الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

وقفات مع وفاة النبي صلى الله عليه وسلم

وقفات مع وفاة النبي صلى الله عليه وسلم

وقفات مع وفاة النبي صلى الله عليه وسلم

وفاة النبي صلى الله عليه وسلم هي الحَدَث الأهم في حياته وسيرته، لأن موته ليس كموت سائر الناس، ولا كسائر الأنبياء، إذ بموته ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ انقطعت النبوات، وانقطع وحي الله عز وجل عن الأرض، وهذا اليوم لم يُرَ في تاريخ الإسلام أظلم منه.. قال أنس بن مالك رضي الله عنه: "ما رأيتُ يوماً قط كان أحسن ولا أضوأ مِنْ يوم دخل علينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما رأيتُ يوماً كان أقبح ولا أظلم مِنْ يوم مات فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم".. فقد شاءت حكمة الله عز وجل أن يكون قضاؤه في تجرع الموت بشدته وآلامه أمرا عاما لكل أحد، مهما كانت علو منزلته ودرجة قُرْبه مِن الله، حتى يدرك الناس أنه لو سَلِم من الموت أحدٌ لَسَلِمَ منه خير البشر وأفضل الخَلْق مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ}(الزمر:30). قال البغوي: "هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أخبر بموته وموتهم فاحتمل خمسة أوجه: أحدها: أن يذكر ذلك تحذيراً من الآخرة. الثاني: أن يذكره حثاً على العمل. الثالث: أن يذكره توطئة للموت. الرابع: لئلا يختلفوا في موته كما اختلفت الأمم في غيره حتى إن عمر لما أنكر موته احتج أبو بكر بهذه الآية فأمسك. الخامس: ليعلمه أن الله تعالى قد سوَّى فيه بين خَلْقِه مع تفاضلهم في غيره لتكثر فيه السلوى وتقل الحسرة. ومعنى إنك ميت أي ستموت".. وقد توفي النبي صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين الثاني عشر مِنْ ربيع الأول مِنَ السنة الحادية عشرة للهجرة النبوية، وهو ابن ثلاث وستين سنة على الصحيح. عن معاوية رضي الله عنه قال: (قُبِضَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وستين سنة) رواه مسلم. قال ابن حجر: "وكانت وفاته يوم الاثنين بلا خلاف من ربيع الأول، وكاد يكون إجماعًا"..

وقفات مع وفاة النبي صلى الله عليه وسلم:
1ـ الحرص على التوحيد:
مِنْ أقوى شواهد تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم شأن التوحيد والحرص عليه وحمايته له، تحذيره ونهيه لأمته ـ وهو في مرض وفاته ـ أن يصنعوا بقبره مثلما صنع اليهود والنصارى بقبور أنبيائهم وصالحيهم، لِمَا في ذلك من ذَريعة مُوصِلة للشِّرك بالله، وحماية منه صلى الله عليه وسلم لمقام التوحيد.. عن عائشة وعبد الله بن عباس رضي الله عنهما قالا: (لما نزل (مرض الموت) برسول الله صلى الله عليه وسلم طفِق (جعل) يطرح خميصة (ثوب) له على وجهه، فإذا اغتم (احتبس نفسه) كشفها عن وجهه وهو كذلك يقول: لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر مثل ما صنعوا) رواه البخاري.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (لَمَّا اشْتَكَى النبيُّ صلى الله عليه وسلم ذَكَرَتْ بَعْضُ نِسَائِهِ كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بأَرْض الحَبَشَة يُقَال لَهَا: مَارِيَة، وكَانَت أُمُّ سَلَمة وأُمّ حَبِيبَة رضِي اللَّهُ عنْهما أتَتَا أرْضَ الحَبَشَة، فَذَكَرَتا مِن حُسْنِها وتصَاوِير فِيها، فَرَفَع رَأْسَه فقال: أولئك إذا مَات منهم الرَّجُل الصَّالِح بَنَوْا علَى قَبْرِه مَسْجِدًا، ثُمَّ صَوَّروا فيه تِلك الصُّورَة، أُولَئِكِ شِرَار الخَلْقِ عِنْد اللَّه) رواه البخاري. وفي هذا الحَديثِ تذكر عائِشة رضي الله عنها أن أمُّ سلَمة وأمُّ حبيبة رضي الله عنهما ذكرتا ما رَأيَاه في كنيسة بالحبشة ـ أثناء هجرتهما ـ مِن حُسنِها وجمالِها وما فيها مِن صوَر أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه، فرَفَعَ النبي صلى الله علي وسلم رَأسَه وقال محذرا وناهيا: (أُولَئِكِ إذَا مَاتَ منهمُ الرَّجُل الصَّالِحُ بَنَوْا علَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، ثُمَّ صَوَّرُوا فيه تِلك الصُّورَة، أُولَئِكِ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّه). وإنَّما صَوَّروا هؤلاء الصَّالحينَ ليَستأنِسوا بها، ويَتذكَّروا أفعالَهم الصالحة، فيَجتهدوا كاجتِهادِهم، ويَعبُدوا اللهَ عندَ قُبورِهم، ثمَّ خلَفَهم قَومٌ جَهِلوا مُرادَهم، ووَسْوَس لهم الشَّيطانُ أنَّ أسلافَهم كانوا يَعبُدون هذه الصوَر فعبدوهم، فحذَّرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم مِن مِثلِ ذلك حماية للتوحيد، وسدًّا لِلذَّريعة المؤَدِّية إلى الشِّرك بالله، ثمَّ قال صلى الله عليه وسلم: (أُولَئِكِ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّه) بسَببِ ما فَعَلوه لأنَّه يُؤدِّي إلى أعظمِ ذَنبٍ وهو الشرك بالله تعالى.. قال ابن حجر في "فتح الباري": "وكأنه صلى الله عليه وسلم علِمَ أنه مُرْتَحَل من ذلك المرض، فخاف أن يُعَظَّم قبره كما فعل مَنْ مضى، فلعن اليهود والنصارى إشارة إلى ذمِّ من يفعل فعلهم".. وقال ابن رجب: "هذا الحديث يدل على تحريم بناء المساجد على قبور الصالحين، وتصوير صورهم فيها كما يفعله النصارى". وقال القرطبي: "وكل ذلك لقطع الذريعة المؤدية إلى عبادة مَنْ فيها، كما كان السبب في عبادة الأصنام".
2 ـ أهمية الصلاة في حياته ووفاته صلى الله عليه وسلم:
الصلاة هي الركن الثاني مِنْ أركان الإسلام الخمسة، وهي عماد الدين، مَنْ حفظها حفظ الدين، ومَنْ ضيعها فهو لما سواها أضيع، وهي أول ما يُحاسَب عليه العبد يوم القيامة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أول ما يُحاسَبُ به العبدُ يومَ القيامةِ من عملِه صلاته، فإن صَلُحَتْ فقد أَفْلَحَ وأَنْجَح، وإن فَسَدَتْ فقد خاب وخَسِر) رواه الترمذي.. ومع شدة ألم وتوجع النبي صلى الله عليه وسلم، كان حرصه على الصلاة، بل على صلاة الجماعة، ففي أول مرضه خرج إلى الصلاة يتهادى مِن شدة وجعه بين رجلين، حتى أُجْلِس إلى جوار أبي بكر رضي الله عنه وهو يصلي بالناس. عن عائشة رضي الله عنها قالت: (ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد مِنْ نفسه خفَّة (قدرة) فخرج بين رجلين، أحدهما العباس، لصلاةِ الظهر، وأبو بكرٍ يصلي بالناس، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر فأومأ إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يتأخر، وقال لهما: أجلساني إلى جنبِه فأجلساه إلى جنبِ أبي بَكر) رواه مسلم.. وكانت الصلاة وصيته صلى الله عليه وسلم التي أكد عليها كثيرا قبل موته الصلاة. عن أنس رضي الله عنه قال: (كانَت عامَّة وصيَّة رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حينَ حضَرتهُ الوفاةُ وهو يُغَرْغر بنفسِه: الصَّلاة وما ملَكَت أيمانُكُم) رواه ابن ماجه. أي: الْزَموا الصلاة وحافظوا عليها، واحْذروا تركها، فَإنَّها أعظَم أركانِ الإسلام. (ومَا ملَكتْ أيمانُكم) أي: اتَّقُوا اللهَ وخافوه في كُلِّ ما تَملِكُه أيدِيكُم من آدَمِيٍّ أو حَيوانٍ وَأمْوال، فاتَّقوا اللهَ فيهم بِحُسْنِ المِلْكة، والقِيامِ بما يَحتاجونه، وعَدمِ إهْمالِهم، وعَدمِ التَّفريطِ في حَقِّهِم، ولا تُكلِّفوهم مَا لا يُطيقونه..
3 ـ إحسان الظن بالله عند الموت:
حُسْن الظن بالله تعالى يعني اعتقاد ما يليق بالله تعالى مِنْ أسماء وصفات وأفعال، واعتقاد ما تقتضيه من آثار جليلة، كاعتقاد أن الله تعالى رحمته وسعت كل شيء، وأنه تعالى أرحم بعباده من رحمة الأم بولدها.. والأصل في المسلم أن يكون دائماً حَسَنَ الظنَّ بربه تعالى، وأكثر ما يتعيَّن على المسلم حُسن الظن بربِّه تعالى عند مرضه وحضور الموت، فيُغَلِّب جانب الرجاء في رحمة الله على جانب الخوف مِنْ عذابه، وأن يتذكر عظيم كرمه، وجميل عفوه، وواسع رحمته، ويستحضر ما وعد به أهل التوحيد، وما يدَّخِره لهم من الرحمة يوم القيامة، وهذا ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم قبيل موته بثلاثة أيام. عن جابر رضي الله عنه قال: (سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول قبل موته بثلاث: لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل) رواه مسلم. (لا يَموتَنَّ أحدُكم) أي: لا يَنْبغي أنْ يَموت المؤمنُ وهو قانطٌ مِن رَحمةِ الله، بلْ عليْه أنْ يُحسِنَ الظَّنَّ بالله تبارك وتعالى..
قال ابن حجر: "وأما عند الإشراف على الموت فاستحب قوم الاقتصار على الرجاء، لما يتضمن مِنَ الافتقار إلى الله تعالى، ولأن المحذور مِنْ ترك الخوف قد تعذَّر، فيتعين حُسْن الظن بالله برجاء عفوه ومغفرته، ويؤيده حديث (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله)".. وقال عبد الله بن عباس رضي الله عنه: "إذا رأيتم الرجل بالموت (يعنى حضور مقدماته) فبَشروه ليلقى ربَّه وهو حَسَن الظن به، وإذا كان حيًا (صحيحًا) فخوفوه بربه عز وجل". وقال النووي: "ويُسْتَحَب للحاضر عند المُحْتَضِر أن يُطمِّعه في رحمة الله تعالى، ويحثه على تحسين ظنه بربه سبحانه وتعالى، وأن يذكر له الآيات والأحاديث في الرجاء، وينشطه لذلك"..
4 ـ من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم:
مِن دلائل ومعجزات نبينا صلى الله عليه وسلم ما جاء مِنْ إخباره عن أحداث وأمور غيبية ستقَع في المستقبل، سواء في حياته أو بعد مَماته، ووقعت كما أخبر بها، ومن ذلك: إخباره صلى الله عليه وسلم أن ابنته فاطمة رضي الله عنها أول أهله لحوقا به بعد موته، فتوفيت بعد أقل مِنْ ستة أشهر من وفاته. عن عائشة رضي الله عنها قالت: (أَقْبَلَتْ فَاطِمَة تَمْشِي كَأنَّ مِشْيَتَهَا مَشْيُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: مَرْحَبًا بابْنَتي، ثُمَّ أجْلَسَها عن يَمِينِه، أوْ عن شِمَالِه، ثُمَّ أسَرَّ إليها (أسرَّ إليها حَديثًا خاصًّا لا يَسمَعُه أحدٌ غَيرُها) حَدِيثًا فَبَكَتْ، فَقُلتُ لها: لِمَ تَبْكِين؟ ثُمَّ أسَرَّ إلَيْهَا حَدِيثًا فَضَحِكَتْ، فَقُلتُ: ما رَأَيْتُ كَاليَومِ فَرَحًا أقْرَب مِن حُزْنٍ، فَسَأَلْتُها عَمَّا قال، فَقالتْ: ما كُنْتُ لِأُفْشِيَ سِرَّ رَسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، حتَّى قُبِضَ (مات) النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، فَسَأَلْتُهَا، فَقالَتْ: أسَرَّ إلَيَّ: إنَّ جِبْرِيل كانَ يُعَارِضُنِي (يدارسني) القُرْآن كُلَّ سَنَة مَرَّةً وإنَّه عَارَضَنِي العَامَ مَرَّتَيْن، ولَا أُرَاه إلَّا حَضَرَ أجَلِي، وإنَّكِ أوَّلُ أهْلِ بَيْتي لَحَاقًا بي، فَبَكَيْتُ، فقال: أَمَا تَرْضَيْنَ أنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ أهْلِ الجَنَّةِ - أوْ نِسَاءِ المُؤْمِنِينَ؟ فَضَحِكْتُ لذلك) رواه مسلم. قال النووي: "وفي الحديث إخباره صلى الله عليه وسلم بما سيقع، فوقع كما قال، فإنهم اتفقوا على أن فاطمة ـ عليها السلام ـ كانت أول مَنْ مات مِنْ أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم بعده حتى من أزواجه.. هذه معجزة ظاهرة له صلى الله عليه وسلم، بل معجزتان، فأخبر ببقائها بعده، وبأنها أول أهله لحوقا به، ووقع كذلك، وضحكت سرورا بسرعة لحاقها، وفيه إيثارهم الآخرة وسرورهم بالانتقال إليها والخلاص من الدنيا". وقال ابن حجر: "وفي الحديث إخباره صلى الله عليه وسلم بما سيقع، فوقع كما قال، فإنهم اتفقوا على أن فاطمة عليها السلام كانت أول مَن مات مِن أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم بعده حتى مِن أزواجه".
5 ـ اللهم الرفيق الأعلى :
كان آخر ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم قبل موته: (اللهم الرفيق الأعلى).. عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وهو صَحِيحٌ يقول: إنَّه لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ قَطُّ حتَّى يَرَى مَقْعَدَه مِنَ الجَنَّةِ، ثُمَّ يُحَيَّا - أوْ يُخَيَّر - فَلَمَّا اشْتَكَى وحَضَرَهُ القَبْض ورَأْسُه علَى فَخِذِ عَائِشة، غُشِيَ (أُغْمِيَ) عليه، فَلَمَّا أفَاق شَخَصَ بَصَرُه نَحْوَ سَقْفِ البَيْت، ثُمَّ قال: اللَّهُمَّ في الرَّفِيق الأعْلَى) رواه البخاري. قال الأزهري: "الرفيق هاهنا جماعة الأنبياء الذين يسكنون أعلى عليين". وقال النووي: "(الرفيق الأعلى) الصحيح الذي عليه الجمهور أن المراد بالرفيق الأعلى الأنبياء الساكنون أعلى عليين، ولفظة رفيق تطلق على الواحد والجمع، قال الله تعالى: {مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا}(النساء:69)".
وقد توفي النبي صلى الله عليه وسلم ورأسه على صدر أم المؤمنين عائشة رضي الله عنه وفي بيتها، وفي ذلك فضل لها. عن عائشة رضي الله عنها قالت: (أنَّ رَسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم كانَ يَسْأَلُ في مَرَضِه الذي مَات فيه يقول: أيْن أنا غَدًا؟ أيْن أنَا غَدًا؟ يُرِيد يَوم عائشة، فأذِنَ له أزْوَاجُه يكون حَيْثُ شَاء، ـ فَكان في بَيْت عَائِشَة حتَّى مَات عِنْدَهَا ـ. قالتْ عائشَة: فَمَات في اليوم الذي كانَ يَدُور عَلَيَّ فِيه (في يوم نَوبَتِها)، في بَيْتِي، فَقَبَضَه اللَّهُ وإنَّ رَأْسَه لَبيْنَ نَحْرِي وسَحْرِي، وخَالَطَ رِيقُهُ رِيقِي. ثُمَّ قَالَتْ: دَخَل عبدُ الرَّحْمَنِ بن أبِي بَكْرٍ ومعه سِوَاكٌ يَسْتَنُّ به، فَنَظَر إلَيْه رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم، فَقُلتُ له: أعْطِنِي هذا السِّوَاكَ يا عَبْد الرحمن، فأعْطَانِيه، فَقَضِمْتُه، ثُمَّ مَضَغْتُه، فأعْطَيْتُه رَسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم، فَاسْتَنَّ به وهو مُسْتَنِدٌ إلى صَدْرِي) رواه البخاري. وفي الحَديث: طِيب عِشْرة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لنِسائِه، وعَدلُه بيْنَهنَّ، حتَّى في مَرضِه الذي مات فيه.. وفيه كذلك فَضل عائشة رضي الله عنها. قال الطيبي: "(بين نَحْرِي وسَحْرِي)" السحر الرئة، أي أنه صلى الله عليه وسلم توفي وهو مستند إلى صدرها وما يحاذي نحرها منه"..

كل مصيبة دون مصيبتنا بموت نبينا صلى الله عليه وسلم تهون، إذ بموته صلى الله عليه وسلم انقطع الوحي من السماء إلى يوم القيامة، فهو أول انقطاع عُرَى الدين ونقصانه، وفي موته صلى الله عليه وسلم غاية الصير والتسلية عن كل مصيبة تصيب العبد أو تحلُّ بأمة الإسلام جمعاء.. عن عائشة رضي الله عنها قالت: (فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم باباً بينه وبين الناس ـ أو كشف ستراً ـ فإذا الناس يصلون وراء أبي بكر، فحمد الله على ما رأى من حُسن حالهم رجاء أن يخلفه الله فيهم بالذي رآهم، فقال: يا أَيُّها الناس! أَيُّما أحدٍ من المؤمنينَ أُصِيبَ بمصيبة، فلْيَتَعَزَّ بمصيبتِه بي، عن المصيبة التي تُصِيبُه بغيري، فإنَّ أحدًا مِنْ أُمَّتي لن يُصابَ بمصيبةٍ بعدي أَشَدَّ عليه من مصيبتي) رواه ابن ماجه. وفي شرح سنن ابن ماجه: "(يُصاب) ذلك الأحد (بمصيبة) مِنَ المصائب موتًا كانت أو غيره، كانت في أهله أو ولده أو في نفسه.. (فليتعزَّ) أي: فليخفف ثِقل تلك المصيبة وشدة همها على نَفْسِه بتذكر مصيبته بموتي، معرضًا عن الهم بتلك المصيبة التي تصيبه بموت غيري من أهله وأولاده، وعن الحزن بها، فإن المصيبة الصغيرة تضمحل وتنعدم في جَنْبِ الكبيرة، فحيث صبر على الكبيرة التي هي موتي، لا ينبغي أن يبالي بالصغيرة التي هي موت غيري من أهله وأولاده وأصدقائه وأحبائه". وقال ابن عبد البر في "التمهيد": "وصدق صلى الله عليه وسلم لأن المصيبة به أعظم من كل مصيبة يُصاب بها المسلم بعده إلى يوم القيامة، انقطع الوحي وماتت النبوة". وكان أبو بكر رضي الله عنه يقول: "اذكروا فَقْد (موت) نبيكم تهون عندكم مصيبتكم"..
وقد أجمع أهل العِلم أن النبي صلى الله عليه وسلم تُوفي عن ثلاثة وستين عاما، وكما كان يوم مولده أسعد وأشرق يوم طلعت عليه الشمس، كان يوم وفاته أشد الأيام وحشة وظلاما ومصابا على المسلمين، بل والبشرية جمعاء.. وكان في وفاته صلى الله عليه وسلم ووصاياه لِلصَّحابة ـ رضوان اللهِ عليهم ـ وللأمة الإسلامية من بعدهم، الكثير من العِبَر والعِظات، والحِكَم والأحكام، الجديرة بالوقوف معها لتأملها والاستفادة منها في حياتنا..

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة