مظاهر الإصلاح بين الزوجين في حال اختيار الزوجين طريق الطلاق، تظهر في الآتي:
1- الأمر بالمعاشرة بالمعروف والصبر على ذلك: قال عز وجل: {وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا} (النساء:19) ففي الآية توجيهات ربانية لكفالة حق الزوجين؛ من المعاشرة بالمعروف بالإجمال في القول، والمبيت، والنفقة، وأن يتصنع لها كما تتصنع له، وفتح سبحانه باب الأمل {فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا} ومهما كانت الأسباب والمسوغات، فإنه يحرم على الزوج إكراه زوجته على ما لا تطيق، ولا أخذ مالها وإرغامها على ذلك من دون طيبة نفس، بل ونهى عن منعها من حقوقها، ولا إلجائها لتفتدي نفسها بمالها، فإن ذلك كله محرم، وقد استثنى منه ما ورد به الشرع في ذلك على الأوصاف والشروط التي نص عليها أهل العلم.
2- شرع طلاق السنَّة والعِدة بعده: إذا تعذر الوئام بين الزوجين بعد الأخذ بالتوجيهات الإلهية السابقة، أو رأى المصلحون بين الزوجين أن التفريق لهما خير، فقد شرع الله للزوج أن يطلق زوجته طلاق السنة، وهو: أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه، {إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة} (الطلاق:1) وفي هذه الفترة قد تتغير النفوس، وتقر القلوب، وفرصة لمحاسبة النفس، والنظر في عواقب الأمر قبل الطلاق وبعده، وليكون وقوع الطلاق في وقت تُشتهى فيه الزوجة غالباً، فيكون دليلاً واقعيًّا على عدم الوئام بينهما، وليس مجرد عارض، فقد يقدر الله الصلح، فلا يقع الطلاق.
3- تشريع الطلقة الأولى، ثم الثانية، وفي الثالثة تحرم عليه: قال تعالى: {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} (البقرة:229) ففي الطلقة الأولى تجربة يعلم منها الزوجان حقيقة مشاعرهما، ثم تأتي الطلقة الثانية محاولة أخرى لعدم انقطاع الحياة الزوجية، أما الطلقة الثالثة فهي دليل على فساد الحياة الزوجية {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} (البقرة:230) فهذه الإجراءات كلها للحفاظ على الرابطة الزوجية، فالرجل عندما يعلم ذلك الحد، فإنه يفكر، ويمسك نفسه، ويفكر كثيراً قبل أن يُقدم على اتخاذ قرار الطلاق.
4- لا يجوز أن تخرج الزوجة من بيتها في أثناء الطلقة الرجعية: {لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} (الطلاق:1) وذلك لإتاحة الفرصة للرجعة، واستثارة عواطف المودة، وذكريات الحياة المشتركة، حيث تكون الزوجة بعيدة بحكم الطلاق قريبة من العين، فيفعل هذا في المشاعر فعله بين الاثنين؛ ليبقى عقد الزوجية، وتبقى الأسرة المسلمة قائمة يشد بعضها بعضاً.
5- يجوز مراجعة الزوجة إذا انقضت عدتها في الأولى والثانية بعقد جديد: قال سبحانه: {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف} (البقرة:232) فإن الله سبحانه يريد الإصلاح ويحبه، ولو بعد الانفصال وانقضاء الأجل والمهلة، ما لم يبلغ الحد الذي حده الله تعالى لعباده من الطلقة الثالثة.
6- إذا عزم الزوج على الطلاق فلا يأخذ من زوجته ما أعطاها من مهر وغيره: {وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا * وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا} (النساء:20-21) وقال عز من قائل: {ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا} نهوا أن يأخذوا من أزواجهم شيئاً على وجه المضارة، وخص بالذكر ما آتى الأزواج نساءهم؛ لأن العرف بين الناس أن يطلب الرجل عند الشقاق والفساد ما خرج من يده لها صداقاً وجهازاً. فمن الأمور التي تحافظ على بقاء عقد الزوجية أنه إذا أراد الزوج أن يطلق، فلا يحل له أن يأخذ شيئاً مما أعطاها إياه، وهذا يجعل الزوج يفكر أكثر من مرة في هذا الأمر؛ لأنه قد يكون أعطاها مالاً كثيراً، فلا يستطيع أن يتركها من أجل ذلك المال، ثم قد يوفق الله بينهما في ما بعد {لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} (الطلاق:1).
* ضوابط الإصلاح الاجتماعي بين الزوجين: شرع سبحانه أموراً في الحياة الزوجية، تمنع حصول أي خلافات بينهما، فإذا حصل خلاف بسبب التفريط في هذه الأمور، فإنه بالرجوع إليها يكون الإصلاح، وتنضبط الحياة الأسرية مرة أخرى، ومن هذه الأمور:
1- معرفة كل من الزوجين ما له من الحقوق وما عليه من الواجبات: {الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم} (النساء:34) فجمع سبحانه في هذه الآية ما يجب على الرجال، وما يجب على الزوجة في قوله عز من قائل: {فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله} (النساء:34) فالآية نصٌّ في سبيل تنظيم المؤسسة الزوجية، وتوضيح الاختصاصات التنظيمية فيها؛ لمنع الاحتكاك فيها بين أفرادها، بردهم جميعاً إلى حكم الله لا حكم الهوى والانفعالات والشخصيات، فيحدد أن القوامة في هذه المؤسسة للرجل، ويذكر من أسباب هذه القوامة: تفضيل الله للرجل بمقومات القوامة، وما تتطلبه من خصائص ودربة، وتكليف بالإنفاق.
2- المعاشرة الحسنة بالمعروف: {وعاشروهن بالمعروف} (النساء:19) فعلى الزوجين أن يقوما بمعاشرة بعضهما بالمعروف، وخصوصاً الرجل؛ لأنه القيم، فالقول والمعاملة والإنفاق بالمعروف، وكذلك العلاقة العاطفية بينهما تكون بالمعروف، كما وصَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنساء خيراً، وجاء عنه: (وملاعبة أهله، فإنه من الحق) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، وضعفه الشيخ الألباني. ومن العشرة الحسنة من المرأة أن تكون مطيعة لزوجها في غير معصية الله، والاقتصاد والتوسط في النفقة، ورعايتها أسرتها، وتزكية نفسها وتشريفها، ومما يقربها إلى قلب زوجها إكرام والديه وأقاربه واحترامهم.
3- صبر الزوج على الزوجة، وغض الطرف عن زلاتها: فإن المرأة من طبيعتها الغيرة من كل أحد، وغالباً ما تكون الغيرة سبباً يدفعها إلى فعل ما لا يرضاه الزوج، وإذا انضاف إلى الغيرة ما جبلت عليه من اعوجاج اللسان، كل أدعى للزوج أن يصبر على الأذى، وأن يغض الطرف ما استطاع، ويتجاوز عن الهنات والزلات؛ لقوله تعالى عن نبينا صلى الله عليه وسلم عندما حصلت الغيرة بين بعض زوجاته: {عرف بعضه وأعرض عن بعض} (التحريم:3).
4- محافظة الزوجين على أسراهما ومشكلاتهما الداخلية: إن الزوجين هما الأقدر على حل مشاكلهما؛ لأنهما أعلم بطبيعة بعضهما، وبنقاط الخير فيهما، ويجب أن تهدأ النفوس حتى يأتي الصلح؛ ولذا قال تعالى: {واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا} (النساء:34) فنص تعالى أن يكون الصلح بين الزوجين أولاً، فإن احتيج لأن يتدخل غيرهما، فينحصر ما يعرفه الأبوان أو الأقارب على المشكلة فحسب، ولا يتجاوز ذلك إلى الغير؛ حتى لا تتفرع المشكلة، وتصبح ظلمات بعضها فوق بعض.
فهذه بعض الضوابط الإصلاحية، التي تضبط الحياة الاجتماعية بين الزوجين قبل حدوث الخلاف، فإذا وقع الخلاف كان الرجوع لها هو الإصلاح بعينه.
النوع الثاني: الإصلاح مع الوالدين المشركين: قال تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما * واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا} (الإسراء:24) وقال سبحانه: {ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون} (العنكبوت:8) من خلال هاتين الآيتين والآيات الواردة في هذا الصدد، يمكن عرض المنهج القرآني في الإصلاح بين الوالدين المشركين على النحو الآتي:
1- لا تقديم لحق العباد على حق الله تعالى؛ لأن الله تعالى لم يخلقنا إلا لعبادته، وما العباد إلا وسيلة للتعايش والخلافة في الأرض، فإذا ضُيع السبب الذي خُلق الإنسان من أجله، فلن تصطلح حياة البشر مع بعضه، فإن من ضيع أمانته بينه وبين الله، لا يمكن أن يحفظ الأمانة التي بينه وبين الخلق.
2- لاستقرار العلاقة بين الآباء والأبناء، يأمر سبحانه عباده بأمور:
- الأمر بإصلاح العلاقة بين البشر وربهم، ثم بين البشر وآبائهم، فالله سبحانه هو الخالق للإنسان، ولذا يأتي دائماً الأمر بعدم الإشراك به قبل الوصية بالوالدين، أما الوالدان فهما السبب الذي جعله الله تعالى في الأرض للتكاثر والوجود، فالله تعالى أولاً يأمر العباد بأن يصلحوا في ما بينهم وبين الله، ثم بعد ذلك يصلحوا ما بينهم وبين آبائهم.
- النهي عن أي كلام أو تصرف بذيء، ولو كان كلمة (أُفٍّ) لما في ذلك من إفساد العلاقة بين الآباء والأبناء، حتى ولو كان الآباء مشركين؛ لأن الخطاب عام.
- النهي عن زجرهما، والتكلم معهما بكلام خشن.
- الأمر بالكلام الطيب الكريم اللين، الذي تطمئن به نفوسهما.
- التواضع لهما ذلًّا لهما ورحمة واحتساباً للأجر، لا لأجل الخوف منهما، أو الرجاء لهما، ونحو ذلك من المقاصد التي لا يؤجر عليها العبد.
- الدعاء لهما بالرحمة أحياء وأمواتاً، جزاء على تربيتهما إياك صغيراً، ما لم يكونا مشركين، فالدعاء لهما بالهداية في حياتهما.
3- دعوتهم إذا كانا مشركين، يجب أن تكون بالحكمة والأدب، وذلك باستخدام الألفاظ اللينة الحسنة، والأسلوب الهادئ المؤدب، وإذا قوبلت الدعوة للآباء بالرفض والأذية، فلا تقابَل بالمثل، كما في قصة إبراهيم عليه السلام مع أبيه.
4- الاختلاف في العقيدة، والأمر بعدم الطاعة في خلافها، لا يُسْقِط حق الوالدين في المعاملة الطيبة، والصحبة بالمعروف، قال تعالى: {وصاحبهما في الدنيا معروفا} (لقمان:15).
ثالثاً: الإصلاح في المال:
الحديث في هذا الجانب ينصب في مسألتين:
المسألة الأولى: الإصلاح في وصية الميت: جعل سبحانه الوصية لمن أراد الإصلاح، وعدم وقوع الخلاف بعد موت الموصي، فإذا وقع وظهر في الوصية ظلم وجور على الحقوق وجب الإصلاح فيها. والإصلاح في الوصية بإبقاء هدفها ومحتواها هو الخير للموصى له، من يتيم ونحوه، وخير لأهل الميت من الورثة، وخير للميت بأن لا يُعذب بما أوقع في الوصية من الإجحاف أو الظلم، بل وخير للمجتمع من أن تسود فيه البغضاء والفرقة؛ إذ إن السيئة تأتي بالسيئة، والشر يعم. وإذا فعل ذلك وأصلح في الوصية، فهذا عين الخير، وعين الإصلاح، أما المحافظة على حروفها وحدودها وتضيع الهدف المقصود منها فهو عين الإفساد.
وعليه، فإن الإصلاح في الوصية سبب من أسباب الإصلاح بين المسلمين، ودفع الفرقة عنهم، روى أبو هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة، فإذا أوصى حاف في وصيته، فيختم له بشر عمله فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة، فيعدل في وصيته، فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة). قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: {تلك حدود الله فلا تعتدوها} (البقرة:229) رواه ابن ماجه، وضعفه الألباني.
