الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الانتقاء الحضاري ودوره في تكوين الحضارة الإسلامية

الانتقاء الحضاري ودوره في تكوين الحضارة الإسلامية

الانتقاء الحضاري ودوره في تكوين الحضارة الإسلامية

جاء الإسلام دينا كاملا شاملا يسع برسالته البشرية باختلاف ألوانها وأجناسها وتنوع ثقافاتها وعرقياتها وإثنياتها، ومن ثم فلا عجب أن نجد في حضارته لمسات ناعمة من حضارات كل الأمم والشعوب التي انتشرت بينها دعوة الإسلام ووسعها مده الذي غطى في مرحلة سابقة كل المساحة المحصورة ما بين المحيط الأطلسي إلى سور الصين العظيم؛ فالحضارة الإسلامية هي حضارة كل الأمم والشعوب المسلمة التي ارتضت الإسلام دينا ووصبغت واقعها ومعاشها وحياتها بهديه وسمته، فهي ليست حضارة العرب وحسب، ولعل ذلك يتجلى لنا عمليا من خلال تدقيق النظر في بناة هذه الحضارة الأوائل؛ حيث إننا سنجد من بينهم الفارسي والتركي والجركسي والأمازيقي والحبشي والمشرقي والمغربي وغيرهم، لذلك جاءت حضارة الإسلام متكاملة البنيان سامقة الطَّود، تناسب شعوبا مختلفة الأذواق والمشارب، متنوعة الميول والاهتمامات، ولا عجب فالرسالة الخاتمة الخالدة جاءت لكل أسود وأحمر، وليس ثمت عرق أو لون أحق بها دون غيره من الأعراق والألوان الأخرى .

وإذا ما تأملنا سيرة الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم فسنجد أنه دعا – وبشكل عملي - إلى الانفتاح على خبرات الآخرين والاستفادة من معطياتهم وتجابرهم وفق ما يمكن تسميته ب(الانتقاء الحضاري)؛ والذي يعني: القدرة على الانتقاء والاختيار الواعي المنضبط للوافد والمستورد إلينا من الآخر، فلا توجد حضارة أبدعت ولم تنقل، فالنقل ليس وباءً وعاراً، إنما هو غذاء، والعزلة الحضارية والجهل صنوان وكلاهما تخلف، ومن هنا جاء حرص الإسلام على تحقيق الاستفادة القصوى من تجارب الأمم السابقة وخبراتهم؛ يقول الشيخ عبد الكريم محمد مطيع الحمداوي: " إِنَّ نظام التشريع الإسلامي لا يتعارض مع الاتجاه التاريخي ما دام ذخيرة خبرة وعبرة يسترشد بصوابه ويتعظ بأخطائه ومسباراً يقاس به على ضوء الكتاب والسنة مدى نجاح الممارسات والقواعد والقوانين أو فشلها، وإلى ذلك يشير القرآن الكريم بقوله: {أوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً} [فاطر: 44]، {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ، فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ} [سبأ: 15، 16]؛ بل إِنَّ منهج الاستفادة من رصيد التجربة والتاريخ الذي أرشد إليه الإسلام كان هو الأساس لنشوء المذهب التاريخي لدى فقهاء القانون الوضعي، الذين تمردوا على فكرة القانون الطبيعي" .

بيد أن هنا بوناً شاسعاً بين الانفتاح الواعي الذي يحفظ للأمة هويتها المستقلة المتميزة، وبين الذوبان والانصهار والتفتت أمام التحديات الداخلية والخارجية وإدمان التقليد، والانجراف خلف كل مستوردٍ للارتماء في أحضان الآخر، وبلا ريب يحتاج هذا الانفتاح إلى النظر الأصيل في معطيات الآخر لمحاولة فهمه، ونقده، وتصويبه، لتوظيف ما فيه من إيجابيات لتطوير الحاضر والمستقبل، فلا بد من التخيّر والانتفاع الواعي والوضوح العقدي، والنصاعة الفكرية، وجعل المقياس في القبول والرد هو الفهم الثاقب لشرع الله عز وجل، قال تعالى: {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الزخرف: 43] .

من المسلمات التاريخية أن البيئة – وكذلك المجتمع - الذَي شكل النواة الأولى لانطلاق حضارة الإسلام كان دون مستوى الحضارة المعاصرة له بكثير، إلا أنه بمجرد اعتناقه الإسلام استنشق جرعات من الثقة بالنفس والشعور بمسؤلية الفرد تجاه مجتمعه، والتضحية بالمصلحة الشخصية في سبيل المصلحة العامة، عكس ماكان سائدا قبل ذلك من التضحية بالبنين والبنات، وقتل زهرة شباب المجتمع، خوف الفقر والعيلة، أو اتقاء للفضيحة والقيل والقال، لكن المظهر الأبرز تأثيرا في هذا المجال هو تحول تلك المجتمعات المتناحرة والقبائل الغارقة في وحل الأمية إلى أمة متعطشة للعلم والمعرفة، رامية بهمتها لأبعد مدى لأخذ كل ما يوجد من العلوم والمعارف والتجارب لدى الأمم والحضارات الأخرى.

لا جرم فإن ذلك ناتج عن دور حضارة الإسلام في الحث على التعليم والتعلم؛ إذا إن اعتناق الإسلام في حد ذاته التزام بالتعلم فلا دين لمن لا علم له، وقد وردت كلمت العلم ومشتقاتها في القرآن الكريم 877 مرة، وامتن الله علينا بالعلم ورفع قدره وأثنى على المتعلمين؛ وقال: {وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ} [الأنعام: 91]، وهناك جملة من الإرشادات القرآنية والنبوية تؤكّد على البناء العلمي المحكم للشخصية المسلمة
منها: رفع رتبة العلماء وإعلان مبدأ الوحدة بين الدنيا والآخرة، فالعلم المثمر المنتج في الدنيا هو – كذلك - طريق إلى الخلود في الآخرة في الفردوس؛ " من سلك طريقاً يتلمس فيه علماً، سهّل الله له به طريقاً إلى الجنة" (رواه الترمذي )،
ومنها كذلك الدعوة إلى استغلال الطاقات والتأمل والتفكير والتدبّر العميق في كتاب الله المنظور والمسطور؛ قال تعالى: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ، وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} [ق: 6، 7]؛ فهذا الأمر بالتفكير والنظر في الخلق وآثار ومنتجات حضارات الأمم السابقة إنما هو تحفيز لملكة الانتقاء الحضاري للأمة، وإرشاد إلى رافد ومصدر مهم من مصادر الحضارة الإنسانية، فالإسلام يريدنا أن نتعامل مع الكتلة العمرانية، وأن نكشف عن قوانينها لتنمية الحياة التي سُخرت إمكانياتها للإنسان، ولا ريب أن هذا هو المسلك الوحيد للخروج من هذا الكسل والترهل الحضاري واستعادة الأمة لدورتها الحضارية تارة أخرى.

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة