الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أبو حازم مؤدب الملوك بلسان الوعظ وحكمة الحقيقة

أبو حازم مؤدب الملوك بلسان الوعظ وحكمة الحقيقة

أبو حازم مؤدب الملوك بلسان الوعظ وحكمة الحقيقة

أبو حازم هو سلمة بن دينار المخزومي، ويقال له الأعرج: عالم المدينة وقاضيها وشيخها، فارسي الأصل، كان زاهدا عابدا، قال ابن أسلم: ما رأيت أحدا الحكمة أقرب إلى فيه من أبي حازم، روى الحديث عن جماعة من الصحابة كابن عمر وسهل بن مسعود وأنس بن مالك وقيل إنه رأى أبا هريرة رضي الله عنهم أجمعين، وسمع من كبار التابعين كسعيد بن المسيب وأبي سلمة وعروة وغيرهم؛ وروى الحديث عنه جهابذة من أساطين الحديث كالزُّهْرِيّ وَمَالك والسفيانان: سفيان بن عيينة، وسفيان الثوري، والحمَّادان: ابنه حماد بن سلمة بن دينار، وحماد بن زيد، كان ثقة كثير الحديث، وتوفي في بغداد سنة 140 هـ، في صدر خلافة بني العباس.

لم تتضمن كتب التراجم والطبقات الكثير عن حياة هذا الإمام ولم ترو ظمأنا فيما يتعلق بتتبع تفاصيل حياته وفصول سيرته، إلا أنها أجمعت على إمامته وفضله وتقدمه، عدا أن بعض كتب التاريخ حفظت لنا مواقف من حياة هذا الإمام تدل على شجاعته في الحق، وتقدمه في الوعظ، وعدم محاباته في النصح أحدا حتى في أحلك الظروف وأقواها في قصور الملك، وعلى أسرة الخلفاء؛ ومن تلك المواقف حادثة مليحة، من أحسن رواتها العلامة المؤرخ: ابن خلكان في موسوعته الضخمة عن حياة الأعيان ووفياتهم؛ حين أورد في الحديث عن خلفاء بني أمية وتحديدا عند الحديث عن الخليفة العاشر من خلفاء الدولة الأموية: هشام بن عبد الملك القصة الوعظية التالية؛ نوردها بتصرف وزيادات من المراجع التاريخية المختلفة لنستخلص منها العبر:
حج أمير المؤمنين: سليمان بن عبد الملك بالناس سنة 97 هـ، فمر على المدينة وهو يريد مكة فأقام بها ثلاثا، فقال: ما هاهنا رجل ممن أدرك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدثنا؟ فقيل له: بلى، ها هنا رجل يقال له أبو حازم فبعث إليه فجاء، فلما دخل عليه قال له: يا أبا حازم، ما هذا الجفاء؟ قَالَ: وأي جفاء رأيت مني؟ قَالَ: أتاني أهل المدينة ولم تأتني! قَالَ: يا أمير المؤمنين وكيف يكون إتيان من غير معرفة متقدمة وَالله ما عرفتني قبل هذا اليوم ولا أَنَا رأيتك فاعذر، قَالَ: فالتفت سُلَيْمَان إِلَى الزهري فَقَالَ: أصاب الشيخ وأخطأت أنا.

ثم قال سليمان: يا أبا حازم، ما لنا نكره الموت قال: لأنكم أخربتم آخرتكم وعمرتم الدنيا فكرهتم أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب، قال: صدقت، فكيف القدوم على الله عز وجل غداً قال: أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله، وأما المسيء فكالآبق يقدم على مولاه، فبكى سليمان وقال: ليت شعري، ما لنا عند الله؟ قال: يا أمير المؤمنين اعرض عملك على كتاب الله عز وجل، قال: وأين أجده؟ قال: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} [الانفطار: 13، 14]، قال: يا أبا حازم، فأي عباد الله أفضل؟ قال: أولوا المروءة والتقى، قال: فأي الأعمال أفضل؟ قال: أداء الفرائض مع اجتناب المحارم، قال: فأي الدعاء أسمع؟ قال: دعوة المحسن للمحسن، قال: فأي الصدقة أزكى؟ قال: صدقة السائل البائس وجهد من مقل ليس فيها منٌ ولا أذى؛ قال: فأي القول أعدل؟ قال: قول الحق عند من يخافه أو يرجوه؛ قال فأي الناس أحمق؟ قال: رجل انحط في هوى أخيه وهو ظالم فباع آخرته بدنيا غيره؛ قال: صدقت، فما الذي تقول فيما نحن فيه؟ قال: يا أمير المؤمنين أو تعفيني من ذلك قال: لا، ولكن نصيحة تلقيها إلي؛ قال: إن آباءك قهروا الناس بالسيف وأخذوا الملك عنوة من غير مشورة من المسلمين ولا رضى حتى قتلوا عليه مقتلة عظيمة وارتحلوا عنها، فلو سمعت ما قالوا وما قيل لهم؛ فغشي على سليمان، فقال رجل من جلسائه: بئس ما قلت يا أبا حازم! قال أبو حازم: كذبت يا عدو الله، إن الله أخذ ميثاق العلماء ليبيننه للناس ولا يكتمونه، فأفاق سليمان فقال: يا أبا حازم كيف لنا أن نصلح للناس؟ قال: تدع الصلف وتستمسك بالمروءة وتقسم بالسوية، قال سليمان: كيف المأخذ به؟ قال: أن تأخذ المال من حله وتضعه في أهله.

قال سليمان: هل لك أن تصحبنا فتصيب منا ونصيب منك؟ قال: أعوذ بالله يا أمير المؤمنين! قال: ولم؟ قال: أخشى أن أركن إليكم شيئاً قليلاً فيذيقني الله ضعف الحياة وضعف الممات، قال: يا أبا حازم ارفع إلي حوائجك، قال: تنجيني من النار وتدخلني الجنة، قال: ليس ذلك إلي، قال: فلا حاجة لي غيرها، قال: فادع لي الله يا أبا حازم، قال: اللهم إن كان سليمان وليك فيسره بخير الدنيا والآخرة، وإن كان عدوك فخذ بناصيته إلى ما تحب وترضى، قال سليمان: زدني، قال: يا أمير المؤمنين قد أوجزت وأكثرت إن كنت من أهله، وإن لم تكن من أهله فيما ينبغي لي أن أرمي عن قوس ليس لها وتر، قال: أوصني يا أبا حازم، قال: سأوصيك وأوجز: عظم ربك ونزهه أن يراك حيث نهاك أو يفقدك من حيث أمرك، ثم قام

فبعث إليه سليمان بمائة دينار وكتب إليه أن أنفقها ولك مثلها كثير، فردها عليه وكتب إليه: يا أمير المؤمنين أعوذ بالله أن يكون سؤالك إياي هزلاً وردي عليك باطلاً، فو الله ما أرضاها لك فكيف أرضاها لنفسي يا أمير المؤمنين إن كانت هذه المائة عوضاً لما حدثتك فالميتة ولحم الخنزير في حل الاضطرار أحل من هذه، وإن كانت هذه حقاً لي في بيت المال فلي فيها نظر، فإن سويت بيننا وإلا فلا حاجة لي فيها، فقال له جلساؤه: يا أمير المؤمنين أيسرك أن يكون الناس كلهم مثله قال: لا والله، قال أبو حازم: يا أمير المؤمنين إن بني إسرائيل ما داموا على الهدى والرشد كان أمراؤهم يأتون علماءهم رغبة فيما عندهم، فلما رئي قوم من أراذل الناس تعلموا العلم وأتوا به الأمراء يريدون به الدنيا استغنت الأمراء عن العلماء فتعسوا ونكسوا وسقطوا من عين الله عز وجل، ولو أن علماءهم زهدوا فيما عند الأمراء لرغب الأمراء في علمهم، ولكنهم رغبوا فيما عند الأمراء فزهدوا فيهم , وهانوا في أعينهم ..

هذا الحديث الجامع اشتمل على حكم وفوائد وحقائق يعسر استقصاؤها، وتتجلى فيه براعة هذا الإمام في إدارة هذا الحوار الذي من الواضح أن أسئلته قد اختيرت بعناية ومع ذلك فإن أجوبته - بالرغم من ارتجالها - جاءت قمة في الدقة والبلاغة، فقد شُفِعت قوة المنطق فيها برونق البيان، وجعل منها التجسيد التمثيلي لحقائقها مسلمات لا تقبل الجدال، لذلك فلا غرابة أن تجد كل هذا الأثر في نفس سامعيها وفي نفس سليمان بن عبد الملك خصوصا، وكل هذا يعكس تأثير قوة البيان في الحق إذا رزق صاحبها الحكمة في القول والعمل، كما أن في شخصية أبي حازم خير مثال للداعية الذي يبدأ بنفسه أولا فيتعفف حتى عن بعض المباحات خوفا من الوقوع في حمى محارم الله، ثم يخلص النصح لعامة المسلمين ولأئمتهم راجيا بذلك إصلاح أحوالهم ومآلهم.

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة