الإسلام دين الوسطية والاعتدال

27/10/2026| إسلام ويب

الخطبة الأولى

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}(آل عمران:102)، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أما بعد، أيها المسلمون:

من نعم الله الكثيرة التي امتنَّ الله بها على هذه الأمة، أن جعل دينها دين الوسطية والاعتدال، لا غلوَّ فيه ولا تفريط، دين يُراعي فطرة الإنسان، ويهذب طباعه، ويرفع من شأنه، ويقوده إلى الخير بقلب رحيم وعقل حكيم..
ومِنْ خلال السيرة النبوية وما فيها مِنْ مواقف وأحداث، دَعانا نبينا مُحمد صلى الله عليه وسلم إلى التَّوسُّطِ والاعتدالِ في أمور الدِّين والدنيا، وأرشدنا إلى ما يَنفَعُنا مِنَ الأعمال والطاعات والعبادات، وعلَّمَنا كيْف نؤدِّي هذه الأعمال والعبادات دونَ إفراطٍ أو تَفريط، وحذَّرنا مِن الغلو والتجاوز للحدود، ويكفي أن نعلم أن هذه السمة الجليلة كانت سببًا في تشريف الأمة بالخيرية، كما قال ربنا عز وجل: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً}(البقرة:143).
وحين نتحدث عن الوسطية، لا بد أن نقف مع هذا المُصطلح ومعناه وقفة، حتى لا يختلط الحق بالباطل، ولا تلتبس المفاهيم في زمنٍ انقلبت فيه الموازين، واشتدّت فيه الحملات على الإسلام وأهله، يُشوّهون صورته بأخطاء بعض من ينتسبون إليه، ويَرمونه بأوصاف باطلة.. وقد ابتلي البعض بالغلو والتشدد، أو بالجفاء والتفريط، ونسوا أن دين الله وسطٌ بين الإفراط والتقصير، والغلو والجفاء، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "دينُ الله بين الغالي فيه والجافي عنه".
والوسطية أيها الأحبة، في أصل معناها تدور على العدل، والخيرية، والاعتدال، فهي ليست تميعًا في الدين، ولا تهاونًا في الثوابت، بل هي استقامة على الحق، بلا غلوٍ ولا تقصير، بل كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً}.
والوسطية تُبنى عليها مصالح العباد في الدنيا والآخرة، فهي ليست مجرد شعار، بل منهج حياة سلف هذه الأمة، وطريق الفِرقة الناجية، ومن حاد عنها فقد ضل سواء السبيل، قال ابن القيم: "الوسط الموضوع بين طرفي الإفراط والتفريط هو العدل، وهو الذي عليه بناء مصالح الدنيا والآخرة". وقال: "ما من أمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى غلو، وإما إلى تقصير، والحق وسط بينهما".

عباد الله: الوسطية في الإسلام ليست محصورة في جانب دون آخر، بل هي سِمةٌ شاملة، تتجلى في كل مجالات الدين والحياة: في الاعتقاد والعبادة، والأخلاق والمعاملات..
ففي العقيدة، عقيدة الإسلام وسط بين غلو النصارى وجفاء اليهود، فاليهود قتلوا أنبياءهم، ووصفوا الله سبحانه بصفات النقص، فقالوا: إنه بخيل وفقير، وغير ذلك مما قالوه وافتروا به على الله، وقد قال الله تعالى عنهم: {لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ}(آل عمران:181).. والنصارى جعلوا المسيح إلهاً، ووصفوا المخلوق بصفات الخالق، وقالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم، وإن المسيح ابن الله، وقد قال الله عنهم: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا}(مريم:88 : 94)..
أما أمتنا الإسلامية التي تتسم بالوسطية، فعقيدتها توحيد خالص، وعبودية صافية لله رب العالمين، والله سبحانه ليس كمثله شيء، في ربوبيته وإلهيته، ولا مثيل له في أسمائه وصفاته..
وفي القضاء والقدر، وسطٌ بين من نفوا علم الله وقدرته، وبين من زعموا أن العبد لا اختيار له ولا مشيئة، بل يؤمنون بأن الله قدّر كل شيء، وأن العبد مسؤول عن فعله، مأمورٌ بالخير، منهيٌّ عن الشر..
وفي الإيمان بالأنبياء: نؤمن بجميع أنبياء ورسل الله جميعا، ونحبهم ونوقرهم دون رفعهم إلى منزلة الألوهية، والإيمان بجميع الكتب السماوية ـ قبل تحريفها ـ..

أيها المؤمنون: ومن صور الوسطية في الإسلام، ما نراه في عباداته، التي جمعت بين غداء الروح وراحة الجسد، فديننا لا يدعو إلى الرهبانية المنقطعة عن الحياة، ولا إلى المادية الجافة الخالية من المعنى، بل إلى توازنٍ واعتدال، يراعي الفطرة، ويوازن بين الآخرة والدنيا، على ضوء قول الله تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا}(القصص:77).
وقد أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على من أراد أن يُحَرِّم على نفسه طيبات الدنيا، وعلى من أراد عدم الزواج والتفرغ للعبادة، فقال: {ما بَالُ أَقْوَامٍ قالوا كَذَا وَكَذَا؟! أَمَا واللَّهِ إنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وأَتْقَاكُمْ له، لَكِنِّي أصُومُ وأُفْطِرُ، وأُصَلِّي وأَرْقُدُ، وأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فمَن رَغِبَ عن سُنَّتي فليسَ مِنِّي) رواه البخاري.
وقدْ حثَّ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على مُلازمةِ الرِّفقِ والتوسط في العبادات، والاقتصارِ على ما يُطيقُه المسلم، ويُمكِنُه المداوَمة عليه، فلا يُقصِّرُ فيما أُمِرَ به، ولا يُشدد على نفسه بما لا يُطِيقُه، فقال: (إنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، ولَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أحَدٌ إلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وقَارِبُوا، وأَبْشِرُوا) رواه البخاري.
وبهذا التوازن في العبادة، بين متطلبات الدنيا والآخرة، حقق الإسلام للإنسان سعادته في دنياه وآخرته، بينما ضلّت كثير من النظم المعاصرة حينما أغرقتها المادة، ففقدت التوازن، وضاعت القيم..

عباد الله: ومن مجالات الوسطية في ديننا: الوسطية في الأخلاق، فجمعت بين السمو الروحي والواقعية العملية، وارتقت بالنفس دون أن تكلفها فوق طاقتها، وزكّت المشاعر، ووجّهت الضمائر، ووازنَت بين الفرد والمجتمع، والعقل والعاطفة، في تربية متكاملة تنسجم مع الفطرة، وتستنير بهدي النبوة، وتعطي لكل ذي حق حقه، وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى في قوله: (إنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، ولِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، ولِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فأعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ) رواه البخاري.
فالوسطية في الأخلاق تعني أن يكون المسلم متوازنًا في تعامله مع الناس، فلا هو شديد الغلظة، ولا هو واقع في المجاملة على حساب دينه ومبادئه، بل يتعامل بحكمة ورحمة، وقوة في الحق، ولين في الأسلوب، كما أمرنا الله: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا}(البقرة:83).
وحُسن الخُلق في الإسلام ليس ترفًا، بل عبادة تُقرب إلى الله، وهو ميدان تظهر فيه وسطية الإسلام في أبهى صورها، حيث يربّي النفوس على العدل، والتسامح، والرحمة، دون ضعف أو تفريط، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ مِن أحبِّكم إليَّ وأقربِكُم منِّي مجلسًا يومَ القيامةِ أحاسنَكُم أخلاقًا) رواه الترمذي.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

الخطبة الثانية
الحمد لله أكرمنا بهذا الدين، وشرَّفنا بأن جعلنا أمةً وسطًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، أما بعد: أيها المسلمون:

اتقوا الله وتمسكوا بمنهج الوسطية كما شرعه الله في كتابه وسنَّه نبيكم صلى الله عليه وسلم.. واعلموا أن وسطية الإسلام ليست قاصرة على العقائد والعبادات، ولا على الأخلاق وحدها، بل امتدت إلى كل تفاصيل الحياة: في التشريعات والأحكام والمعاملات، في المأكل والملبس، في السلوك والتفكير، في النوم والعمل، فهي شريعة شاملة، تنظم الحياة بكل توازن واعتدال..
ولكن هناك أمر هام لا بد من الانتباه له وهو: أن الوسطية ليست تنازلاً عن ثوابت الدين، وليست خضوعًا للأهواء، ولا انسلاخًا من القيم والمبادئ والأخلاق، بل هي التزام منضبط بشريعة الإسلام، وبهدي وأخلاق نبينا صلى الله عليه وسلم.. 

وختاما عباد الله:
الزموا الإسلام كما جاء بوسطيته، واعتدلوا في أموركم وحياتكم، بلا غلو ولا تفريط، ولا إفراط ولا تقصير وكونوا كما أراد الله لكم: أمة وسطًا، وتمسكوا بسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم وأخلاقه، فإن فيها السعادة والنجاة.. حافظوا على صلاتكم، فإنها عمود الدين، وأول ما تُسألون عنه يوم القيامة، واجتنبوا ما حرّم الله من الأقوال والأفعال، صغيرها وكبيرها، فالسعيد من أطاع ربه..
هذا وصلوا وسلموا على السراج المنير، والهادي البشير، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً}(الأحزاب:56)..
 

www.islamweb.net