المؤمن القوي خير وأحب إلى الله

01/11/2026| إسلام ويب

لا يحتاج المرء إلى كثير من التأمل ليدرك أن العالم اليوم صار أكثر احتفاءً بالصورة من الجوهر. صالات رياضية مكتظة، وبرامج غذائية لا تنتهي، وحسابات على وسائل التواصل تتنافس في عرض العضلات والأجساد المثالية. لكن وسط هذا الضجيج يبرز سؤال مختلف: هل ينظر الإسلام إلى القوة البدنية بوصفها مجرد مظهر، أم يعدها قيمةً ورسالةً ووسيلةً لعبادة الله وعمارة الأرض؟

الإجابة تأتي واضحة في كلمة نبوية موجزة، رسمت فلسفة الإسلام في بناء الإنسان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "المؤمن القوي خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير". [رواه مسلم]. إنها كلمة لا تجعل القوة غايةً في ذاتها، ولا تهملها بدعوى الزهد، وإنما تضعها في مكانها الصحيح: نعمةٌ إذا وُجِّهت لطاعة الله، ووسيلةٌ إذا استُثمرت فيما ينفع العبد في دينه ودنياه.

إن قوة المؤمن تبدأ من قلبه، ثم تمتد إلى عقله، ولا تقف عند جسده. غير أن القوة البدنية تبقى ركنًا مهمًّا من هذه المنظومة؛ لأنها الوعاء الذي يحمل الروح، والآلة التي تؤدي بها النفس وظائفها، ولذلك كان الاعتناء بها جزءًا من شكر نعمة الله، لا لونًا من ألوان الترف أو الانشغال بالدنيا.

وقد امتن الله على طالوت بالقوة، فقال سبحانه: {وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ} [البقرة: 247]، فجمع له بين كمال العقل وقوة البدن، مما يدل على أن الجسد القوي من أسباب النجاح في تحمل المسؤوليات وأداء الواجبات.

ولذلك لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الرهبانية التي تُهمل الجسد، كما لم يكن يدعو إلى عبادة الجسد التي تشغل عن الآخرة، بل أقام التوازن الدقيق، فقال لعبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: "وإنَّ لِجَسَدِكَ عليك حقًّا". [رواه البخاري].

ومن يتأمل السيرة النبوية يجد أن الرياضة كانت حاضرة في حياة المسلمين بصورة طبيعية. فقد سابق النبي صلى الله عليه وسلم أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فسبقته مرة وسبقها مرة، وقال: "هذه بتلك". [رواه أبو داود]. ولم تكن تلك المسابقة مجرد ترفيه، بل كانت درسًا في إدخال السرور، والمحافظة على اللياقة، وإظهار سماحة الإسلام.

كما شجع صلى الله عليه وسلم على المهارات البدنية التي تخدم الفرد والمجتمع، فقال: "ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان رامياً". [رواه البخاري]. وكان الصحابة يتدربون على الرمي وركوب الخيل والمصارعة؛ لأنها وسائل إعداد وقوة، لا مجرد ألعاب للتسلية. ولما قالت قريش عن أصحابه رضي الله عنهم: يقدم عليكم غدا قوم قد وهنتهم الحمى، أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يرملوا ثلاثة أشوط في طوافهم ليرى المشركون قوة المسلمين وجَلَدهم.

والرياضة في الإسلام ليست مقصورة على إعداد المقاتل، بل هي إعداد للإنسان كله. فالموظف يحتاج إلى جسد يتحمل أعباء عمله، وطالب العلم يحتاج إلى نشاط يعينه على الحفظ والمطالعة، والداعية يحتاج إلى قوة تعينه على الحركة والسفر، ورب الأسرة يحتاج إلى صحة تمكنه من رعاية أهله والقيام بمسؤولياته.

