
الخطبة الأولى
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي كرّم الإنسان وجعل حفظ حياته من أعظم المقاصد، أحمده سبحانه وأشكره على نعمه التي لا تحصى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل شريعته رحمة للعالمين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، جاء بدين يحفظ الدين والنفس والعقل والمال والنسل، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى، فإن تقوى الله خير زاد، وأساس صلاح الفرد والمجتمع، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70-71].
أما بعد:
أيها المسلمون: نعيش هذه الأيام مناسبة مهمة وهي "أسبوع المرور"، وهي مناسبة تهدف إلى تذكير الناس بأهمية الالتزام بقواعد السير، والمحافظة على الأرواح والممتلكات، وتقليل الحوادث التي أصبحت من أخطر المشكلات في عالمنا المعاصر.
إن قضية المرور ليست مجرد قوانين تنظيمية أو تعليمات إدارية، بل هي قضية أخلاقية وإنسانية وشرعية؛ لأن الشريعة الإسلامية جاءت لحفظ مصالح الناس، ومن أعظم تلك المصالح حفظ النفس والمال.
وقد قرر العلماء أن مقاصد الشريعة الإسلامية خمسة وهي: "حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ النسل، وحفظ المال".
وقواعد المرور إنما وضعت لحفظ النفس والمال، ولذلك فإن الالتزام بها ليس مجرد خيار، بل هو واجب شرعي وأخلاقي.
أيها المؤمنون: لقد أكد الإسلام على حرمة النفس الإنسانية تأكيداً عظيماً.
قال الله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الأنعام: 151].
وقال سبحانه: {مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 32].
وهذه الآيات تبين عظم حرمة النفس البشرية.
وإذا كان القتل العمد جريمة عظيمة، فإن التسبب في قتل النفس بالإهمال أو التهور كذلك أمر لا يقل خطورة عن سابقه.
فكم من حادث مروري كان سببه السرعة الزائدة، أو تجاوز الإشارة الحمراء، أو استخدام الهاتف أثناء القيادة، أو عدم الالتزام بالقوانين.
وهذه السلوكيات قد تؤدي إلى فقدان الأرواح، وإلحاق الضرر بالناس.
قال الله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 195]، {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29].
فالقيادة المتهورة نوع من إلقاء النفس والناس إلى التهلكة.
أيها المسلمون: لقد شدد الإسلام أيضاً على حفظ أموال الناس وممتلكاتهم. عن أبي بكرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس فقال: (... فإن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، وأبشاركم، عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلغت. قلنا: نعم، قال: اللهم اشهد، فليبلغ الشاهد الغائب) رواه البخاري.
وحوادث المرور لا تؤدي فقط إلى خسائر بشرية، بل تسبب كذلك خسائر مالية ومادية كبيرة، من تحطم المركبات، وتلف الممتلكات العامة والخاصة؛ ولذلك فإن الالتزام بقواعد المرور هو حماية للأرواح والأموال معاً.
أيها المؤمنون: إن من القواعد الشرعية العظيمة التي قررها النبي ﷺ ما جاء في الحديث عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار) رواه ابن ماجه.
وهذا الحديث أصل كبير في الشريعة، ومعناه أن المسلم لا يجوز له أن يضر نفسه ولا أن يضر غيره.
والقيادة المتهورة التي تعرض الناس للخطر هي نوع من الإضرار بالآخرين، بل ومن الضرر بالنفس والمال.
أيها المسلمون: إن الالتزام بقواعد المرور يدخل كذلك في طاعة ولي الأمر في المعروف، وهو أصل مقرر شرعاً، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59].
وقد وضع ولي الأمر الأنظمة المرورية لتنظيم السير وحماية المجتمع.
فإذا التزم الإنسان بهذه الأنظمة فإنه يحقق مصلحة عامة ويحفظ الأرواح.
أما مخالفتها فهي نوع من الإضرار بالمجتمع.
عباد الله: إن الحوادث المرورية أصبحت اليوم من أكبر التحديات التي تواجه المجتمعات الحديثة.
فالإحصاءات العالمية تشير إلى أرقام صادمة.
فقد أظهرت تقارير منظمة الصحة العالمية أن حوالي 1.19 مليون إنسان يموتون سنوياً بسبب حوادث الطرق حول العالم، إضافة إلى عشرات الملايين من الإصابات والإعاقات.
كما أن ما بين 20 إلى 50 مليون شخص يتعرضون لإصابات غير قاتلة كل عام بسبب حوادث المرور، وكثير منهم يصابون بإعاقات دائمة تؤثر على حياتهم وحياة أسرهم.
بل إن حوادث الطرق أصبحت السبب الأول للوفاة بين الأطفال والشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و29 عاماً.
وهذه الأرقام تبين أن الحوادث المرورية ليست مجرد مشكلة عابرة، بل هي كارثة إنسانية وصحية واقتصادية.
أيها المسلمون: ولا تقتصر آثار الحوادث على فقدان الأرواح فقط، بل تمتد آثارها إلى المجتمع كله.
فالحوادث المرورية تسبب:
• فقدان الأب أو الأم، أو أحد أفراد الأسرة
• إصابات وإعاقات دائمة
• خسائر اقتصادية كبيرة
• ضغوطاً نفسية على الأسر
• تعطلاً في العمل والإنتاج
وتشير الدراسات إلى أن حوادث الطرق تكلف كثيراً من الدول حوالي 3% من الناتج المحلي الإجمالي بسبب الخسائر الاقتصادية والعلاجية.
أيها المؤمنون: ومن المؤلم أن كثيراً من هذه الحوادث يمكن تجنبها بسهولة إذا التزم الناس بقواعد المرور.
فكثير من الحوادث تحدث بسبب:
• السرعة الزائدة
• استخدام الهاتف أثناء القيادة
• عدم ربط حزام الأمان
• تجاوز الإشارات الضوئية
• القيادة تحت تأثير التعب أو النعاس
وقد أثبتت الدراسات أن زيادة السرعة بنسبة 1% قد تزيد احتمال الحوادث المميتة بنسبة 4%.
كما أن استخدام الهاتف أثناء القيادة يجعل السائق أكثر عرضة للحوادث بأربع مرات مقارنة بمن لا يستخدم الهاتف أثناء القيادة.
وهذه الأرقام تبين أن الالتزام بقواعد السلامة يمكن أن ينقذ آلاف الأرواح بإذن الله تعالى.
أيها المسلمون: إن الالتزام بقواعد المرور ليس مجرد خوف من العقوبة أو الغرامة، بل هو سلوك حضاري يدل على وعي الإنسان ورقي المجتمع.
فالمجتمعات المتقدمة تتميز بارتفاع مستوى الالتزام بالقوانين.
والسائق الواعي هو الذي: يحترم الإشارات المرورية، ويلتزم بالسرعة المحددة، ويفسح الطريق للآخرين، ويعطي الأولوية للمشاة، ويقود بروح المسؤولية.
فهذا السلوك يعكس أخلاق الإسلام التي تقوم على الرحمة والتعاون واحترام حقوق الآخرين.
أيها المؤمنون: إن المسؤولية في السلامة المرورية مسؤولية مشتركة.
فالسائق مسؤول، والمشاة مسؤولون، والآباء مسؤولون عن توعية أبنائهم، والمؤسسات التعليمية والإعلامية مسؤولة عن نشر ثقافة السلامة المرورية.
فينبغي علينا جميعاً أن نعمل من أجل تقليل الحوادث وحماية الأرواح.
عباد الله: إن من واجب الآباء أن يربوا أبناءهم على احترام النظام والالتزام بالقوانين.
وأن يعلموهم أن القيادة ليست مجرد مهارة، بل هي أمانة ومسؤولية، كما أنها ذوق وأخلاق.
فالسيارة قد تكون وسيلة نفع وخدمة، لكنها قد تتحول إلى أداة خطر إذا استُخدمت بتهور.
عباد الله: إن ديننا العظيم يدعو إلى الرفق والرحمة في كل شيء.
عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله) رواه البخاري.
عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) متفق عليه.
ومن أعظم صور السلامة أن يسلم الناس من أذى الإنسان في الطريق.
أيها المسلمون: فلنجعل من هذه المناسبة فرصة لمراجعة سلوكنا في القيادة.
ولنحرص على: الالتزام بقواعد المرور، واحترام الإشارات المرورية، وتجنب السرعة الزائدة، وعدم استخدام الهاتف أثناء القيادة، وربط حزام الأمان، والانتباه للمشاة، ونحو ذلك.
حتى نحافظ على أنفسنا وعلى الآخرين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله.
اتقوا الله عباد الله: فإن تقوى الله سبب للفلاح والفوز في الدارين، وخير زاد للقدوم على الله سبحانه.
أما بعد:
أيها المسلمون: اعلموا أن الطرقات أمانة، وأن سلامة الناس مسؤولية مشتركة.
فالتزموا بقواعد المرور، واحرصوا على حماية الأرواح والممتلكات.
وتذكروا أن لحظة تهور قد تسبب مأساة لا تُنسى.
فكم من بيت فقد عزيزاً بسبب حادث مروري، وكم من أسرة تغيرت حياتها بسبب لحظة غفلة.
فلنكن قدوة في احترام النظام، ولنعكس أخلاق الإسلام في تعاملنا في الطريق.
هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة عليه، كما قال رب العزة جل جلاله، {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].