الخطبة الأولى
الحمد لله الكريم المنَّان، العظيمِ الرحيم، فرض الحجَّ على المستطيعين، وجعلَه من أجلِّ الطاعات والقُرُبات، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ جعل البيت مثابةً للناس وأمناً، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبدُه ورسولُه، خيرُ من حجَّ واعتمر، وأكملُ من عبد ربَّه وشكر، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله الأطهار، وصحابته الأخيار، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102].
أما بعد:
عباد الله: من أعظم نعم الله تعالى على عباده أن شرع لهم هذا الدين العظيم، وجعل له أركاناً يقوم عليها، ومن هذه الأركان: حجُّ بيت الله الحرام. وقد فرض الله الحج على المستطيعين من عباده، فقال سبحانه: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 97]. فجعل الحجَّ حقاً لله على عباده، ودليلاً على تمام الاستسلام والانقياد لأمره سبحانه وتعالى.
والحجُّ ليس رحلةً سياحية، ولا عادةً اجتماعية، ولا مظهراً من مظاهر التفاخر والتباهي، وإنما هو عبادةٌ عظيمة، وشعيرةٌ جليلة، تُظهر خضوع العبد لربه، وتُربيه على التوحيد والإخلاص، والصبر والإنابة، والتواضع والانكسار بين يدي الله جل وعلا؛ ولأجل هذا كان الأنبياء عليهم السلام يعظمون شأن البيت الحرام، ويرفعون قواعده، ويدعون الناس إلى حجه، فهذا إبراهيم الخليل عليه السلام لما بنى البيت مع ابنه إسماعيل قال الله تعالى عنه: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحج: 27].
وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم منزلة الحج وفضله، فقال: (بُنِيَ الإسلامُ على خمسٍ: شهادةِ أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسولُ الله، وإقامِ الصلاة، وإيتاءِ الزكاة، وصومِ رمضان، وحجِّ البيت) متفق عليه. وجعل النبي صلى الله عليه وسلم الحجَّ المبرور سبباً لدخول الجنة، فقال: (والحجُّ المبرور ليس له جزاءٌ إلا الجنة) متفق عليه.
أيها المسلمون: الحجَّ مدرسةٌ عظيمةٌ للإيمان والتقوى، ففيه يتجرد المسلم من لباس الدنيا وزينتها، ويلبس لباس الإحرام، فيتذكر الكفن والوقوف بين يدي الله، ويترك الترف والزينة، ويقبل على الله بقلبٍ خاشعٍ منيب.
وفي الحج يجتمع المسلمون من كل فجٍّ عميق، لا فرق بين غنيهم وفقيرهم، ولا بين عربيهم وأعجميهم، ولا بين أبيضهم وأسودهم؛ كلهم يقفون في صعيدٍ واحد، يرفعون أكفَّ الضراعة إلى الله، ويهتفون بالتوحيد: "لبيك اللهم لبيك". إنها صورةٌ عظيمةٌ لوحدة الأمة واجتماعها على طاعة الله تعالى.
ومن تأمل أعمال الحج وجدها مليئةً بالدروس والعبر؛ فالطواف حول الكعبة إعلانٌ لمحبة الله وتعظيمه، والسعي بين الصفا والمروة تذكيرٌ بحسن التوكل على الله، والوقوف بعرفة مشهدٌ يذكِّر بيوم القيامة، ورمي الجمار إعلانٌ للعداوة للشيطان، وذبح الهدي تقربٌ إلى الله وطاعةٌ له سبحانه.
وقد كان السلف الصالح يعظمون الحج غاية التعظيم، ويستعدون له بالإخلاص والتوبة وردِّ المظالم؛ لأنهم يعلمون أن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً صواباً. قال بعض السلف: "إذا أردت الحج فانزع من قلبك كل معصية، واترك كل خصومة، وردَّ المظالم إلى أهلها، وتب إلى الله توبةً نصوحاً". وكانوا يرون أن من أعظم أسباب قبول الحج صلاح القلب، وحسن النية، وصدق التوجه إلى الله تعالى.
معاشر المؤمنين: لذلك ينبغي للمسلم أن يحرص قبل حجه على تصحيح عقيدته، وتعلم أحكام المناسك، وردِّ الحقوق إلى أهلها، والإنفاق من المال الحلال؛ فإن الله طيبٌ لا يقبل إلا طيباً. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله طيبٌ لا يقبل إلا طيباً) رواه مسلم. فكم من إنسانٍ تعب في سفره، وأنفق الأموال، لكنه ضيَّع الإخلاص أو أفسد حجه بالمعاصي والآثام، فحُرم الأجر والثواب.
وإن من أعظم ما ينبغي أن يُعتنى به في الحج: تحقيق التوحيد الخالص لله تعالى، فالحج بُني على توحيد الله وإفراده بالعبادة، ولهذا كان شعار الحجاج: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك". فلا يجوز للحاج أن يفسد توحيده بالتعلق بغير الله، أو دعاء الأموات، أو الاستغاثة بالمخلوقين فيما لا يقدر عليه إلا الله، أو غير ذلك من المخالفات التي تنافي كمال التوحيد.
وقد حذَّر الله تعالى من الرياء في العبادة، فقال سبحانه: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110]. فكم من حاجٍّ قصد بحجه السمعة أو المفاخرة أو أن يُقال: حجَّ فلان! وكم من آخر قصد التجارة وحدها، أو الترفيه المجرد، ففاتته المعاني العظيمة لهذه العبادة الجليلة.
ومن آداب الحج العظيمة: حسن الخلق، واحتمال الأذى، وكفُّ اللسان عن السباب والجدال والخصومات. قال الله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة: 197]. فالحاجُّ الحقُّ هو الذي يزداد في حجه خلقاً ورفقاً وصبراً، وليس من يؤذي الناس، ويرفع صوته، ويخاصم ويغضب لأتفه الأسباب.
ففي الحديث: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) متفق عليه. فما أحوج الحاج إلى أن يحفظ لسانه من الغيبة والنميمة والسخرية والجدال بالباطل، وأن يحفظ جوارحه من الأذى والاعتداء، وأن يكون قدوةً في أخلاقه وسلوكه.
ومن أعظم ما ينبغي التنبيه عليه: أن الحج فرصةٌ عظيمة للتوبة الصادقة، ومراجعة النفس، والإقبال على الله تعالى. فمن وقف بعرفة صادقاً منيباً، وأراق دموع التوبة والندم، ورجا رحمة الله ومغفرته، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من حجَّ لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه) متفق عليه.
فيا من أثقلته الذنوب، ويا من أرهقته المعاصي، ويا من قصَّر في جنب الله؛ هذا موسم التوبة والإنابة، وهذا زمان الرحمة والمغفرة. ألا فاستعدوا لهذا الموسم العظيم بالتوبة النصوح، والإنابة الصادقة، والرجوع إلى الله جل وعلا.
عباد الله: إن من واجب المسلمين جميعاً تعظيم شعائر الله، وإظهار الفرح بمواسم الطاعات، وتعليم الأبناء فضل الحج ومكانة البيت الحرام، وربط القلوب بمكة والمدينة، وبسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام. فإن الأمة إذا عظَّمت شعائر الله عظَّمها الله، وإذا حفظت دينها حفظها الله، قال سبحانه: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32].
وينبغي لمن لم يستطع الحج أن يشارك الحجاج في مواسم الخير بالطاعات والقربات؛ من ذكر الله، والصيام، والصدقة، وقراءة القرآن، والمحافظة على الصلاة، فإن أبواب الخير كثيرة، وفضل الله واسع. وقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما من أيامٍ العملُ الصالحُ فيها أحبُّ إلى الله من هذه الأيام) يعني أيام العشر، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: (ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجلٌ خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء) رواه البخاري.
فاحرصوا على اغتنام مواسم الخير، والمسارعة إلى الطاعات، والإكثار من ذكر الله، فإن الأعمار قصيرة، والآجال مكتوبة، والسعيد من وفَّقه الله للطاعة، وثبَّته على الاستقامة.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ؛ فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله حمداً كثيراً كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ شهادةً تنجينا يوم اللقاء، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبدُه ورسولُه، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
عباد الله: اعلموا أن خير الزاد التقوى، وأن أعظم ما يتقرب به العبد إلى ربه إخلاص العمل واتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
أيها المسلمون: الحج المقبول تظهر آثاره على صاحبه بعد رجوعه؛ فيزداد استقامةً على الطاعة، وبعداً عن المعصية، وإقبالاً على القرآن والذكر والصلاة، وإحساناً إلى الناس.
قال بعض السلف: "الحج المبرور أن ترجع زاهداً في الدنيا، راغباً في الآخرة". وكانوا يقولون: "علامة قبول الحسنة، الحسنة بعدها". فمن وفقه الله للحج فليحمد الله على هذه النعمة العظيمة، وليحرص على دوام الطاعة والاستقامة.
معاشر المؤمنين: إن من نعم الله على سائر المسلمين ما يسَّره الله للحجاج من خدماتٍ عظيمة، وتسهيلاتٍ كبيرة، وأمنٍ واستقرار، فينبغي أن تُشكر هذه النعم، وأن تُستعمل فيما يرضي الله تعالى. كما يجب على الحجاج أن يتقوا الله في أنفسهم وفي إخوانهم، وأن يلتزموا بالأنظمة والتعليمات التي وُضعت لمصلحتهم، وأن يتحلوا بالرفق والسكينة والتعاون.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من لا يَرحم لا يُرحم) متفق عليه. وقال صلى الله عليه وسلم: (إن الرفق لا يكون في شيءٍ إلا زانه، ولا يُنزع من شيءٍ إلا شانه) رواه مسلم.
فيا حجاج بيت الله: الزموا السكينة والوقار، وأكثروا من ذكر الله والدعاء، واحفظوا ألسنتكم وجوارحكم، وأحسنوا إلى الناس، وكونوا صورةً مشرقةً لأخلاق الإسلام.
ويا من لم يحج: لا تحرم نفسك أبواب الخير، فأقبل على الله بقلبك، وأكثر من الدعاء أن يرزقك الله حجَّ بيته الحرام، واسعَ في طاعته، وأبشر بفضل الله ورحمته.
وصلوا وسلموا على النبي المصطفى والرسول المجتبى، كما أمركم بذلك ربكم جل وعلا فقال: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].
المقالات

