا الحديث دروس عظيمة؛ منها أن الأنبياء دينهم واحد، وهو التوحيد، وأن المؤمنين أولى بالأنبياء من غيرهم، وأن شكر النعم يكون بالعبادة والطاعة. كما يدل الحديث على أن الإسلام جاء مصدقًا للرسل قبله، جامعًا لفضائل الشرائع، مهيمنًا عليها.

ولقد كان صيام عاشوراء واجبًا في أول الإسلام، ثم لما فرض الله صيام رمضان صار مستحبًا مؤكدًا، كما في حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال في شأن عاشوراء: (فمن شاء صامه ومن شاء تركه) متفق عليه. غير أن استحبابه باقٍ مؤكد؛ لما فيه من الأجر العظيم، فقد قال النبي ﷺ: (صيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله)، رواه مسلم عن أبي قتادة رضي الله عنه.

فأي فضل أعظم من أن يغفر الله بصيام يوم واحد ذنوب سنة كاملة من الصغائر؟! إنها منحة ربانية عظيمة، وفرصة مباركة ينبغي للمسلم أن يغتنمها. وقد أرشد النبي ﷺ إلى مخالفة اليهود فقال: (لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع)، رواه مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما.

ولهذا ذكر أهل العلم أن أكمل المراتب أن يصوم المسلم التاسع والعاشر والحادي عشر، أو يصوم التاسع والعاشر، فإن اقتصر على العاشر أجزأه ونال فضل عاشوراء. ومن فقه هذا اليوم أن المسلم يحرص على متابعة السنة، ويبتعد عن البدع والمحدثات، فإن الخير كل الخير في هدي النبي ﷺ وأصحابه رضي الله عنهم.

معاشر المؤمنين: ومن أعظم ما ينبغي أن يُذكر في عاشوراء ما وقع فيه من الانحراف عند البعض؛ فقوم جعلوه يوم حزن ونياحة ولطم وضرب للأبدان وإظهار للجزع، وقوم جعلوه يوم فرح واحتفال ومظاهر لم ترد في الشرع، وكلا الطرفين أخطأ الصراط المستقيم. أما مقتل الحسين بن علي رضي الله عنهما فهو مصاب عظيم وفاجعة أليمة في تاريخ الأمة، والحسين سيد من سادات أهل الجنة، نحبه ونترضى عنه وعن أهل بيت النبي ﷺ أجمعين، لكن الشرع لم يشرع اتخاذ يوم مقتله مأتمًا سنويًا، ولا إقامة شعائر الحزن والجزع والندب، بل نهى النبي ﷺ عن النياحة وشق الجيوب ولطم الخدود.

كما لم يثبت عنه ﷺ ولا عن أصحابه اتخاذ عاشوراء عيدًا للفرح والسرور الخاص. وإنما المشروع فيه الصيام والشكر لله وذكر نعمه والاعتبار بما جرى فيه من أحداث. وقد قال شيخ الإسلام رحمه الله: "الواجب في مثل هذه المصائب أن يقال: إنا لله وإنا إليه راجعون".

ومن آداب عاشوراء أن يتذكر المسلم سنن الله في الأمم، وأن يوقن أن العاقبة للمتقين، وأن الظلم مهما طال أمده فإن مصيره الزوال. ومن آدابه كذلك الإكثار من التوبة والاستغفار، ومحاسبة النفس، وتجديد العهد مع الله، فإن قصة موسى وفرعون ليست مجرد أحداث تاريخية، بل هي مدرسة إيمانية متجددة.

عباد الله: إن يوم عاشوراء يذكِّرنا بسُنَّةٍ ماضيةٍ من سنن الله في خلقه، وهي سُنَّة الصراع بين الحق والباطل؛ فقد وقف موسى عليه السلام ومن معه من المؤمنين أمام طغيان فرعون وجبروته، حتى ظن الناس أن القوة والسلطان والغلبة كلها في جانب الباطل، فلما استحكم الكرب وضاقت الأسباب جاء نصر الله من حيث لا يحتسبون، فقال تعالى: {فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} [الشعراء: 63]، ثم قال سبحانه: {وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (65) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (66) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 65 - 67].

وهكذا يعلِّمنا عاشوراء أن الباطل قد يعلو زمناً، وقد يمتلك المال والقوة والإعلام والسلطان، لكنه لا يملك البقاء؛ لأن الله تكفَّل بنصرة الحق وأهله، فقال سبحانه: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} [الأنبياء: 18]. وإن عاقبة الصبر والثبات هي النصر والتمكين، وعاقبة الظلم والطغيان هي الخسران والهلاك، كما قال تعالى: {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الأعراف: 128]. فليثبت المؤمن على الحق وإن قلَّ أهله، وليحذر من الاغترار بقوة الباطل؛ فإن دولة الظلم ساعة، ودولة الحق إلى قيام الساعة.

عباد الله: إن عاشوراء يذكرنا بأن النصر لا يُنال بالأماني، وإنما بالصبر واليقين، كما قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24]. ويذكرنا بأن الشكر سبب للمزيد، كما قال سبحانه: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم: 7]. ويذكرنا بأن المؤمن ينظر إلى التاريخ بعين الاعتبار لا بعين الحكاية فقط؛ ليستخلص منه العبر والدروس التي تزيده إيمانًا وثباتًا على الحق.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، وراقبوه في السر والنجوى، واعلموا أن خير الزاد ليوم المعاد تقوى الله عز وجل.

أما بعد:

معاشر المؤمنين: إن عاشوراء يختصر للأمة قصة الصراع الأبدي بين الحق والباطل، ويؤكد أن الله ينصر أولياءه ولو بعد حين، ويهلك أعداءه مهما بلغت قوتهم. وهو يوم شرع الله فيه الصيام شكرًا له على نعمة النجاة والنصر، وجعل فيه أجرًا عظيمًا بتكفير ذنوب سنة كاملة لمن صامه إيمانًا واحتسابًا.

كما أنه يوم يدعو إلى الاعتدال والاتباع، والبعد عن البدع والمحدثات، فلا غلو في الحزن، ولا ابتداع في الفرح، وإنما اتباع للسنة، واقتداء بهدي النبي ﷺ.

أيها المسلمون: اغتنموا هذه الأيام المباركة بالطاعات، وربوا أبناءكم على معرفة سيرة الأنبياء، وقصص القرآن، وسنن الله في نصرة الحق وأهله. علموهم أن موسى عليه السلام انتصر بإيمانه، وأن فرعون هلك بطغيانه، وأن العبرة ليست بالقوة المادية وحدها، بل بطاعة الله والثبات على دينه. وأكثروا من ذكر الله وشكره، وصيام هذا اليوم المبارك، والدعاء للمسلمين بالصلاح والهداية والاجتماع على الحق.

فالحق يحتاج إلى صبر وثبات، وأهله هم الفائزون في الدنيا والآخرة.

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة