شهر الله المحرم تعظيمُ الشعائر وأخذ العبر

07/04/2026| إسلام ويب

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خِلفة لمن أراد أن يَذكر أو أراد شكوراً، الحمد لله الذي يخلق ما يشاء ويختار، ما كان لهم الخيرة، سبحان الله وتعالى عما يشركون. أحمده سبحانه حمدَ الشاكرين الذاكرين، وأستغفره استغفار المذنبين المقصرين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الواحدُ القهار، العزيزُ الغفار، مكور الليل على النهار، تبصرةً لأولي القلوب والأبصار. وأشهد أن نبينا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه وخليله، بعثه الله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، فهي وصية الله للأولين والآخرين، وهي الزاد الذي لا ينفد، والحصن الذي لا يرام: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ‌حَقَّ ‌تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ‌وَلْتَنْظُرْ ‌نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحشر: 18]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) ‌يُصْلِحْ ‌لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70-71].

أما بعد:

أيها المسلمون: إننا نعيش في ظلال أيام مباركة، وافتتاح عام جديد، نستقبل فيه شهراً عظيماً من أشهر الله الحُرم، ألا وهو "شهر الله المحرم". إن الله سبحانه وتعالى قد فاضل بين الأزمان، واختار منها ما شاء لحكمةٍ بالغة، فقد اختار من الشهور أربعةً جعلها حُرماً، وعظم شأنها، وغلظ فيها الوزر، وضاعف فيها الأجر. يقول الحق جل جلاله في محكم التنزيل: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ} [التوبة: 36].

لقد وقف النبي ﷺ في حجة الوداع، يخطب في الجموع الغفيرة، مبيناً هذه الأشهر، عن أبي بكرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن ‌الزمان ‌قد ‌استدار ‌كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشرا شهرا، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر، الذي بين جمادى وشعبان) متفق عليه.

عباد الله: قفوا عند قوله تعالى: {فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ}، إن الظلم في هذه الأشهر ليس كالظلم في غيرها، فالمعصية فيها أشنع وأقبح.
يقول قتادة رحمه الله في تفسير هذه الآية: "إن الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزراً من الظلم فيما سواها، وإن كان الظلم على كل حال عظيماً، ولكن الله يعظم من أمره ما يشاء".
ويقول حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: "اختص الله أربعة أشهر جعلهن حرماً، وعظم حرماتهن، وجعل الذنب فيهن أعظم، والعمل الصالح والأجر أعظم".

وظلم النفس -يا عباد الله- له صور شتى: فأعظمها الشرك بالله، والوقوع في الكفر والردة، ثم الخوض في البدع والمحدثات التي تخالف الدين ولا يشهد لها أي دليل في الشرع، ثم ارتكاب الكبائر، والتجرؤ على حدود الله، وأكل أموال الناس بالباطل، والوقوع في أعراض المسلمين.
فاحذروا -رحمكم الله- أن تفتتحوا عامكم بظلم لأنفسكم أو لغيركم، واجعلوا من حرمة هذا الشهر وازعاً لكم عن المعاصي، وحافزاً لكم على الطاعات.

معاشر المؤمنين: سمي شهر محرمٍ بهذا الاسم لتأكيد تحريمه، فقد كانت العرب تعظمه حتى في الجاهلية، فجاء الإسلام فزاد في تعظيمه، ونهى عن الظلم فيه، قال تعالى: {فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ} [التوبة: 36]؛ أي لا تقعوا في المعاصي، فإنها أعظم إثمًا في هذه الأشهر.

أيها المؤمنون: لقد خص الله هذا الشهر بخصيصة لم تكن لغيره، فسماه النبي ﷺ "شهر الله"، وإضافة الشهر إلى الله إضافة تشريف وتعظيم. يقول الحافظ ابن رجب رحمه الله: "وقد سمى النبي ﷺ المحرم شهر الله، وإضافته إلى الله تدل على شرفه وفضله، فإن الله تعالى لا يضيف إليه إلا خواص مخلوقاته".

عباد الله: إن من أعظم القربات في هذا الشهر: الصيام، فقد ندب النبي ﷺ أمته إلى الإكثار من الصيام فيه، عن ‌أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (‌أفضل ‌الصيام ‌بعد ‌رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل) رواه مسلم. وتأملوا هذا الفضل العظيم، إذ جعله النبي صلى الله عليه وسلم أفضل الصيام بعد رمضان، مما يدل على عظم منزلته، ورفعة قدره.
فهنيئاً لمن اغتنم هذه الأيام، وصام ما تيسر له منها، تقرباً إلى الملك العلام، وتدريباً للنفس على الطاعة في مستهل العام.

أيها المسلمون: إن دخول شهر محرم يعني بداية عامٍ هجريٍّ جديد، وهو تذكيرٌ بهجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، تلك الهجرة التي كانت تحولًا عظيمًا في تاريخ الإسلام.
الهجرة لم تكن مجرد انتقال مكان، بل كانت انتقالًا من الضعف إلى القوة، ومن الاضطهاد إلى التمكين، ومن الفوضى إلى إقامة الدولة.

وفيها أعظم دروس التضحية في سبيل الدين، والثبات على الحق، والأخذ بالأسباب مع التوكل على الله، وحسن التخطيط والعمل.
فجديرٌ بالمسلم أن يأخذ الدروس والعبر من حادثة الهجرة، وأن يستقبل عامه الجديد بمحاسبة نفسه، وتجديد توبته، وتصحيح مساره، وتحديد أهدافه، والسعي في تحقيقها بما يرضي الله سبحانه، وعلى وفق شرعه.

معاشر المؤمنين: وإن كنا نتحدث عن شهر محرم، وبداية العام الهجري، فإننا لا نتحدث عن احتفاء مبتدع لا يعي ولا يدرك مقاصده وغاياته، بل نتحدث عن استلهام للدروس وأخذ العبر. إن الهجرة الحقيقية التي نحتاجها اليوم ليست هجرة الأبدان من بلد إلى بلد فحسب، بل هجرة القلوب من المعاصي إلى الطاعات، ومن الغفلة إلى الذكر، ومن الفرقة إلى الاجتماع، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، ‌والمهاجر ‌من ‌هجر ما نهى الله عنه) متفق عليه. فهاجروا -رحمكم الله- بقلوبكم إلى الله، وجردوا التوحيد له، واجعلوا عامكم هذا عام توبة وإنابة، وصفحة بيضاء خالية من الأكدار والآثام.

معاشر المؤمنين: وهنا وقفات إيمانية مع بداية العام:
قف مع نفسك وأسألها: ماذا قدمت في العام الماضي؟
ثم جدد التوبة.
وضع لنفسك خطة طاعة.
واحرص على الصلوات والعبادات.
واترك الذنوب والمعاصي.
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا".

معاشر المؤمنين: وهناك أعمال مستحبة في شهر محرم، ومنها:
الإكثار من الصيام، فهو أفضل الصيام بعد رمضان.
والإكثار من الذكر والدعاء.
والتوبة الصادقة.
وقراءة القرآن.
والصدقة والإحسان.
فهو شهر افتتاح العام، فليكن بداية خير وطاعة.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.


الخطبة الثانية

الحمد لله حمداً كثيراً، والصلاة والسلام على رسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

عباد الله: أوصيكم بتقوى الله في السر والعلن، فهي حبل النجاة من المحن والفتن، وخير زاد ليوم العرض العظيم.

أما بعد:

أيها المسلمون: ومن الأحكام التي تتعلق بشهر محرم:
لا يجوز تخصيصه بعباداتٍ لم ترد في الشرع.
ولا يُشرع الاحتفال برأس السنة الهجرية على هيئة الأعياد.
ولا يجوز اتخاذ يوم عاشوراء يوم حزنٍ أو مآتم.
كما لا يجوز اتخاذه يوم فرحٍ وبدع، بل المشروع هو الصيام والذكر والطاعة.

عباد الله: لقد وقع بعض الناس في بدعٍ في هذا الشهر، خاصة في يوم عاشوراء، فمنهم من يجعله يوم حزنٍ شديد، ومنهم من يجعله يوم احتفال، وكلا الأمرين مخالف للسنة.
فالواجب هو اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، الذي صامه شكرًا لله، ولم يبتدع غير ذلك.

وختاماً، عباد الله: إن الأيام خزائن الأعمال، والسعيد من ملأها بالطاعات، والشقي من ضيَّعها في المعاصي والغفلات.
وشهر محرم فرصة عظيمة لبداية جديدة، فاجعلوه بداية توبةٍ صادقة، وعهدٍ جديدٍ مع الله.

هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، بقول ربنا سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ‌صَلُّوا ‌عَلَيْهِ ‌وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].

www.islamweb.net