
في القرآن الكريم نقرأ قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيداً} [النساء:136].
تتوقف النفس طويلاً عند هذا النداء القرآني؛ إذ يخاطب الله تعالى الذين وصفهم بالإيمان، ثم يأمرهم بالإيمان مرة أخرى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا}. وقد يبدو في ظاهر الأمر أن في ذلك تكراراً للأمر بشيء حاصل بالفعل، وأن المؤمنين قد آمنوا بالله ورسوله وكتابه، فما وجه أمرهم بالإيمان من جديد؟
هذه المسألة من المواضع التي استوقفت المفسرين، فتعددت توجيهاتهم، وتنوعت مسالكهم في الكشف عن سر هذا التعبير القرآني البديع. وليس تعدد هذه التوجيهات اختلافاً في أصل المعنى، وإنما هو كشف عن وجوه متعددة تتآزر في بيان أن الإيمان ليس حالة جامدة يصل إليها الإنسان ثم يستغني عنها، وإنما هو حقيقة متجددة، تتطلب التثبيت والتكميل والاستمرار، وتقتضي من المؤمن أن يستحضر أركانها كلها، وأن يحذر ما يناقضها، أو ينقصها.
المخاطبون في الآية
ذكر المفسرون عدة أقوال في تحديد المخاطبين بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}.
فذهب الطبري إلى أن الخطاب يمكن أن يكون لأهل الكتاب الذين آمنوا ببعض الكتب والرسل، وكفروا ببعضهم؛ فكان منهم أهل توراة صدقوا بالتوراة وبمن جاء بها، ولكنهم كذبوا بالإنجيل والقرآن وبـ عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وكان منهم أهل إنجيل صدقوا بالإنجيل والتوراة وسائر الكتب، وكذبوا بـ محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن. فخوطبوا بما كانوا مؤمنين به، ثم دعوا إلى استكمال الإيمان بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وبالقرآن، وبالكتب التي أنزلها الله قبل القرآن.
وبهذا التوجيه يكون الإيمان الذي وُصِفُوا به إيماناً ببعض ما يجب الإيمان به، لا إيماناً كاملاً مستجمعاً لأركانه؛ إذ لا يصح الإيمان ببعض رسل الله وكتبه مع الكفر ببعضها.
وذكر الزمخشري وجوهاً أخرى، منها أن الخطاب للمسلمين، وأن معنى {آمِنُوا}: اثبتوا على الإيمان وداوموا عليه وازدادوه. ومنها: أن الخطاب لأهل الكتاب؛ لأنهم آمنوا ببعض الكتب والرسل وكفروا ببعض. ومنها: أن يكون الخطاب للمنافقين، فيكون المعنى: يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم إيماناً ظاهريًّا، آمنوا إيماناً صادقاً خالصاً.
وسلك ابن عطية مسلكاً قريباً من ذلك، فذكر أن من الأقوال أن الخطاب لأهل الكتاب الذين آمنوا بـ موسى أو عيسى عليهما السلام، ودُعوا إلى الإيمان بـ محمد صلى الله عليه وسلم، ورجح الطبري هذا القول. وقيل: بل الخطاب للمؤمنين، والمعنى أن يكون إيمانهم كاملاً مستوفياً لما يجب الإيمان به، وأن يتضمن الأمر الثبوت والدوام. وقيل: الخطاب للمنافقين؛ أي ليكن إيمانكم الظاهر إيماناً حقيقيّاً في القلب.
أما القرطبي فحمل الآية على عموم المؤمنين، فقال إن المعنى: يا أيها الذين صدقوا، أقيموا على تصديقكم واثبتوا عليه، وأكد أن المراد بالكتاب {الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ} كلُّ كتاب أنزله الله على النبيين.
وهكذا يتبين أن اختلاف المفسرين في تعيين المخاطبين لا يحول دون اجتماعهم على معنى عظيم، وهو أن الإيمان الذي ينشده القرآن إيمان شامل كامل، لا يقبل التجزئة، وأن المؤمن مأمور بأن يحافظ على إيمانه، ويستزيد منه، ويستكمل ما نقص من علومه وأعماله.
الإيمان لا يتوقف عند بدايته
من أبرز الأجوبة عن الإشكال في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا} أن الأمر الثاني ليس أمراً بتحصيل أصل الإيمان من جديد، وإنما هو أمر بالثبات عليه، والدوام فيه، والاستمرار على مقتضاه.
وهذا المعنى أشار إليه عدد من المفسرين بوضوح. فـ الزمخشري يجعل معنى {آمِنُوا}: اثبتوا على الإيمان وداوموا عليه وازدادوه. والقرطبي يفسر الآية بمعنى: أقيموا على تصديقكم واثبتوا عليه. وبيّن ابن كثير أن هذا الأمر ليس من باب تحصيل الحاصل، وإنما هو من باب "تكميل الكامل وتقريره وتثبيته والاستمرار عليه". وضرب لذلك مثلاً بقول المؤمن في صلاته: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}، مع أن المؤمن على الصراط، فهو لا يطلب مجرد الدخول فيه، وإنما يسأل الله أن يبصره به، ويزيده هدى، ويثبته عليه.
وهذا من أعمق ما يلفت النظر إلى طبيعة الإيمان في التصور القرآني؛ فالإيمان ليس نقطة يصل إليها الإنسان ثم تنتهي مهمته، بل طريق يسير فيه، وكلما ازداد علماً بالله، ومعرفةً بأسمائه وصفاته، وصدقاً في عبادته، واستقامةً على أمره، ازداد إيمانه رسوخاً وكمالاً.
ولهذا كان المؤمن في حاجة دائمة إلى أن يجدد إيمانه، لا لأنه فقد أصل إيمانه، ولكن لأن القلوب تتقلب؛ ولأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية؛ ولأن الإنسان مهما بلغ من الصلاح لا يستغني عن طلب التثبيت على الإيمان، والهداية إلى الصراط المستقيم.
تكميل الإيمان واستيفاء أركانه
ومن المعاني المهمة في الآية أن الأمر بالإيمان يتضمن دعوة المؤمن إلى استكمال حقيقة الإيمان بجميع أجزائها وأركانها.
وقد قرر السعدي أن الأمر قد يوجه إلى من لم يدخل في الشيء، فيكون أمراً له بالدخول فيه، وقد يوجه إلى من دخل فيه، فيكون أمراً له بتصحيح ما وُجِدَ منه، وتحقيق ما لم يوجد. ومن هذا الباب أمر المؤمنين بالإيمان في هذه الآية؛ إذ يقتضي الأمر بالإخلاص والصدق، وتجنب مفسدات الإيمان، والتوبة من منقصاته، كما يقتضي تحصيل ما لم يوجد عند المؤمن من علوم الإيمان وأعماله.
وعلى هذا، فإن المؤمن لا يكتفي بأن يقول: أنا مؤمن، وإنما ينظر في حقيقة إيمانه: هل أخلص لله؟ هل صدق في إيمانه؟ هل ظهرت آثار الإيمان على أقواله وأعماله؟ هل استكمل ما يجب عليه من العلم والاعتقاد والعمل؟
فالإيمان في الآية ليس مجرد دعوى، بل حقيقة لها مقتضيات وآثار. وكلما ازداد المؤمن علماً وفهماً وعملاً، ازداد إيمانه كمالاً.
ومن هنا تتضح أهمية الجمع بين الإيمان والعلم والعمل؛ فالإيمان الذي لا يثمر عملاً صالحاً يحتاج إلى مراجعة، والعلم الذي لا يقود إلى خشية واستقامة يحتاج إلى مراجعة، والعمل الذي لا يقوم على إخلاص وإيمان يحتاج كذلك إلى تصويب وتصحيح.
شمول الإيمان لجميع الرسل والكتب
من أبرز ما تضمنته الآية الكريمة أنها أمرت بالإيمان {بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ} وهذا يدل على أن الإيمان الحق لا يقبل الانتقاء؛ فالمؤمن يؤمن بالله، ويؤمن برسله جميعاً، ويؤمن بكتبه التي أنزلها الله، ولا يفرق بين رسل الله في أصل التصديق برسالتهم.
وقد أشار أبو زُهرة في "تفسيره" إلى هذا المعنى، فبيّن أن الآية تدل على وحدة الرسالة الإلهية، وأن لبَّها الإيمان بالله ورسله وملائكته وكتبه، وأن الرسالات الإلهية سلسلة متصلة الحلقات، وأن الرسالة المحمدية هي الحلقة الأخيرة في هذا الصرح، وبها تمّ وكَمُلَ. وهذا المعنى يبرز في قوله تعالى: {وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ}؛ فالمراد جنس الكتب السابقة، لا كتاب واحد بعينه. وقد نصَّ على ذلك عدد من المفسرين.
فالإسلام لا يقوم على رفض أصل الوحي السابق، ولا على إنكار الرسل الذين سبقوا محمداً صلى الله عليه وسلم، وإنما يقوم على الإيمان بهم جميعاً، مع الإيمان بأن محمداً صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين، وأن القرآن هو الكتاب الخاتم المهيمن على ما سبقه من الكتب؛ ولهذا فإن الإيمان ببعض الرسل، أو الكتب دون بعض ليس إيماناً صحيحاً؛ لأن مصدرها واحد، وهو الله سبحانه وتعالى، ورسالات الأنبياء في أصلها متفقة في الدعوة إلى توحيد الله وعبادته.
الإيمان الكامل لا يتجزأ
من المعاني التي أكدت عليها الآية أن أركان الإيمان متلازمة، لا يصح أن يؤمن الإنسان ببعضها ويكفر ببعض. وقد عبّر أبو زُهرة عن ذلك بأن أجزاء الإيمان يلازم بعضها بعضاً، وأنها "كل لا يقبل التجزئة"، فلا يتحقق معناها إلا باتصال بعضها ببعض؛ وهذا يفسر ختم الآية بقوله تعالى: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيداً}. فبعد أن أمر سبحانه بالإيمان، ذكر عاقبة الكفر بهذه الأصول، ليظهر أن القضية ليست أمراً جزئيًّا يمكن للمؤمن أن يأخذ منه ما يشاء ويدع ما يشاء، وإنما هي منظومة مترابطة.
ومن هنا قرر السعدي أن الكفر بشيء من هذه المذكورات كالكفر بجميعها؛ لتلازمها وامتناع وجود الإيمان ببعضها دون بعض.
من الإيمان التقليدي إلى الإيمان الواعي
ومن الوجوه التي ذكرها الرازي في تفسير الآية أن يكون الأمر بالإيمان انتقالاً بالمؤمن من درجة إلى درجة أعمق؛ فذكر من توجيهات الأمر بـ (الإيمان) أن يكون المعنى: يا أيها الذين آمنوا تقليداً، آمنوا استدلالاً، أو يا من آمنتم بحسب الاستدلالات الإجمالية، آمنوا بحسب الدلائل التفصيلية. وهذا يفتح باباً مهمًّا في فهم الإيمان، وهو أن الإيمان لا يمنع من طلب المزيد من العلم واليقين، بل إن المؤمن مطالب بأن يزداد معرفة بربه، وفهماً لدينه، وبصيرةً في كتابه، {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه:114]. فـ (الإيمان) الحي هو الذي يدفع صاحبه إلى التعلم والتدبر، وكلما اتسعت معارفه الصحيحة ازداد يقينه، وكلما ازداد يقينه ظهر ذلك في عبادته وأخلاقه وسلوكه؛ ولهذا كان الأمر بالإيمان بعد الإيمان صالحاً لأن يحمل معنى الزيادة والتكميل؛ فالمؤمن لا يقف عند مستوى واحد من المعرفة واليقين، وإنما ينتقل من كمال إلى كمال، ومن درجة إلى فوقها.
التحذير من النفاق والردة
ومن التوجيهات التي ذكرها المفسرون أن يكون الخطاب للمنافقين، فيكون معنى الآية: يا من أظهرتم الإيمان بألسنتكم، آمنوا بقلوبكم إيماناً صادقاً. وقد ذكر هذا المعنى ابن عطية والرازي وغيرهما. كما ذكر ابن عاشور أن من مسالك تفسير الآية حملها على خطاب المنافقين، وأن من معاني الأمر طلب الإخلاص في الإيمان. وذكر كذلك أن الأمر يمكن أن يكون تمهيداً للتحذير من الارتداد والكفر بعد الإيمان، كما في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا} [النساء:137].
وهذا يضيف إلى الآية معنى تربويًّا بالغ الأهمية، وهو أن المؤمن لا يأمن على نفسه من تغير القلب، بل يظل محتاجاً إلى سؤال الله الثبات، ومراقبة قلبه، ومراجعة أعماله، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم -فيما رواه أنس رضي الله عنه- يُكثر أن يقول: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. فليس الشأن أن يبدأ الإنسان طريق الإيمان فحسب، وإنما الشأن أن يثبت عليه حتى يلقى الله تعالى وقلبه مطمئن بالإيمان.
الإيمان والعدل
ومن لطائف السياق الذي جاءت فيه الآية ما أشار إليه ابن عاشور؛ فقد جعلها تذييلاً عقب الأمر بالقيام بالقسط والشهادة لله، {كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ} [النساء:135] مبيناً أن الإيمان بالله ورسله وكتبه جامع لمعاني القيام بالقسط والشهادة لله، وأن المؤمن مأمور بالدوام على إيمانه والحذر مما يخل به.
وهذا يبين الصلة الوثيقة بين العقيدة والسلوك؛ فالإيمان ليس تصوراً ذهنيًّا مجرداً، وإنما ينعكس على علاقة الإنسان بربه وبالناس.. فالذي يؤمن بالله حقًّا وصدقاً يعلم أنه قائم بين يديه، وأنه مسؤول عن أقواله وأفعاله، فيحمله إيمانه على العدل والصدق والأمانة والرحمة.
ومن هنا كان اقتران الأمر بالإيمان في السياق الذي يتصل بالعدل ذا دلالة؛ إذ إن الإيمان الصحيح ينبغي أن يظهر أثره في حياة المؤمن، فلا يكون الإيمان دعوى منفصلة عن السلوك.
{آمِنُوا} دعوة إلى دوام الصلة بالله
إن المتأمل في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا} يجد أن التعبير القرآني يحمل المؤمن على استحضار إيمانه بصورة مستمرة. فالإيمان ليس ذكرى ماضية يقول الإنسان: آمنت يوم كذا، ثم يستريح إلى ذلك؛ بل هو صلة دائمة بالله تعالى، تتجدد بالذكر والعبادة والتدبر والعمل الصالح والتوبة النصوح.
وهنا يظهر جمال التعبير القرآني؛ فقد وصفهم أولاً بالإيمان تكريماً لهم وإقراراً بما هم عليه، ثم دعاهم إلى الإيمان ترقيةً لهم وتكميلاً لإيمانهم. وهذا من أساليب القرآن في تربية المؤمن؛ فهو لا يكتفي بأن يخاطبه بما وصل إليه، وإنما يدعوه دائماً إلى ما هو أكمل منه. فإذا كان مؤمناً، فليزدد إيماناً. وإذا كان عالماً، فليطلب المزيد من العلم. وإذا كان صالحاً، فليزدد صلاحاً. وإذا كان ثابتاً، فليسأل الله المزيد من الثبات.
الإيمان بين الزيادة والثبات
يمكن أن تجتمع وجوه المفسرين في معنى جامع، وهو أن الأمر في قوله تعالى: {آمِنُوا} لا يراد به مجرد الانتقال من الكفر إلى أصل الإيمان، بل يتناول معاني متعددة متكاملة: الثبات، والدوام، والتكميل، والزيادة، والاستكمال، والإخلاص، واستحضار جميع أركان الإيمان.
وهذا ما يظهر في كلام ابن عاشور؛ فقد ذكر خمسة مسالك في تأويل الآية، منها أن يكون الإيمان الأول ناقصاً، ومنها أن يكون الأمر بالإيمان الكامل، ومنها أن يكون أمراً بالدوام والثبات، ومنها حمل الخطاب على المنافقين، ومنها أن يكون الأمر لطلب الثبات على الإيمان. ومن هنا لا يكون في الآية تكرار لا معنى له، وإنما هو من باب التأكيد والتكميل والتربية.
ويمكن أن يقال أيضاً: إن المؤمن في حاجة إلى الإيمان بالله كل يوم؛ بمعنى أنه في حاجة إلى أن يجدد معرفته بالله، ويجدد إخلاصه له، ويجدد توكله عليه، ويجدد خوفه ورجاءه، ويجدد التزامه بأمره ونهيه.
وخلاصة القول: إن الآية الكريمة موضوع الحديث تفتح لنا باباً واسعاً لفهم طبيعة الإيمان في القرآن الكريم؛ فالإيمان ليس حالة جامدة، ولا مجرد انتساب أو قول باللسان، وإنما هو حقيقة تتجدد، وتزداد، وتتكامل، وتثبت بالطاعة والعمل.
وقد تنوعت عبارات المفسرين في بيان سر الأمر بالإيمان بعد وصف المخاطبين به، فاجتمعت على معانٍ متقاربة: دعوة إلى استكمال الإيمان، والثبات عليه، والازدياد منه، والإخلاص فيه، والإيمان بجميع أصوله، وعدم التفريق بين رسل الله وكتبه.
وهكذا يعلم المؤمن أن طريق الإيمان لا نهاية لكماله في الدنيا؛ فكلما ازداد علماً بالله، وصدقاً معه، وطاعةً له، وخشيةً منه، ورجاءً فيه، كان أقرب إلى حقيقة الإيمان وأكمل فيه. ولذلك يبقى النداء القرآني متجدد الدلالة في قلب كل مؤمن: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا}.