الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

دعاء النبي لِمْنْ آمنوا به ولم يروه

دعاء النبي لِمْنْ آمنوا به ولم يروه

دعاء النبي لِمْنْ آمنوا به ولم يروه

نبينا مُحمد صلى الله عليه وسلم رحمةُ الله للعالمين، امتلأ قلبه الطاهر حبًّا لأمته، حبًّا تجاوز حدود الزمان والمكان، فلم يقتصر على أصحابه الذين ناصروه وعاصروا زمنه المبارك، بل امتد ليشمل كل مَنْ آمنوا به ولم يروه، فاشتاق إليهم، وأكثر مِن دعائه لهم، ولم يُؤْثَر عنْ نبيٍّ من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ذلك الحب الشديد لأمته كما أُثِر عنْ نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه لأمته، قال الله تعالى: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}(التوبة:128). قال ابن كثير: "وقوله: {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} أي: يعز عليه الشيء الذي يعنت أمته ويشق عليها.. {حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ} أي: على هدايتكم ووصول النفع الدنيوي والأخروي إليكم". وأضاف السعدي: "{حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ} فيحب لكم الخير، ويسعى جهده في إيصاله إليكم، ويحرص على هدايتكم إلى الإيمان، ويكره لكم الشر، ويسعى جهده في تنفيركم عنه. {بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} أي شديد الرأفة والرحمة بهم، أرحم بهم مِنْ والديهم، ولهذا كان حقّه مقدما على سائر حقوق الخَلق، وواجب على الأمة الإيمان به وتعظيمه وتعزيره وتوقيره"..