والخطاب في قوله عز من قائل: {فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم} (البقرة:182) لجميع المسلمين، قيل لهم: إن خفتم من موص ميلاً في الوصية، وعدولاً عن الحق، ووقوعاً في إثم، ولم يخرجها بالمعروف، وذلك بأن يوصي بالمال إلى زوج ابنته، أو لولد ابنته لينصرف المال إلى ابنته، أو إلى ابن ابنه، والغرض أن ينصرف المال إلى ابنه، أو أوصى لبعيد وترك القريب، فبادروا إلى السعي في الإصلاح بينهم، فإذا وقع الصلح سقط الإثم عن المصلح، والإصلاح فرض على الكفاية، فإذا قام أحدهم به سقط عن الباقين، وإن لم يفعلوا أثم الكل.
فالمصلح إذا شاهد الموصي يوصي، وظهر منه أمارة الحيف عن طريق الحق مع ضرب من الجهالة، أو مع التأويل، أو شاهد من التعمد في الميل، فعند ظهور أمارة الإفساد في الوصية، يأخذ في الإصلاح؛ لأن إصلاح الأمر عند ظهور أمارات فساده، وقبل تقرير فساده يكون أسهل؛ فلذلك علقه تعالى بالخوف دون العلم. قال الحسن البصري: "هو أن يوصي للأجانب، ويترك الأقارب، فيَرُدُّ إلى الأقارب، قال: وهذا هو الإصلاح". والإصلاح يحتاج إلى الإكثار من القول، وقد يتخلله بعض ما لا ينبغي من قول أو فعل، فبين سبحانه أن ذلك لا إثم فيه، إذا كان لقصد الإصلاح، ودلت الآية على جواز الصلح بين المتنازعين، إذا خاف من يريد الصلح إفضاء تلك المنازعة إلى أمر محذور في الشرع.
وقال جل شأنه في اليتامى: {قل إصلاح لهم خير} (البقرة:220) الإصلاح لليتيم يتناول إصلاحه بالتعليم والتأديب، وإصلاح ماله بالتنمية والحفظ. وهذا يعني: الإصلاح لأموالهم من غير أجرة، ولا أخذ عوض، خيرٌ وأعظمُ أجراً لما لكم في ذلك من الثواب، وخير لهم لما في ذلك من توفر أموالهم عليهم. وإن تشاركوهم في أموالهم، وتخلطوها بأموالكم في نفقاتكم ومساكنكم، فتصيبوا من أموالهم عوضاً عن قيامكم بأمورهم، فهم إخوانكم، والإخوان يعين بعضهم بعضاً، ويصيب بعضهم من مال بعض على وجه الإصلاح والرضا، والله يعلم الذي يقصد بالمخالطة الخيانة وإفساد مال اليتيم وأكله بغير حق من الذي يقصد الإصلاح، ولو شاء الله لضيق عليكم وما أباح لكم مخالطتهم، ولكلِّفكم في كل شيء ما يشق عليكم، لكن الله عزيز في سلطانه وقدرته على الإعنات، حكيم في ما صنع من تدبيره وترك الإعنات.
وقال عز وجل: {فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم} (البقرة:182) قال الطبري: "أولى الأقوال في تأويل الآية، أن يكون تأويلها: {فمن خاف من موص جنفا أو إثما} وهو أن يميل إلى غير الحق خطأ منه، أو يتعمد إثماً في وصيته، بأن يوصي لوالديه وأقربيه الذين لا يرثونه بأكثر مما يجوز له أن يوصي لهم به من ماله، وغير ما أذن الله له به مما جاوز الثلث أو بالثلث كله، وفي المال قلة، وفي الورثة كثرة، فلا بأس على من حضره، أن يصلح بين الذين يوصى لهم، وبين ورثة الميت، وبين الميت، بأن يأمر الميت في ذلك بالمعروف ويعرفه ما أباح الله له في ذلك، وأذن له فيه من الوصية في ماله، وينهاه أن يجاوز في وصيته المعروف الذي قال الله تعالى: {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف} (البقرة:180) وذلك هو (الإصلاح) الذي قال الله تعالى: {فأصلح بينهم فلا إثم عليه} وكذلك لمن كان في المال فضل وكثرة وفي الورثة قلة، فأراد أن يقتصر في وصيته لوالديه وأقربيه عن ثلثه، فأصلح من حضره بينه وبين ورثته وبين والديه وأقربيه، الذين يريد أن يوصي لهم، بأن يأمر المريض أن يزيد في وصيته لهم، ويبلغ بها ما رخص الله فيه من الثلث، فذلك أيضاً هو من الإصلاح بينهم بالمعروف". وقوله سبحانه: {فلا إثم عليه} أي: في ذلك التبديل؛ لأنه تبديل باطل إلى حق بخلاف السابق، واستدل بالآية على أنه إذا أوصى بأكثر من الثلث لا تبطل الوصية كلها، خلافاً لزاعمه، وإنما يبطل منها ما زاد عليه لأن الله تعالى لم يبطل الوصية جملة بالجور فيها، بل جعل فيها الوجه الأصلح. وختم سبحانه الآية بقوله: {إن الله غفور رحيم} وهو تذييل أتى به للوعد بالثواب للمصلح على إصلاحه، وذكر المغفرة مع أن الإصلاح من الطاعات، وهي إنما تليق من فعل ما لا يجوز؛ لتقدم ذكر الإثم، الذي تتعلق به المغفرة؛ ولذلك حَسُنَ ذكرها، وفائدتها التنبيه على الأعلى بما دونه، يعني أنه تعالى غفور للآثام، فلأن يكون رحيماً بمن أطاعه من باب الأولى. وهكذا يربط الأمر كله بالله، ويشده إلى المحور الأصيل التي تدور عليه العقيدة، وتدور عليه الحياة، وهذه هي مزية التشريع الذي يقوم على العقيدة، فضمانة التنفيذ للتشريع لا تجيء أبداً من الخارج، إن لم تنبثق وتتعمق في أغوار الضمير.
فإن قيل: فما وجه الإصلاح حينئذ، والإصلاح إنما يكون بين المختلفين في الشيء؟ قيل: إن ذلك وإن كان من معاني الإصلاح، فمن الإصلاحِ الإصلاحُ بين الفريقين، في ما كان مخوفاً حدوث الاختلاف بينهم فيه، بما يؤمن معه حدوث الاختلاف؛ لأن "الإصلاح" إنما هو الفعل الذي يكون معه إصلاح ذات البين، فسواء كان ذلك الفعل الذي يكون معه إصلاح ذات البين، قبل وقوع الاختلاف أو بعد وقوعه. فإن قيل: فكيف قيل: {فأصلح بينهم} ولم يجرِِ للورثة ولا للمختلفين، أو المخوف اختلافهم، ذِكْرٌ؟ قيل: بل قد جرى ذِكْرُ الذين أمر تعالى ذكره بالوصية لهم، وهم والدا المُوصي وأقربوه، والذين أمروا بالوصية في قوله: {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف} ثم قال تعالى: {فمن خاف من موص} -لمن أمرته بالوصية له- {جنفاً أو إثماً فأصلح بينهم} -وبين من أمرته بالوصية له- {فلا إثم عليه} والإصلاح بينه وبينهم، هو إصلاح بينهم وبين ورثة الموصي. وأما (الجنف) فهو الجور والعدول عن الحق في كلام العرب.
المسألة الثانية: الإصلاح في مال اليتامى: قال تعالى: {ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم} (البقرة:220) يقول سيد: "إن التكافل الاجتماعي هو قاعدة المجتمع الإسلامي، والجماعة المسلمة مكلَّفة أن ترعى مصالح الضعفاء فيها، واليتامى بفقدهم آباءهم وهم صغار ضعاف أولى برعاية الجماعة وحمايتها؛ رعايتها لنفوسهم وحمايتها لأموالهم، فاليتامى أخوان للأوصياء، كلهم أخوة في الإسلام، أعضاء في الأسرة المسلمة الكبيرة". وقوله تعالى: {والله يعلم المفسد من المصلح} (البقرة:220) أي يعلم مَن قصده ونيَّته الإفساد أو الإصلاح. وبحسب مجاهد: أن الله لا يخفى عليه الذين يريدون منكم الإصلاح لهم، والإفساد عليهم، فليس المعول عليه هو ظاهر العمل وشكله، ولكن نيته وثمرته.
