الخطبة الأولى
الحمد لله الذي جعل شهر رمضان غرة وجه العام، وأجزل فيه الفضائل والإنعام، وخصه على سائر الشهور بمزيد من الفضل والإكرام، وعمر نهاره بالصيام، ونوَّر ليله بالقيام، أحمده وأشكره على إحسانه العام.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، المُتفرد بالكمال والتمام، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أفضل من صلى وصام، وأتقى من تَهجد وقام، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان وسلَّم تسليماً كثيراً.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]
أما بعد:
عباد الله: يطل عليكم بعد أيام قليلة شهر كريم، وموسم عظيم، خصه الله تعالى على سائر الشهور بالتشريف والتكريم، أنزل الله فيه القرآن العظيم، والذكر الحكيم، وفرض صيامه على أمة الإسلام، وجعل صيامه أحد مباني الإسلام التي يقوم عليها ويستقيم، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]. عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان) متفق عليه.
وسن لكم نبيكم صلى الله عليه وسلم قيامه، وهو شهر الخيرات والبركات، شهر إجابة الدعوات، وإقالة العثرات، ومضاعفة الحسنات، شهر الإفاضات والنفحات، وإعتاق الرقاب الموبقات، شهرٌ لا يُعدل به سواه من الأوقات.
فيا ذوي العقول السليمة، والهمم العالية، والمطالب الرفيعة السامية، اغتنموا أوقات شهركم بالجد قبل فواتها، واعزموا على هجر الكسل والتفريط في مواسم الخيرات.
عباد الله: استقبلوا شهر رمضان بنية واحتساب، فرمضان يشتمل على أجور عظيمة؛ عن أبي هريرة، يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً، غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) رواه أحمد.
عباد الله: إن شهر رمضان الذي اختاره الله عزَّ وجلَّ لنا انتقلت فيه الأمة من أمة حيرى متلطخة بأدران الوثنية، إلى أمة مستنيرة مهتدية بنور الإيمان، تتلقى تعاليمها من السماء بواسطة الوحي إلى النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه، لا تدين إلا لله الواحد القهار وحده لا شريك له، وحينئذٍ ومنذ أن وُجد هذا الشهر، ونزل فيه القرآن في ليلة القدر المباركة التي هي خير من ألف شهر، وبركاته تتوالى على المسلمين، فلقد حصل فيه يوم الفرقان، يوم غزوة بدر الكبرى، التي فرق الله فيها بين الحق والباطل، وحصل في رمضان فتح مكة، الذي دخل الناس بعده في دين الله أفواجاً، فكما كان موسماً وزمناً لتلكم الفضائل والعبادات والوقائع الإسلامية، فهو لا يزال ولن يزال موسم إفضال وإنعام، موسم تحولٍ من غفلة وصدود إلى انتباه وإقبال على الله، موسم تحولٍ من رذيلة إلى فضيلة، موسم تحولٍ من تمادٍ وانهماك في الماديات، إلى تحليق في سماء الروحانيات.
وحري بهذه الأشياء أن توجد من نفس صاحبها نفساً روحية تحلق به في الدنيا مع عالم السماء الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وفي الآخرة مع الذين قال الله فيهم: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا} [النساء: 69، 70].
فاتقوا الله أيها المسلمون واشكروه على ما منَّ به عليكم من إدراك هذا الشهر، والفسحة في العمر، وتلقوه بنية صادقة، وعزم على الرشد، ورغب واستبشار، تلقوه بنفوس متهيئة لاستقباله بالتوبة الصادقة النصوح، والتطهير الشامل الكامل، بالعزم على فعل الفضائل، ومجانبة الرذائل.
عباد الله: اتقوا الله عزَّ وجلَّ، وراعوا آداب الصيام، وحافظوا عليها، وقوموا بما أوجب الله عليكم من العبادات القولية والفعلية، التي من أهمها وآكدها الصلاة المفروضة التي هي آكد أركان الإسلام، وهي بمنـزلة الرأس من الجسد، حافظوا عليها، وقوموا بأركانها وواجباتها وشروطها، أدوها في أوقاتها، في بيوت الله مع جماعة المسلمين فإن ذلك من التقوى، التي من أجلها شُرع الصيام، وفرض على الأمة، وإضاعة الصلاة منافٍ للتقوى، وموجب للعقوبة.
ومع الأسف الشديد أن تجد من الصائمين من يتهاون بالصلاة عموماً وبصلاة الجماعة خصوصاً مع تأكدها عليه، وقد أمر الله عزَّ وجلَّ بالصلاة مع الجماعة في حال القتال والخوف، ففي حال الطمأنينة والأمن أولى وآكد.
عباد الله: إن تارك الجماعة قد حَرم نفسه خيراً كثيراً، فإن صلاة الجماعة مضاعفة بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة) متفق عليه.
وتارك الجماعة تفوته مصالح اجتماعية، منها: غرس المحبة والألفة، وتعليم الجاهل، ومساعدة المحتاج.
تارك الجماعة يعرض نفسه للعقوبة ومشابهة المنافقين الذين أخبر عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (أثقل الصلوات على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما -أي: من الأجر- لأتوهما ولو حبواً) رواه أحمد.
أقول ما سمعتم وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله، أحمده وأستعينه وأستهديه، وأستغفره وأتوب إليه، وأعوذ به من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
عباد الله: اتقوا الله عزَّ وجلَّ، فإن مقصد الصيام الأعظم هو الوصول لغاية التقوى، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183].
عباد الله: قد اقتربت أيام شهر رمضان المبارك الذي يستعد له الجميع؛ فالمسلمون المؤمنون الصادقون يتأهبون لزيادة صلتهم بالله، عن طريق الصيام والقيام، وتلاوة القرآن، وسائر القربات إلى الله، فمن قام بهذه الأعمال بإخلاص نية لله عزَّ وجلَّ محتسباً الأجر، فقد تاجر مع الله، وسوف يربح غداً يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم.
أما الذين يستعدون لشهر رمضان باللهو والسهر والمتعة، وانتهاك الحرمات فهؤلاء قد أسرتهم شهواتهم، وقيدتهم أهواؤهم، فلم يزدادوا بهذا الشهر المبارك إلا بُعداً عن الله عزَّ وجلَّ.
معاشر المؤمنين: إن العبودية الصادقة لله عزَّ وجلَّ تعني أن يشعر المرء بالحب والذل والخضوع لله سبحانه، وبهذا الحب والخضوع والذل، يخلِّص الإنسانُ نفسَه لخالقه جل وعلا، فيلتزم بأوامره، وينتهي عن نواهيه، ويجانب كل عمل يخلُّ بهذه العبودية، أو يحبط ما تعب فيه من عمل صالح يبتغى به وجه الله سبحانه؛ لذلك فإن المسلم الصادق ينتهز فرصة شهر رمضان ليجدد العهد مع ربه، ويتحقق بهذه العبودية.
عباد الله: وهنا مجموعة من الآداب على الصائم أن يراعيها:
أن يجتنب الصائم جميع ما حرم الله ورسوله من الأقوال والأفعال، فيجتنب الكذب، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يُكتب عند الله كذَّاباً) رواه مسلم.
ويجب على الصائم أن يجتنب الغيبة: وهي ذكرك أخاك بما يكره في غيبته، سواءٌ كان فيه ما تقول أم لم يكن، ولقد نهى الله عنها ورسوله، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن عقوبة فاعلها عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم) رواه أبو داود.
ومثلها النميمة، وهي نقل الكلام بين الناس بطريق الإفساد، ويكفي فيه وعيداً أن النمام لا يدخل الجنة.
كذلك يجب على الصائم أن يجتنب الغش في جميع معاملاته، فإن الغش من كبائر الذنوب، وقد تبرأ نبينا صلى الله عليه وسلم، من فاعل الغش فقال: (من غشنا فليس منا) رواه مسلم.
والغش خديعة، وخيانة، وضياع للأمانة، وفقد للثقة بين الناس، وكل كسب من الغش فإنه كسب خبيث حرام، لا يزيد صاحبه إلا بُعداً من الله.
أيها المسلمون: احذروا نواقض الصوم ونواقصه، وصونوه عن قول الزور، والعمل به، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) رواه البخاري.
هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، بقول ربنا سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].
المقالات

