
الخطبة الأولى
الحمدُ للهِ الملكِ الحقِّ المبين، الذي خلق الخلق لعبادته، واستخلفهم في أموالِه لينظر كيف يعملون، أحمده سبحانه وأشكره، أمرَ بالعدل والإحسان، ونهى عن الظلم والطغيان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل الزكاة طُهرةً للأموال، ونماءً للأرزاق، وصيانةً للمجتمعات، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله، بيَّن أحكامها، وحدَّد أنصبتها، وحذَّر من منعها، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
معاشر المؤمنين: أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل وطاعته، فهي وصية الله للأولين والآخرين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102].
أما بعد:
عباد الله: اعلموا أن من أعظم ما افترضه الله على عباده بعد توحيده وإقامة الصلاة: الزكاة، وهي ركنٌ عظيمٌ من أركان الإسلام، لا يقومُ بنيانُه إلا به، فهي الركن الثالث من أركان الإسلام، وقد قرنها الله بالصلاة في مواضع كثيرة من كتابه، فقال تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} [البقرة: 43]،
وقال سبحانه في وصف المؤمنين: {وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ} [المؤمنون: 4].
وقال جل جلاله: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [التوبة: 103]، فهي طُهرةٌ للمال من الشحِّ والحرام، وزكاءٌ للنفس من البخل، ونماءٌ للمال بالبركة والزيادة، وبها يتحقق التكافلُ بين أفراد المجتمع، ويُسدُّ خَلَّةُ الفقير، وتُصانُ كرامةُ المحتاج.
وهي عبادةٌ مالية عظيمة، تُظهر صدق العبودية، وتجمع بين حق الله وحق العباد، وتُحقق مقاصد عظيمة في الدين والدنيا.
أيها المسلمون: إن للزكاة مكانة كبيرة في الإسلام، فهي ليست نافلةً ولا إحسانًا اختياريًا، بل هي فريضةٌ محكمة، وحقٌّ واجبٌ في المال. عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان) متفق عليه.
وقد أجمع المسلمون على فرضيتها، ومن جحد وجوبها كفر، ومن منعها بخلاً مع اعتقاده وجوبها فقد ارتكب كبيرة عظيمة، واستحق الوعيد الشديد، وتأخذ منه عنوة ويعزر، وإن اجتمع جماعة على منعها قوتلوا؛ كما فعل أبو بكر والصحابة لما ارتدَّت بعض القبائل بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ومنعت الزكاة، فقاتلهم أبو بكر رضي الله عنه، وقال كلمته المشهورة: "والله لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة"، فكانت الزكاة معيارًا لصدق الانتماء إلى الإسلام.
عباد الله: وللزكاة فضل وأثر كبير في حياة الناس دنياهم ودينهم:
فهي سببٌ لرضا الله، ومغفرة الذنوب، ونيل البركة في المال. قال تعالى: {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} [الروم: 39]؛ أي يضاعَف لهم الأجر. عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما نقصت صدقة من مال) رواه مسلم.
فبيَّن أن الصدقة لا تُنقص المال، بل تزيده بركةً وخلفًا.
وفي الحديث القدسي: عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله: أنفق يا ابن أدم أنفق عليك) متفق عليه.
وهو وعدٌ صادقٌ من ربِّ العالمين بالخلف لمن أنفق في سبيله.
والزكاة دليلُ صدق الإيمان؛ إذ يبذلُ العبدُ شيئًا من أحبِّ ما يملك طاعةً لربه، ولذلك سُمِّيت صدقةً؛ لأنها تصدِّق دعوى الإيمان. وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يعظمون شأنها، حتى قاتل أبو بكرٍ رضي الله عنه من منعها، وقال: "والله لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة"، فدلَّ على عظيم منزلتها.
وهي سببٌ عظيم لنزول البركة، وحلول الخير، ودفع البلاء. قال تعالى: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} [البقرة: 276]، فكما أن الربا سببٌ للمحق، فإن الزكاة سببٌ للنماء والزيادة.
ومن فضائلها: أنها تُطهر القلب من الشح، قال تعالى: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9].
وهي سبب لدخول الجنة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي بعد أن ذكر له شرائع الإسلام ومنها الزكاة فقال الأعرابي "لا أزيد ولا أنقص، قال صلى الله عليه وسلم: (أفلح إن صدق) متفق عليه.
كم أنها سبب لتكفير السيئات ورفع الدرجات.
وهي أيضاً تحقق التكافل الاجتماعي، وتسد حاجة الفقراء، وتُشيع المودة بين الناس.
أيها المسلمون: إن منع الزكاة نذير شر وفساد عريض في المجتمع، ومانع الزكاة على خطر عظيم. وتنتظره عقوبة جسيمة يوم القيامة، قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ} [التوبة: 34، 35].
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من صاحب ذهب، ولا فضة لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه، وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار ...) الحديث، ثم ذكر مثل تلك العقوبة في حق صاحب الإبل، والبقر، والغنم، رواه مسلم.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له ماله شجاعا أقرع، له زبيبتان، يطوقه يوم القيامة، يأخذ بلهزمتيه - يعني بشدقيه - يقول: أنا مالك أنا كنزك). ثم تلا هذه الآية: {ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله}. إلى آخر الآية) رواه البخاري.
وهذا وعيدٌ شديدٌ يدل على خطورة التفريط في هذا الركن العظيم، وأن المال الذي لم تُؤدَّ زكاته يكون يوم القيامة وبالاً على صاحبه، نعوذ بالله من الخذلان.
ومن العقوبات في الدنيا لمنع الزكاة: أنها سبب لنزول العقوبات العامة، عن عبد الله بن عمر، قال: أقبل علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: (يا معشر المهاجرين، خمس إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن .. ولم يمنعوا زكاة أموالهم، إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا..) رواه ابن ماجه.
معاشر المؤمنين: ولوجوب الزكاة شروط لا بد من توافرها، وهي كالتالي:
1. الإسلام، فلا تجب على الكافر.
2. ملك النصاب، وهو مقدارٌ محددٌ من المال.
3. حولان الحول في الأموال التي يشترط لها الحول.
4. والنصاب وهو المقدار الذي إذا بلغه المال وجبت فيه الزكاة. ونصاب الذهب عشرون مثقالًا (نحو 85 جرامًا)، ونصاب الفضة مئتا درهم (نحو 595 جرامًا)، وأما الأموال النقدية فتقوم بقيمة نصاب الذهب.
عباد الله: أما الأموال التي تجب فيها الزكاة فهي:
1. النقود: (الذهب والفضة وما يقوم مقامهما من العملات): إذا بلغت النصاب وحال عليها الحول، ومقدارها ربع العشر (2.5%).
2. عروض التجارة:
وهي كل ما أُعدَّ للبيع والشراء بقصد الربح، فتُقوَّم بسعر السوق عند تمام الحول، ثم يُخرج ربع عشر قيمتها.
3. زكاة الزروع والثمار:
إذا بلغت خمسة أوسق، ففيها العشر إن كانت تُسقى بلا مؤونة، ونصف العشر إن كانت تُسقى بكلفة، عن معاذ قال: بعثني النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن ".. وأمرني فيما سقت السماء العشر، وما سقي بالدوالي نصف العشر" رواه أحمد.
4. زكاة بهيمة الأنعام:
"الإبل والبقر والغنم"، ولها أنصبة مفصلة، إذا بلغت النصاب، وحال عليها الحول، وكانت سائمة.
5. زكاة المعادن والركاز:
عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (.. وفي الركاز الخمس) متفق عليه.
معاشر المؤمنين: وللزكاة مصارف حددها الله في قوله: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 60].
فهم ثمانية أصناف، ولا يجوز صرفها في بناء المساجد أو المشاريع العامة إذا وُجد المستحقون من الأصناف الثمانية.
أيها المسلمون: ونذكر هنا بمسائل مهمة:
يجوز تعجيل الزكاة قبل حولان الحول لمصلحة معتبرة، وتعجل لعام واحد فقط وبشروط معروفة.
لا يجوز تأخيرها بعد وجوبها بلا عذر.
لا زكاة في المال المخصص للاستعمال الشخصي كالمسكن والمركب.
يجوز دفع الزكاة للأقارب غير الواجب نفقتهم، وهو أفضل لصلة الرحم.
من مات وعليه زكاة لم يؤدها، أُخرجت من تركته قبل تقسيمها.
ومما ينبغي التنبه له: زكاة الفطر: فقد فرضها النبي صلى الله عليه وسلم طُهرة للصائم، وطعمة للمساكين، ومقدارها صاع من طعام، وتُخرج قبل صلاة العيد، ولو أخرجها الصائم قبل العيد بيومين أو أكثر جاز ذلك.
أقول ما سمعتم وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله حمداً كثيراً، والصلاة والسلام على رسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
عباد الله: أوصيكم بتقوى الله في السر والعلن، فهي حبل النجاة من المحن والفتن، وخير زاد ليوم العرض العظيم.
أما بعد:
معاشر المؤمنين: إن لإعطاء الزكاة آثار حسنة وجلية في إصلاح المجتمع؛ لأن الزكاة ليست مجرد إخراج مال، بل نظامٌ اقتصادي رباني، له فوائد كثيرة، ومنها:
تعالج الفقر.
تقلل الفوارق الطبقية.
تمنع الاحتكار.
تُعيد توزيع الثروة بعدل.
تُشيع الطمأنينة في المجتمع.
ولو أُدِّيت كما أمر الله، لما وُجد فقير محتاج.
وختاماً هذه بعض وصايا للمزكّين:
احتساب الأجر عند الله.
تحرّي المستحقين.
عليك بالإخلاص وعدم المنّ.
المبادرة قبل حلول الوعيد.
شكر نعمة المال بأداء حق الله فيه.
عباد الله: إن المال مال الله، وأنتم مستخلفون فيه، وسيُسأل كل عبدٍ عن ماله: من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟ فطوبى لمن أدّى حق الله فيه، ونقّى ماله بالزكاة، وجعل دنياه مزرعةً لآخرته.
هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، بقول ربنا سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].