الدعاء عبادةٌ عظيمة في ديننا، بل هو مخُّ العبادة ولبُّها كما قال صلى الله عليه وسلم. أشار إليها القرآن في قوله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِي سَيَدۡخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) [غافر: 60]. وحضَّنا نبينا صلى الله عليه وسلم على أن نأتي بهذه العبادة، وأن ندعو الله تعالى. وقد جمعت أحاديثه صلى الله عليه وسلم بين التحذير من الاعتداء في الدعاء، وبين الحض الصريح على سؤال الله تعالى كل ما يحتاجه العبد، صغيرًا كان أو كبيرًا، وهذا يوجب علينا بيان معنى الاعتداء في الدعاء ومظاهره، وفضلَ سؤال الله تعالى أدق الحاجات، وذلك حتى نوفق بين عقيدة التوحيد والاستسلام لله تعالى فيما أمر، والافتقار وإظهار الحاجة له سبحانه في كل شيء.
أولًا: معنى الاعتداء في الدعاء ومظاهره
روى أبو داود وغيره: عن عبد الله بن مغفل أنه سمع ابنه يقول: "اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها، فقال له: «أي بُني سل الله الجنة، وتعوذ به من النار، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء». وقد عرَّفه ابن القيم بأنه: "كل سؤال يناقض حكمه الله، أو يتضمن مناقضة شرعه وأمره، أو يتضمن خلاف ما أخبر به؛ فهو اعتداء لا يحبه الله، ولا يحب سائله".
وقد ذكر العلماء من أشكال ومظاهر الاعتداء في الدعاء الكثير، فمن ذلك:
1. طلب ما لا يجوز شرعًا: كأن يسأل العبدُ اللهَ تعالى على مساعدته على معصية أو شرك.
2. طلب ما لا يفعله الله تعالى: كالتمني بالخلود الدنيوي، أو رفع الحاجة من الطعام والشراب.
3. طلب منازل الأنبياء والرسل في الدنيا والآخر..
4. ومن مظاهر الاعتداء أيضًا: رفع الصوت والصياح في الدعاء، وقد قال تعالى: (ٱدۡعُواْ رَبَّكُمۡ تَضَرُّعٗا وَخُفۡيَةًۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ) [الأعراف: 55].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فالاعتداء في الدعاء تارة بأن يسأل ما لا يجوز له سؤاله من المعونة على المحرمات، وتارة يسأل ما لا يفعله الله، مثل أن يسأل تخليده إلى يوم القيامة، أو يسأله أن يرفع عنه لوازم البشرية: من الحاجة إلى الطعام والشراب، ويسأله بأن يطلعه على غيبه، أو أن يجعله من المعصومين، أو يهب له ولدًا من غير زوجة، ونحو ذلك مما سؤاله اعتداء لا يحبه الله ولا يحب سائله".
باختصار: كلُّ دعاءٍ فيه غلوٌّ، أو خروج على الشرع، أو نقضٌ لآداب الدعاء يُسمَّى اعتداءً.
إلا أن النهي عن الاعتداء بالدعاء حمل البعض ليقصر الدعاء على جوامع الكلم فقط، أو على بعض ما ورد في الكتاب والسنة كدعاء: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ونحوه من الأدعية، والسنة النبوية زاخرة بذكر التفاصيل في الدعاء أيضًا، بل إنه صلى الله عليه وسلم قد حضَّ أمته على طلب دقائق الأمور وصغائرها أيضًا.
ثانيًا: الدعاء بدقائق الأمور وتفاصيلها
أمر الله سبحانه وتعالى بدعائه في أكثر من موضع في كتابه الكريم، قال تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِي سَيَدۡخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) [غافر: 60]. وهو أمر مطلق يشمل دعاءه سبحانه لسؤال حاجات الدنيا وحاجات الآخرة ، كما أنه إطلاق يناسب سَعَةَ فضل الله سبحانه وتعالى وكرمه، وأنه لا يتعاظمه شيء يعطيه، ولو أعطى كلَّ واحد مسألته ما نقص من ملكه شيء .
وقال تعالى: (وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) [النساء: 32]. وقد جاء في حديث أبي ذر القدسي الطويل من قول الله تبارك وتعالى: "يَا عِبَادِي! كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يَا عِبَادِي! كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي! كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ... يَا عِبَادِي! لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ". رواه مسلم. يقول ابن رجب في شرح الحديث:" وفي الحديث دليل على أن الله يحب أن يسأله العباد جميع مصالح دينهم ودنياهم من الطعام والشراب والكسوة وغير ذلك، كما يسألونه الهداية والمغفرة".
ومن دعائه صلى الله عليه وسلم بالتفاصيل قوله: "اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضلع الدين، وغلبة الرجال". رواه البخاري. وعن عائشة رضي الله عنها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا تَمَنَّى أَحَدُكُم فَلْيُكثِر، فَإِنَّمَا يَسأَلُ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ". رواه ابن حبان. بل إنه صلى الله عليه وسلم قال: «لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَاجَتَهُ حَتَّى يَسْأَلَهُ الْمِلْحَ، وَحَتَّى يَسْأَلَهُ شِسْعَ نَعْلِهِ إِذَا انْقَطَعَ». رواه الترمذي.
وعن جابر رضي الله عنه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها، كالسورة من القرآن" رواه البخاري. يقول الحافظ ابن حجر في شرح هذا الحديث: " يتناول العمومُ العظيمَ من الأمور والحقيرَ، فرب حقير يترتب عليه الأمر العظيم". ويقول العيني: " قوله: (في الأمور كلها): دليل على العموم، وأن المرء لا يحتقر أمرًا لصغره وعدم الاهتمام به فيترك الاستخارة فيه، فرب أمر يستخف بأمره فيكون في الإقدام عليه ضرر عظيم أو في تركه، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ليسأل أحدكم ربه حتى في شسع نعله) ".
قال ابن رجب: "كان بعض السلف يسأل الله في صلاته كل حوائجه حتى ملح عجينه وعلف شاته، وفي الإسرائيليات: أن موسى عليه الصلاة والسلام قال يا رب! إنه ليعرض لي الحاجة من الدنيا فأستحي أن أسألك. قال: سلني حتى ملح عجينك وعلف حمارك ". قال عروة بن الزبير: "إني أسأل الله في صلاتي ، حتى أسأله الملح إلى أهلي".
فكل هذا وغيره يبين أن دعاء الله تعالى بطلب دقائق الأمور وتفاصيلها ليس من الاعتداء الذي نهى الله تعالى ورسوله عنه، بل هو من تمام توحيده سبحانه وإظهار الافتقار والحاجة إليه، وهو من تمام اتباع سنته وهديه صلى الله عليه وسلم.