وصور ومظاهر محبة نبينا صلى الله عليه وسلم لأمته كثيرة، منها: شفقته ورحمته بها، وحرصه على التخفيف عليها وعدم تكليفها بما لا يُطاق مِن تكاليف وأحكام شرعية، ونحْره الأضاحي بدلاً عن فقرائها، وتمنِّيه رؤية مَنْ جاء بعده وآمَن به مِنْ أمته، وشفاعته العظمى لأمته يوم القيامة، ومنها: دعاؤه لها.. والأحاديث النبوية الدالة على دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لأمته مَنْ رآهم منهم ومَنْ لم يرهم كثيرة، ومِن ذلك:
1 ـ عن عبد اللَّه بن عَمْرو بن العاص رضي الله عنه :(أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم تَلا قول الله عز وجل في إبراهيم: {رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فمَن تَبِعَنِي فإنَّه مِنِّي}(إبراهيم:36)، وقال عيسى عليه السلام: {إنْ تُعَذِّبْهُمْ فإنَّهُمْ عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لهمْ فإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ}(المائدة:118) فرفع يَدَيْه وقال: اللَّهُمَّ أُمَّتي، أُمَّتي، وبَكَى، فقال اللَّه عز وجل: يا جِبْرِيل اذْهَبْ إلى مُحَمَّدٍ، ورَبُّكَ أعْلَم، فَسَلْه ما يُبْكِيك؟ فأتاه جِبْرِيلُ فسأله فأخْبَره رسولُ الله صلى اللَّه عليه وسلم بما قال، وهو أعْلَم، فقال اللَّه: يا جِبْرِيل، اذْهَبْ إلى مُحَمَّدٍ فَقُلْ: إنَّا سَنُرْضِيك في أُمَّتِك، ولا نَسُوءُك) رواه مسلم.
بوَّب الإمام النووي في صحيح مسلم: "باب دعاء النبي لأمته وبكائه شفقة عليها"، وذكر ذلك الحديث وقال: "هذا الحديث مشتمل على أنواع من الفوائد، منها: بيان كمال شفقة النبي صلى الله عليه وسلم على أمته واعتنائه بمصالحهم، واهتمامه بأمرهم، ومنها: استحباب رفع اليدين في الدعاء، ومنها البشارة العظيمة لهذه الأمة، زادها الله تعالى شرفا بما وعدها الله تعالى بقوله: (سنرضيك في أمتك ولا نسوءك)، وهذا مِن أرجى الأحاديث لهذه الأمة أو أرجاها، ومنها: بيان عظم منزلة النبي صلى الله عليه وسلم عند الله تعالى، وعظيم لطفه سبحانه به". وقال الطيبي في "الكاشف عن حقائق السنن": "قوله: (أمتي أمتي) متعلق بمحذوف، إما أن يُقدر: (شفعني في أمتي وأرْضني فيها) أو: (أمتي ارحمهم.. وأرضني بالشفاعة فيهم) والحذف لضيق المقام وشدة الاهتمام.. ومن ثم أجيب: (إنا سنرضيك) حيث أتى بإن وضمير التعظيم وسين التأكيد، ثم أتبعه بقوله: (لا نسوءك) وفي التنزيل: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى}(الضحى:5)".
2 ـ عن عبد الله بن عمر وأبو عبد الرحمن الجهني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (طوبَى لِمَنْ رآني وآمنَ بي، وطوبَى لِمَنْ آمن بِي ولم يرَنِي ثلاثَ مرَّات) رواه ابن حبان.. وفي رواية عن أبي أمامة: (طوبَى لِمن رآني وآمنَ بي، وطوبى لمن آمنَ بي ولم يرَني سبعَ مرَّات)، وفي رواية عن أنس بن مالك: (طُوبَى لِمَن آمَنَ بِي وَرَآنِي مَرَّةً، وُطُوبَى لِمَن آمَنَ بِي وَلَم يَرَنِي سَبعَ مِرَار)..
قال الصنعاني في "التنوير شرح الجامع الصغير": "(طوبى لِمَنْ رآني وآمن بي) وذلك مِن الجهتين، فوزه بأنوار مُحَيَّاه صلى الله عليه وسلم وإيمانه به، إلا أن الأول لا يُمدح عليه إلا الإيماني، فإنّ مَنْ رآه من الكفار ولم يؤمن به لا طوبى له ولا كرامة. (وطوبى لمن آمن بي ولم يرني ثلاث مرات) أي أصاب خير ثلاث إصابات، ويحتمل أنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك ثلاث مرات، وأما اختلاف العدد في الأول حيث قيل: سبع وفي هذا ثلاث فكأنه لتفاوت طبقات المؤمنين به صلى الله عليه وسلم بعد".. وفي "شرح الزرقاني على المواهب اللدنية": "(لمن لم يرني وآمن بي) لأن الله مدح المؤمنين بإيمانهم بالغيب، وإيمان الصحابة بالله واليوم الآخر غيبًا، وبالنبي صلى الله عليه وسلم شهودًا للآيات والمعجزات، ومَنْ بعدهم آمنوا غيبًا بما آمنوا به شهودًا، فلذا أثنى عليهم"..
وأما معنى (طوبى لهم) فقد قال النووي في "شرح صحيح مسلم": "وأما معنى (طوبى): فاختلف المفسرون في معنى قوله تعالى: {طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ}(الرعد:29) فروي عن ابن عباس رضى الله عنه أن معناه: فرح وقرة عين. وقال عكرمة: نِعْم ما لهم. وقال الضحاك: غِبطةٌ (فرح وسعادة) لهم. وقال قتادة: حُسنى لهم.. وقال إبراهيم النخعي: خير لهم وكرامة. وقال ابن عجلان: دوام الخير. وقيل: الجنة. وقيل: شجرة في الجنة. وكل هذه الأقوال محتملة في الحديث، والله أعلم"..

دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لأمته في كل صلاة:
1 ـ عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: (لما رأيتُ مِنَ النبي صلى الله عليه وسلم طِيب نفس قلتُ: يا رسول الله، ادع الله لي، فقال: اللهم اغفر لعائشة ما تقدَّم من ذنبها وما تأخر، وما أسرَّتْ وما أعلنتْ، فضحكت عائِشة رضي الله عنها حتى سقط رأسها في حجرها من الضحك، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيسرُّك دعائي؟ فقالت: وما لي لا يسرُّني دعاؤك؟ فقال صلى الله عليه وسلم: والله إنها لدعوتي لأمَّتي في كل صلاة) رواه ابن حبان.
وفي هذا الحديث الكثير من الفوائد، منها: منقبة وفضل عائشة رضي الله عنها، فقد دعا لها النبي صلى الله عليه وسلم بمغفرة ما تقدم من ذنبها وما تأخر. ومنها: دعاؤه لأمته في كل صلاة..
2 ـ عن عاصم الأحول عن عبد الله بن سرجس رضي الله عنه قال: (رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، وأكلتُ معه خبزا ولحما، ـ أو قال: ثريدا ـ قال: فقلتُ له: أسْتَغْفَرَ لك النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، ولك، ثم تلا هذه الآية {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ}(محمد:19)) رواه مسلم.
سَألَ التَّابعيُّ عاصم الأحول الصحابيَّ عبْد الله بن سرجس رضي الله عنه: هلِ استغفَرَ لك النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلّم؟ فأجابه بأنَّ النبي صلى اللهُ عليه وسلم لم يَخُصَّني بالاستغفار وحدي، بلِ استَغفر لي، ولكَ ولجميعِ المسلمين حيث أمَرَه الله عز وجل بذلك، ثُمَّ تلا قول اللهِ تَعالى: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمنَاتِ}(محمد:19).. قال البغوي: "{وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمنَاتِ} هذا إكرام مِن الله تعالى لهذه الأمة حين أمر نبيهم صلى الله عليه وسلم أن يستغفر لذنوبهم، وهو الشفيع المُجاب فيهم"..
ومع دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لأمته ـ مَن رآهم ومن لم يرهم ـ في صلاته بالمغفرة، فقد خبّأ أعظم دعواته ـ وهي الدعوة المستجابة لكل نبي ـ، وادَّخَرَها للشفاعة العظمى لأمته يوم القيامة. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجابَة يدعو بها، وأُرِيد أنْ أخْتَبِئ دَعْوَتي شفاعَةً لِأُمَّتي في الآخِرة) رواه البخاري. وفي رواية مسلم: (لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجابَةٌ، فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَه، وإنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتي شَفاعَةً لِأُمَّتي يوم القيامة، فَهي نائِلَةٌ إنْ شاء اللَّهُ مَن مات مِن أُمَّتي لا يُشْرِك باللَّهِ شيئًا)..
قال النووي: "هذه الأحاديث تفسر بعضها بعضا، ومعناها أن كل نبي له دعوة متيقنة الإجابة، وهو على يقين من إجابتها، وأما باقي دعواتهم فهم على طمع من إجابتها، وبعضها يُجاب، وبعضها لا يُجاب.. وفي هذا الحديث بيان كمال شفقة النبي صلى الله عليه وسلم على أمته ورأفته بهم واعتنائه بالنظر في مصالحهم المهمة، فأخَّر النبي صلى الله عليه وسلم دعوته لأمته إلى أهم أوقات حاجاتهم. وأما قوله صلى الله عليه وسلم: (فهي نائلة إن شاء الله تعالى من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا) ففيه دلالة لمذهب أهل الحق أنَّ كل مَنْ مات غير مشركٍ بالله تعالى لم يخلد في النار وإنْ كان مُصرّاً على الكبائر.. وقوله: (إنْ شاء الله تعالى) هو على جهة التبرك والامتثال لقول الله تعالى: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ}(الكهف:24:23)"..

لقد أحبَّ نبينا صلى الله عليه وسلم أمته وأصحابه حُبَّاً شديدا، وأحب إخوانه مِنْ أمته الذين آمنوا به ولم يروه وأتوا مِنْ بعده، ودعا الله لهم، فإذا كان هذا حب النبي صلوات الله وسلامه عليه لنا ـ كأفراد وأمة ـ، فحريٌّ بنا أن نحبه مِن أعماق قلوبنا حباً حقيقياً صادقاً، وذلك بتوقيره والأدب معه، وطاعته والاقتداء به، قال الله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ}(آل عمران:31). قال ابن كثير: "هذه الآية الكريمة حاكمة على كل مَنِ ادَّعى محبة الله، وليس هو على الطريقة المحمدية فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر، حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأحواله".. وأضاف القاضي عياض بقوله: "اعلم أنّ مَنْ أحب شيئاً آثره وآثر موافقته، وإلا لم يكن صادقاً في حبه وكان مدعياً، فالصادق في حب النبي صلى الله عليه وسلم مَنْ تظهر علامة ذلك عليه، وأولها الاقتداء به واستعمال سُنته، واتباع أقواله وأفعاله، وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، والتأدب بآدابه في عسره ويسره، ومَنْشَطِه ومَكْرَهِه"..
وفي الختام، يتبين لنا أنَّ دعاء نبينا صلى الله عليه وسلم لم يكن مقصورًا على مَنْ رأوه أو عاصروا زمنه المبارك، بل شمل كل مَنْ آمن به وصدَّق برسالته، واتبع هديه وسنته، حتى وإن لم يلتق به أو يسمع منه مباشرة، وهذا يعكس عظيم حبه لأمته ودعائه لها، فطوبى لأمةٍ هذا نبيها، وطوبى لمن رُزِق حُسْن اتباعه والاقتداء به صلوات الله وسلامه عليه..

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة