شهر صفر بين هدي السنة وأوهام الجاهلية

30/08/2026| إسلام ويب

الخطبة الأولى

الحمد لله العزيز الحكيم، خلق الزمان وفضَّل بعضه على بعض بحكمته، وجعل الأيام والليالي خزائن للأعمال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الخلق والأمر، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله، أرسله الله بالهدى ودين الحق، فأبطل به أوهام الجاهلية، وهدم به صروح الشرك والخرافة، وحرر القلوب من التعلق بغير الله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102].

أما بعد:

عباد الله: إن من نعم الله تعالى على عباده أن جعل لهم الأزمنة تتعاقب، والسنين تتوالى، ليزداد المحسن إحسانًا، ويتدارك المقصر تقصيره، فما الأيام إلا مراحل يقطعها الإنسان إلى الآخرة، وما الشهور إلا محطات يتزود فيها العبد من الطاعات، قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} [يونس: 5].

وقد بين ربنا سبحانه أن الشهور كلها خلقه، وأنها مقدرة عنده منذ خلق السماوات والأرض، فقال سبحانه: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} [التوبة: 36].

فهذه الشهور كلها خلق الله، لا تملك لنفسها نفعًا ولا ضرًا، ولا تمنح سعادةً ولا شقاءً، وإنما الذي ينفع ويضر هو الله وحده، كما قال سبحانه: {وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ} [يونس: 107].

ومن هنا جاء الإسلام ليصحح العقائد، وينقي القلوب من كل ما علق بها من أوهام الجاهلية، فلم يجعل شهرًا من الشهور سببًا للتشاؤم، ولا يومًا من الأيام باعثًا للخوف، ولا زمانًا يجلب النحس أو يدفع الخير، وإنما الخير كله بيد الله، والشر لا يُنسب إليه سبحانه، وكل ما يجري في الكون إنما يقع بقضائه وقدره وحكمته.

وكان العرب في الجاهلية يتشاءمون بشهر صفر تشاؤمًا شديدًا، فمنهم من يؤخر فيه الزواج، ومنهم من يمتنع عن السفر، ومنهم من يعطل التجارة، ومنهم من يظن أن المصائب فيه أكثر من غيره، حتى امتلأت قلوبهم بالخوف من هذا الشهر، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فأزال هذه العقائد الباطلة بكلمة جامعة هي من جوامع كلمه، فقال: (لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة، ولا صفر) رواه البخاري.

فأبطل صلى الله عليه وسلم ما كانت الجاهلية تعتقده في شهر صفر، وبين أنه لا تأثير لهذا الشهر في جلب ضر أو دفع نفع، وإنما هو شهر من شهور الله، تجري عليه سنن الله كما تجري على غيره؛ وهكذا حرر الإسلام النفوس من سلطان الوهم، وربطها برب العالمين وحده.

قال ابن مسعود رضي الله عنه: "الطيرة شرك، وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل".
فالمؤمن لا يتشاءم بشهر، ولا بيوم، ولا بطائر، ولا برقم، ولا بجهة، ولا بشخص، وإنما يعلق قلبه بالله جل وعلا، ويوقن أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.

ولهذا قال صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما: (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف) رواه الترمذي.

ولذلك كان أعظم ما ينبغي أن يستفيده المسلم عند دخول شهر صفر هو تجديد التوحيد، وتصحيح الاعتقاد، وإفراد الله بالتوكل والاعتماد، فإن التوحيد هو أعظم ما جاءت به الرسل، وهو أول واجب على العباد، وهو الحصن الذي يحفظ صاحبه من الأوهام والخرافات والبدع.

فالعبد يجمع بين الأخذ بالأسباب، وكمال التوكل على رب الأرباب، ولا يلتفت إلى خرافة ولا إلى تشاؤم؛ لأن قلبه امتلأ يقينًا بأن الأمر كله لله.

أيها المسلمون: إن من أعظم المقاصد التي جاء بها الإسلام: تحريرُ العقول من الخرافة، وتطهيرُ القلوب من الأوهام، وربطُ الناس بربهم وحده، فلا يتعلقون إلا به، ولا يرجون إلا فضله، ولا يخافون إلا عقابه، ولا يتوكلون إلا عليه. ولذلك جاءت نصوص الكتاب والسنة تبطل كل سبب لم يجعله الله سببًا شرعيًا أو قدريًا، ومن أعظم تلك الأوهام التي ورثها بعض الناس عن الجاهلية: التشاؤم بشهر صفر.

عباد الله: وإن مما يؤسف له أن صورًا من هذه الخرافات ما زالت تتجدد في هذا العصر، وإن اختلفت أسماؤها ووسائلها، فمن الناس من يمتنع عن عقد النكاح في صفر، أو يؤخر افتتاح مشروعه، أو يرفض شراء منزل، أو يبدأ حياته العملية في غيره؛ لأنه يظن أن صفر شهر لا بركة فيه، وربما انتشرت عبر وسائل التواصل رسائل تحذر من السفر في آخر أربعاء من صفر، أو تدعو إلى صلوات مخصوصة، أو أدعية معينة، أو صدقات مخصوصة لدفع بلاء صفر، وكل ذلك لا أصل له في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا عن أحد من أصحابه رضي الله عنهم.

أيها المسلمون: إن الواجب على المسلم إذا سمع مثل هذه الدعاوى أن يزنها بميزان الوحي، لا بميزان العادات، فما وافق الكتاب والسنة قبلناه، وما خالفهما رددناه، قال تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59].

وهذا هو كمال التوحيد، وكمال التسليم لله عز وجل؛ إذ يعلم المؤمن أن الخير كله بيد الله، وأن البركة من عنده، وأن الأيام والشهور أوعية للأعمال، فمن عمرها بالطاعة كانت مباركة عليه، ومن ملأها بالمعصية كانت وبالًا عليه، وليس ذلك لذات الزمان، وإنما لما كسبت يداه.

معاشر المؤمنين: إن المسلم إذا علم أن شهر صفر كسائر الشهور، لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعًا ولا ضرًا، وجب عليه أن يعلم كذلك أن هذا الشهر كسائر أيام عمره، هو ميدان للطاعة، ومزرعة للآخرة، وفرصة للتزود من الأعمال الصالحة، فلا يشرع فيه عبادة مخصوصة لم ترد عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا ينهى فيه عن أمر أباحه الله، بل يعيش المؤمن فيه كما يعيش في سائر الشهور، ممتثلًا أمر الله، متبعًا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومن أعظم ما يشرع في شهر صفر، وفي غيره من الشهور، المحافظة على الفرائض التي افترضها الله تعالى، فإنها أحب الأعمال إلى الله عز وجل، كما جاء في الحديث القدسي: (وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحبَّ إليَّ مما افترضته عليه) رواه البخاري.

فالمحافظة على الصلوات الخمس في أوقاتها، وإقامة الجمعة والجماعات، وإيتاء الزكاة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والإحسان إلى الخلق، كل ذلك هو المشروع في صفر، كما هو المشروع في غيره.

ويشرع كذلك الإكثار من ذكر الله تعالى، وقراءة القرآن، والدعاء، والاستغفار، فإن هذه الأعمال لا تختص بزمان دون زمان، قال تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ} [البقرة: 152].

عباد الله: ومن الدروس العظيمة التي يعلمنا إياها شهر صفر: أن المؤمن ينبغي أن يكون ثابت القلب، قوي اليقين، حسن الظن بربه، فلا تزعزعه الشائعات، ولا تهزه الخرافات، ولا يلتفت إلى المنامات المكذوبة، ولا الرسائل المجهولة، ولا المقاطع التي تنشر بين الناس بلا علم ولا بينة. وقد قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6]. وقال سبحانه: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36].

ومن المؤسف أن بعض الناس يصدق كل ما يرسل إليه في وسائل التواصل، فإذا دخل شهر صفر انتشرت الرسائل التي تزعم أن فيه بلاءً معينًا، أو حوادث مخصوصة، أو أحداثًا متوقعة، أو أدعية لم ترد، أو صلوات مخترعة، وربما نُسب ذلك زورًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار) متفق عليه.

فاتقوا الله عباد الله، ولا تكونوا جسورًا لعبور الأكاذيب إلى الناس، فإن نشر الحديث المكذوب، أو الدعاء المبتدع، أو الرسالة الباطلة، من أعظم أسباب إشاعة البدع في الأمة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع) رواه مسلم.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله حمدًا كثيرًا كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، خير من دعا إلى التوحيد، وحذَّر من الشرك والبدع، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.

عباد الله: اتقوا الله حق التقوى، واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، واعلموا أن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وأن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة في الدين بدعة، وكل بدعة ضلالة.

أما بعد:

أيها المسلون: لقد تبين أن شهر صفر شهرٌ من شهور الله، لا يختلف في حقيقته عن غيره من الشهور، فلا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، ولا يجلب خيرًا ولا يدفع شرًا، وإنما الخير كله بيد الله وحده، والشر كله بقضائه وقدره، ولذلك كان من كمال الإيمان أن يعتقد المسلم أن الأزمنة والأمكنة لا تؤثر بذاتها، وإنما المؤثر هو الله سبحانه وتعالى.

ومن أعظم ما ينبغي أن يحرص عليه المسلم في هذا الباب: تحقيق التوكل على الله، فإن التوكل هو ثمرة التوحيد، وعنوان صدق الإيمان، قال تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة: 23].

معاشر المؤمنين: إن تعاقب الشهور والأعوام يذكرنا بسرعة انقضاء الأعمار، فما أسرع الليالي والأيام! وما أقرب الرحيل عن هذه الدنيا! بالأمس استقبل الناس عامًا، ثم ودعوه، واليوم يستقبلون شهرًا، وغدًا يودعونه، وكذلك الإنسان يمضي به العمر حتى يقف بين يدي الله عز وجل.

فيا من بلغه الله شهر صفر، احمد الله على نعمة الحياة، وأكثر من الطاعات، وبادر بالتوبة، وأصلح ما بينك وبين ربك، فإن السعيد من اغتنم أيامه قبل فواتها، والشقي من أضاعها في الأوهام والخرافات.

وقد أحسن القائل:
دقاتُ قلبِ المرءِ قائلةٌ لهُ    ***     إنَّ الحياةَ دقائقٌ وثوانِ
فارفعْ لنفسِكَ بعد موتِكَ ذكرَها ***    فالذكرُ للإنسانِ عمرٌ ثانِ

فاملؤوا صحائفكم بالأعمال الصالحة، وعمروا أوقاتكم بذكر الله، واستمسكوا بكتاب ربكم، وسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم، فإن فيهما النجاة في الدنيا والآخرة.

ثم اعلموا أن الله أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه، وثنى فيه بملائكته، فقال عز من قائل: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].

 

www.islamweb.net