ولهذا كان السلف يكرهون الكسل والخمول، لأنهما يورثان ضعف الإرادة وضعف الإنجاز. وقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستعيذ بالله من الكسل: "اللهُمَّ إنِّي أعوذُ بك مِنَ الهَمِّ والحَزَنِ، والعَجزِ والكَسَلِ، والجُبنِ والبُخلِ، وضَلَعِ الدَّينِ وغَلَبةِ الرِّجالِ". [رواه البخاري].
قال ابنُ الجَوزيِّ رحمه الله: (اعلَمْ أنَّك في مَيدانِ سِباقٍ، والأوقاتُ تُنتَهبُ، ولا تَخلُدْ إلى كسَلٍ؛ فما فاتَ مَن فاتَ إلَّا بالكَسَلِ، ولا نال مَن نال إلَّا بالجِدِّ والعَزمِ، وإنَّ الهمَّةَ لتَغلي في القُلوبِ غَلَيانَ ما في القُدورِ).
وقال: (الكَسَلُ عن الفضائِلِ بئسَ الرَّفيقُ، وحُبُّ الرَّاحةِ يورِثُ مِن النَّدَمِ ما يربو على كُلِّ لذَّةٍ؛ فانتَبِهْ واتعَبْ لنَفسِك).

ومن لطيف ما ذكره العلماء في شرح حديث "المؤمن القوي" أن القوة تشمل كل قوة نافعة، لكنها إذا اجتمعت فيها قوة الإيمان، وقوة البدن، كان صاحبها أقدر على العبادة، وأكثر احتمالًا للمشاق، وأعظم نفعًا للناس.

ومن هنا ندرك أن ممارسة الرياضة بنية صالحة تتحول إلى عبادة يؤجر عليها المسلم. فمن خرج يمشي أو يجري أو يسبح أو يمارس تمرينًا يحفظ به صحته، ويستعين به على صلاة الفجر، أو على طلب العلم، أو على كسب الحلال، أو على خدمة أسرته، كان مأجورًا على نيته، فإن الأعمال بالنيات كما ثبت في الصحيحين.

والواقع يشهد بأن كثيرًا من الأمراض المزمنة التي أثقلت كاهل المجتمعات اليوم ترتبط بقلة الحركة والخمول، حتى أصبحت الرياضة في نظر الأطباء من أهم وسائل الوقاية قبل العلاج. والإسلام سبق إلى ترسيخ ثقافة المحافظة على الجسد، لأن الوقاية جزء من حفظ النفس، وهو أحد المقاصد الكبرى للشريعة.

لكن الرياضة التي يدعو إليها الإسلام لها ضوابطها؛ فهي لا تشغل عن الصلاة، ولا تؤدي إلى كشف العورات، ولا تقوم على التعصب أو العنف أو إضاعة الأوقات، ولا تتحول إلى هوس يبتلع العمر والمال والاهتمام. فالتوازن هو السمة التي تميز المنهج الإسلامي في كل شيء.

ولذلك فإن المسلم الحكيم يجعل الرياضة عادة ثابتة في حياته، لا موسمية، ويختار منها ما يناسب سنه وصحته، ويوازن بينها وبين عباداته وأعماله وأسرته، فيجتمع له صلاح البدن وصلاح القلب.

ومن المؤسف أن بعض الناس لا يتذكر قيمة الصحة إلا بعد أن يفقدها، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ". [رواه البخاري]. فالصحة رأس مال الإنسان الذي يعود عليه بالنفع في دنياه وآخرته، وإذا ضاعت عجز عن كثير من الطاعات قبل أن يعجز عن متع الحياة.

إن المسلم القوي ليس هو صاحب العضلات المفتولة فحسب، وإنما هو الذي سخَّر قوته فيما يرضي الله، فكان جسده معينًا له على السجود، ولسانه على الذكر، وعقله على التفكير، ويده على العمل، وخطواته على قضاء حوائج الناس. وكلما ازداد المؤمن قوة نافعة ازداد قدرة على خدمة دينه وأمته.

ولعل أجمل ما نختم به هو العودة إلى الوصية النبوية نفسها، التي لا تزال ترسم للمؤمن منهج الحياة: "المؤمن القوي خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز".[رواه مسلم]

إنها دعوة إلى بناء الإنسان المتوازن؛ قلبٌ عامر بالإيمان، وعقلٌ واعٍ، وجسدٌ قوي، وإرادةٌ لا تعرف الكسل، حتى يكون المسلم أقرب إلى محبة الله، وأقدر على القيام بحقوقه وحقوق عباده.

 

www.islamweb.net