الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

خطورة الوقوع في التكفير

خطورة الوقوع في التكفير

 خطورة الوقوع في التكفير

الخطبة الأولى

الحمد لله الحكيم الخبير، الذي شرع الشرائع وأقام الحدود، وجعل هذا الدين وسطًا بين الغلو والجفاء، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، حرم الظلم على نفسه وجعله بين العباد محرمًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الداعي إلى الهدى، المحذر من الفتن، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70-71].
أما بعد:
عباد الله: من أخطر القضايا التي ابتُليت بها الأمة عبر تاريخها، والتي ما زالت آثارها ممتدة إلى يومنا هذا: قضية التكفير، أي الحكم على المسلم بالخروج من دين الإسلام، وهي قضية عظيمة الخطورة، لأن الحكم بالكفر ليس حكمًا عاديًا، بل هو حكم يترتب عليه في الدنيا والآخرة آثار جسيمة، من استباحة الدم، وفسخ الروابط، والحكم بالخلود في النار إن كان كفرًا أكبر. ولذلك كان الأصل في أهل الإسلام أنهم مسلمون، ولا يُخرجون من هذا الأصل إلا بيقينٍ لا شبهة فيه، وبضوابط شرعية دقيقة، لا بهوى ولا بعجلة ولا بظن، وقد حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من التسرع في هذا الباب فقال: (إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما) رواه البخاري، وهذا يدل على خطورة الكلمة، وأنها قد ترتد على قائلها إن لم يكن المقول فيه كذلك.
أيها المسلمون: التكفير حكم شرعي مرده إلى الله ورسوله، لا إلى عقول الناس ولا إلى انفعالاتهم، ولذلك قال أهل العلم: "ليس كل من وقع في الكفر وقع الكفر عليه"، لأن الحكم على الفعل شيء، والحكم على المعين شيء آخر، وهذا باب عظيم من أبواب الفقه، يحتاج إلى علمٍ راسخ، وبصيرةٍ نافذة، ومعرفةٍ بالشروط والموانع. ومن أعظم الشروط: قيام الحجة على المرء، وانتفاء الشبهة عنه، وثبوت القصد منه، فلا يُكفَّر الجاهل، ولا المتأول، ولا المكره، ولا من وقع في الخطأ، حتى تُقام عليه الحجة وتُزال عنه الشبهة كما نص عليه علماؤنا منذ القديم، وهذا وغيره من عدل الشريعة ورحمتها، فإنها لا تظلم أحدًا، ولا تُؤاخذ إلا بعد البيان.
ومن تأمل نصوص الشريعة وجد أنها جاءت بسد هذا الباب، والتحذير من التوسع فيه، لأن فتحه يؤدي إلى مفاسد عظيمة، من أعظمها سفك الدماء، وتمزيق وحدة الأمة، وإثارة الفتن بين المسلمين، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم له ما لنا وعليه ما علينا) رواه البخاري، فجعل الأصل في المسلم الإسلام، وحذّر من إخراجه منه إلا بدليلٍ بيّن.
أيها المسلمون: تاريخ الأمة الإسلامية يشهد بأن أول من فتح باب التكفير على مصراعيه هم الخوارج، الذين خرجوا على علي رضي الله عنه، وكفّروا عموم الصحابة، واستباحوا دماء المسلمين، وهم الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية) رواه البخاري. وهؤلاء القوم لم يكونوا بمعزل عن العبادة، بل كانوا أهل صلاة وصيام وقراءة للقرآن، لكنهم انحرفوا في الفهم، وغلب عليهم الغلو، فوقعوا في أعظم الانحرافات، وهو تكفير المسلمين بغير حق. ولقد استمر هذا الفكر فكر التكفير والخوارج عبر العصور بأشكال مختلفة، يظهر حينًا ويخبو حينًا، لكنه في كل مرة يترك آثارًا مدمرة في الأمة، من تفريق الصف، وإثارة النزاعات، وإضعاف المسلمين أمام أعدائهم، بل وسفك دمائهم أيضًا، ولقد حذّر العلماء عبر العصور من هذا المسلك الخطير، وبيّنوا أنه من أخطر أبواب الانحراف، لأنه يُلبس على الناس دينهم، ويجعلهم يظنون أنهم ينصرون الإسلام وهم في الحقيقة يسيئون إليه.
أيها المسلمون: إن من أعظم أسباب الوقوع في التكفير: الجهل بالعلم الشرعي، وعدم فهم النصوص الشرعية على وجهها الصحيح، والأخذ بظواهر الأدلة دون جمعها، وترك الرجوع إلى أهل العلم، ومن أسباب التكفير أيضًا: الغلو في الدين، الذي حذّر منه النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال: (إياكم والغلو في الدين) رواه النسائي، ومنها: اتباع الهوى والتعصب، حيث يجعل الإنسان رأيه هو الحق المطلق، ويكفّر من خالفه، ومنها: الظلم والعداوة، حيث يحمل الحقد صاحبه على إطلاق الأحكام دون تثبت.
وإن من أعظم ما ينبغي التنبه له في هذا المقام أن التكفير ليس وسيلة للإصلاح، بل هو باب من أبواب الفتن إذا أُسيء استخدامه، وأن الشريعة جاءت بحفظ الدين والنفس والعقل، وأن التكفير بغير حق يضرب هذه المقاصد في الصميم، فيُهدر الدماء، ويزرع البغضاء، ويُفسد المجتمعات.
أيها المؤمنون: إن خطورة التكفير لا تقف عند حد القول، بل تمتد آثارها إلى واقع الأمة، فتتحول إلى صراعات وفتن، وسفك دماء، كما رأينا في تاريخنا القديم والحديث، حيث استُبيحت دماء المسلمين باسم التكفير، وهُدمت مجتمعات، وتفرّقت أمم، وكل ذلك بسبب الانحراف في هذا الباب. ولذلك كان السلف الصالح أشد الناس حذرًا من التكفير، حتى قال الإمام أحمد: "لا نكفّر أحدًا من أهل القبلة بذنب"، وهذا يدل على سعة فقههم، وحرصهم على حفظ وحدة الأمة، وإدراكهم لخطورة هذا المسلك أيضًا.
أيها المؤمنون: علاج هذه الظاهرة الخطيرة يكون بالرجوع إلى العلم الصحيح، وفهم النصوص في ضوء مجموعها، والرجوع إلى أهل العلم الراسخين، وعدم التسرع في إطلاق الأحكام، وتعظيم حرمة الدماء، واستحضار خطورة الكلمة، فإن الكلمة قد تهوي بصاحبها في النار، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالًا يهوي بها في جهنم) رواه البخاري.
تعظيم أصل الأخوة الإيمانية من أهم ما يكافح به هذا الداء فإن الله تعالى قال: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10]، فلا يجوز التفريط في هذه الأخوة بمجرد خلاف أو شبهة، بل يجب الحرص على جمع الكلمة، وإصلاح ذات البين، وتقديم مصلحة الأمة على الأهواء الشخصية. وكذلك نشر منهج الوسطية والاعتدال، الذي يقوم على العدل والرحمة، ويجمع بين النصوص، ويوازن بين المصالح والمفاسد.
فيا عباد الله: اتقوا الله في ألسنتكم، واحذروا من إطلاق الأحكام، وكونوا على بصيرة من دينكم، فإن هذا الباب قد زلّت فيه أقدام، وضلت فيه أفهام، ولا نجاة فيه إلا بالعلم والتقوى.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
عباد الله: التكفير باب خطير، لا يجوز التوسع فيه، والأصل في المسلمين الإسلام، ولا يُخرجون منه إلا بدليلٍ بيّن، وأول من فتح هذا الباب هم الخوارج، وكان من أسباب الوقوع فيه: الجهل والغلو، واتباع الهوى، وعلاجه يكون بالعلم والرجوع إلى أهل العلم، وتعظيم الأخوة الإيمانية التي يريدها الله تعالى من المسلمين.
فيا أيها المسلمون: احفظوا ألسنتكم، واشتغلوا بإصلاح أنفسكم، ودعوا ما لا يعنيكم، فإن سلامة الدين لا يعدلها شيء، ومن سلم له دينه فقد فاز، ومن ضاع دينه فقد خاب وخسر.
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة



الأكثر مشاهدة اليوم

العقيدة

القبر أول منازل الآخرة

الخطبة الأولى الحمد لله الذي كتب الفناء على خلقه، وجعل الآخرة دار القرار، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله...المزيد