وقوله سبحانه: {ولو شاء الله لأعنتكم} (البقرة:220) أي: إن الله لا يريد إحراج المسلمين وإعناتهم والمشقة عليهم في ما يكلِّفهم؛ ولو شاء ذلك لكلَّفهم هذا العنت، ولكنه لا يريد، وهو العزيز الحكيم، فهو قادر على ما يريد، ولكنه حكيم لا يريد إلا الخير واليسر والصلاح.
رابعاً: الإصلاح في الأرض: يمكن إجمال منهج القرآن في الإصلاح في الأرض في النقاط الآتية:
1- تحريم الفساد في الأرض: شنع القرآن الكريم على الفساد والإفساد، قال سبحانه: {ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين} (القصص:77) وهذه آية جامعة مانعة للنهي عن كل ما يؤدي إلى إفساد الحياة على الأرض، سواء كان إفسادا معنويًّا أو إفساداً ماديًّا. ونحوها عز من قائل: {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها} (الأعراف:56، 85). أما قوله تعالى: {وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد} (البقرة:205) فتؤكد على النهي عن كل أنواع الفساد والإفساد؛ ففي مجال البيئة المائية اهتم الإسلام بأمرين مهمين، أولهما: حماية الماء من التلوث، فنهى عن البول في الماء. ثانيهما: الحفاظ على مصادر الماء من الاستنزاف والهدر، فحرم الإسراف.
2- تحريم الاعتداء على الأعراض: حرم سبحانه الزنا وجعله من الكبائر العظام، وهذا يُعتبر من عوامل الوقاية من الوقوع في المشكلة، {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين * الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين} (النور:2-3) وقال سبحانه في وصف عباد الرحمن: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون} (الفرقان:68) وحذر عز شأنه من الاقتراب من هذه الفاحشة: {ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا} (الإسراء:32). وتجلت الوقاية بالوصية بالحجاب، والنهي عن التبرج، قال تعالى مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم وأمته: {يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما} (الأحزاب:59).
وأمر بغض البصر، وحفظ الفرج، قال سبحانه: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون * وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن} (النور:30-31) كما نهى المرأة عن إبداء زينتها إلا ما استثنى منها: {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن} (النور:31). وأمر النساء بالقرار في البيت: {وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى} (الأحزاب:33). وأمر بتيسير الزواج، {وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم} (النور:32). وحرم القذف: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون * إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم} (النور:4-5). وشرع الملاعنة بين الزوجين، إذا رمى الزوج زوجته بالزنا: {والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين * والخامسة أن لعنت الله عليه إن كان من الكاذبين * ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين * والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين} (النور:6-9).
ومن الإصلاح فيه الحث على العفو في ما دون الحد: {ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا} (النور:22). وأرشد إلى حسن الظن بالأخ المسلم، {لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا} (النور:12) والتثبت بالبينة والدليل، وعدم التحدث بكل ما سمعه أو ينشره: {إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة} (الحجرات:6).
3- الإصلاح العام عند الاختلاف في الآراء: قال عز من قائل: {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم} (الأنفال:46) وقال سبحانه: {وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين} (سبأ:24). شرع سبحانه حدوداً، لا يجوز أن يتعداها المسلم في خلافه عندما يخالفه أحد في آرائه. وفي الآيتين السابقتين الحديث والخلاف دائر بين المسلمين وغيرهم. ويمكن على ضوء الآيتين السابقتين وغيرهما معرفة المنهج القرآني للإصلاح، وعدم تطور الخلاف عندما يحدث. وإن علاقة المسلمين بغيرهم علاقة تعارف وتعاون وبر وعدل؛ فالله سبحانه يقول في التعارف المفضي إلى التعاون، {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير} (الحجرات:13). ويقول في البر والعدل مع المخالفين في الدين: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين} (الممتحنة:8) والنهي عن موالاة الكافرين يقصد به النهي عن مخالفتهم، ومناصرتهم ضد المسلمين، والرضا بما هم فيه من كفر؛ إذ فيه ضرر بالغ بالمسلمين، وإضعاف لقوة الجماعة المؤمنة، وأما الموالاة بمعنى المسالمة، والمعاملة بالحسنى، وتبادل المصالح، والتعاون على أمور البر، فهذا مما دعا إليه الإسلام.
* مادة المقال مستفادة من موقع (موسوعة التفسير الموضوعي).
المقالات

