
الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}(آل عمران:102)، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أما بعد، أيها المسلمون:
مِنْ أهم ما ينبغي أنْ نتفكّر فيه، وأن نتأمّله بعقولنا وقلوبنا، الفرق الكبير بين موازين الله تعالى وموازين البشر، فإننا كثيرًا ما نقع في خطأ جسيم حين نقيس ونزن الناس والأحوال بميزان الدنيا، فننظر إلى المال والجاه والمنصب، ونُقَيِّم الأشخاص بما يملكون أو بما يظهر لنا من مظاهر زائلة، بينما يكون الأمر عند الله تعالى مختلفًا تمام الاختلاف..فالله سبحانه لا ينظر إلى الصور ولا إلى الأموال، وإنما ينظر إلى القلوب والأعمال، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إلى صُوَرِكُمْ وأَمْوالِكُمْ، ولَكِنْ يَنْظُرُ إلى قُلُوبِكُمْ وأَعْمالِكُمْ) رواه مسلم.
ومن هنا كان لزامًا علينا أنْ نُصحح نظرتنا، وأن نُقوم ميزاننا، فننظر إلى الأمور من خلال منظار الشرع، لا من خلال الهوى والعادات والتقاليد، ولا بما استحدثه الناس من موازين دنيوية باطلة، فميزان الله الذي علمه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يلتفت إلى الفوارق في اللون أو الجنس أو النسب، ولا يرجع إلى الجاه أو المال أو المنصب، وإنما التفاضل فيه بالتقوى والعمل الصالح،قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}( الحجرات:13). فلا نجد في كتاب الله آية واحدة تمدح أحدًا بنسبه، ولا تذم أحدًا بنسبه، وإنما المدح للإيمان والتقوى، والذم للكفر والفسوق والعصيان..
وقد خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فقال: (أيها الناس، ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي، ولا لأسود على أحمر، ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى، إنَّ أكرمَكم عند اللهِ أتقاكم، ألا هل بلَّغتُ؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: فليُبلِغِ الشَّاهدُ الغائبَ) رواه أحمد.
هذا هو الميزان الحق، ميزان الله الذي لا يحابي أحدًا، ولا يظلم أحدًا، ولا يرفع أحدًا إلا بما معه من تقوى وعمل صالح، ولا يضع أحدًا إلا بما اقترف من معصية.. أما موازين البشر فهي موازين ناقصة، قد ترفع من لا يستحق، وتضع من هو عند الله عظيم، فكم من فقير لا يلتفت إليه الناس، وهو عند الله من أهل الجنة، وكم من غني مترف يشار إليه بالبنان، وهو عند الله من أهل النار. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (رُبَّ أشعثَ أغبرَ، ذي طِمرَين، لا يُؤبَهُ له، لو أقسمَ على اللهِ لأبرَّهُ) رواه مسلم.
أيها المؤمنون: إن ميزان الله هو الحق الثابت الذي لا يتغير ولا يتبدل، وعلينا أن نجعل هذا الميزان معيارًا في الحكم على الناس والمواقف، لا أن نحتكم إلى موازين الدنيا، فالعبرة ليست بالصور ولا بالمظاهر، ولا بالمال ولا بالجاه، وإنما بما تحمله القلوب من إيمان، وما تجسده الأعمال من صلاح وتقوى، وقد جاءت مواقف النبي صلى الله عليه وسلم وأحاديثه لتؤكد أن الميزان الصحيح للإنسان إنما يكون بالتقوى والعمل الصالح، لا بالمناظر ولا بالمظاهر، وسنضرب على ذلك بعض الأمثلة من سيرته العطرة وأقواله المضيئة..
عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: مرَّ رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأل النبي رجلاً من أشراف القوم عن رأيه فيه، فقال: هذا حريّ إن خطب أن يُنكح (أي يُزَوَّج)، وإن شفع أن يُشفّع. فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، ثم مرّ رجل آخر، فسأل عنه، فقيل: هذا من فقراء المسلمين، لا يُنكح إن خطب، ولا يُشفّع إن شفع، ولا يُسمع لقوله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هذا خير من ملء الأرض مثل هذا) رواه البخاري.
وكان هذا الرجل الفقير هو جُعيل رضي الله عنه، وكان رجلاً صالحًا دميم الشكل، ومع ذلك شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالخيرية والفضل، مؤكّدًا أن ميزان التفاضل ليس بالجاه ولا بالمال ولا بالمظهر والشكل، وإنما بالصلاح والتقوى. وفي هذا الموقف النبوي بيان واضح أن الاعتبار عند الله إنما يكون بالآخرة، وأن قيمة الإنسان تُقاس بما في قلبه من إيمان، وما في عمله من صدق واستقامة..
ومن المواقف البليغة التي تُظهر الميزان النبوي للناس وللرجال، ما رواه أبو ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لي: (انظرْ أرفعَ رجلٍ في المسجدِ قال : فنظرتُ فإذا رجلٌ عليهِ حُلَّةٌ قلتُ: هذا، قال لي: انظرْ أوضعَ رجلٍ في المسجدِ قال: فنظرتُ، فإذا رجلٌ عليهِ أخلاق (أي ثياب قديمة بالية)، قلتُ : هذا، فقال رسولُ اللهِ لَهَذَا عندَ اللهِ خيرٌ يومَ القيامةِ مِن ملءِ الأرضِ مثلَ هذا) رواه أحمد.
وهذا الموقف النبوي يفتح لنا باب التأمل في نظرتنا إلى الناس: فكم من فقيرٍ نراه بثيابٍ مُمْتهَنة وهيئةٍ متواضعة، فلا نكاد نلتفت إليه، وربما ظننا أنه لا وزن له ولا قيمة في المجتمع بحسب مقاييس الدنيا.. وفي المقابل، إذا رأينا صاحب منصب أو ثياب فاخرة، أسرعنا إلى تعظيمه وإكرامه، وجعلنا له مكانةً تفوق غيره، وهذه النظرة المادية المحدودة هي التي أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يصححها في نفوس أصحابه، فبيّن لهم أن معيار التفاضل عند الله تعالى ليس بالغنى ولا بجمال المظهر، وإنما بما يحمله القلب من إيمان صادق، وما يثمره العمل من صلاحٍ وتقوى، فالقيمة الحقيقية للإنسان تُقاس بميزان الآخرة لا بميزان الدنيا، وبما يُرضي الله لا بما يُرضي أعين الناس.
عباد الله: تأملوا معي هذا المشهد الذي قد يتكرر في حياتنا اليومية، حين نرى رجلاً قصير الساقين، أو أسود البشرة، أو أعور العين، أو مُبتلى في أنفه أو أطرافه، أو غير ذلك من مظاهر النقص في الخِلقة، بعض الناس ـ للأسف ـ ينظرون إليه بلا مبالاة، وربما بشيء من الازدراء، لأن صورته الظاهرة لا توافق مقاييس الجمال الدنيوي، ولكن الحقيقة الكبرى أن المسألة ليست بالشكل ولا بالصورة، وإنما هي بالميزان الرباني الحق: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}(الحجرات: 13).
وهذا المعنى والميزان العظيم لم يكن مجرد شعار، بل كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصاً على غرسه في نفوس أصحابه، ليبقى راسخاً في الأمة من بعدهم، فقد روى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أنه صعد شجرةً ليأخذ منها سواكاً، وكان دقيق الساقين صغيرهما، فضحك بعض الصحابة من نحافتهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ممَّ تضحكون؟ قالوا: يا نبي الله، من دقة ساقيه، فقال: والذي نفسي بيده، لهما أثقل في الميزان من أُحُد) رواه أحمد. فانظروا كيف صحح النبي صلى الله عليه وسلم الموازين، ليبين أن القيمة ليست في الشكل، وإنما في ما يزن عند الله يوم القيامة..
ولم يقف الأمر عند هذا الموقف فحسب، بل كان النبي صلى الله عليه وسلم يلفت أنظار الناس مراراً إلى أن القضية ليست بجمال الصورة ولا حُسن الهيئة، وإنما بالإيمان الذي يملأ القلب ويظهر أثره في العمل، ومن ذلك ما رواه أنس رضي الله عنه: أن رجلاً من أهل البادية يُدعى زاهراً، وكان دميم الشكل، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبيع شيئاً له في السوق، فاحتضنه من خلفه مداعباً، فقال زاهِر: من هذا؟ أرسلني، فلما التفت عرف النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل النبي يقول: (مَن يشتري مني هذا العبد؟ فقال زاهر: إذن تجدني كاسداً، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ولكنك عند الله لست بكاسد) رواه أحمد.
وهكذا يتضح لنا أن الميزان الحق هو ميزان الإيمان والتقوى، لا ميزان الصور والأشكال، وأن ما يراه الناس نقصاً قد يكون عند الله رفعة وفضلاً، وما يظنونه كمالاً قد يكون عند الله هواناً ووبالاً، فليكن نظرنا إلى الناس بعين الشرع لا بعين الهوى، وبميزان الآخرة لا بميزان الدنيا..
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد، عباد الله:
إن الميزان الرباني والنبوي للناس ليس بالمظهر ولا بالمال، ولا بالحسب ولا بالجاه، وإنما هو ميزان التقوى والإيمان والعمل الصالح، ومن الأمور التي ينبغي أن نُمعن النظر فيها، الفرق بين ميزان الله وموازين البشر، إذ كثيرًا ما نحكم على الأشخاص والأحوال من منظار الدنيا، بينما يكون الأمر عند الله مختلفًا تمام الاختلاف، ومن هنا كان لابد أن نقوم الميزان، فننظر إلى الأمور من خلال منظار الشرع لا من خلال الهوى والدنيا..
ولكن ليس معنى هذا أن نُهمل أنفسنا في المظهر، أو نتمنى الفقر والضعف، كلا، فقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن الكِبر ليس في لبس الثوب الحَسن أو الاهتمام بالهيئة، وإنما هو رفض الحق واحتقار الناس، وقال: (إن الله جميل يحب الجمال) رواه مسلم.
فالله يحب النظافة والجمال وحُسن الهيئة ما دام لا يورث في القلب كِبْراً وتعالياً، فالتجمّل قيمة إسلامية وسُنة نبوية، يكون في المظهر والمسكن والمركب بلا إسراف ولا كِبْر أو غرور، ويكون كذلك في الأخلاق والمعاملات، فكن جميلاً في صورتك وجميلاً في خُلقك، واترك وراءك أثراً طيباً من الأقوال والأفعال..
ونحن كذلك لا نتمنى المرض ولا الفقر، بل نسأل الله العفو والعافية والغِنى عن الناس، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (نِعْم المال الصالح للمَرْء الصالح) رواه الحاكم، وقال: (الْمُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلى اللهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وفي كُلٍّ خَيْرٌ) رواه مسلم. ومع ذلك، فإن أصابنا شيء من فقر أو ابتلاء، فليس ذلك ميزانا لنا ولا دليلاً على بغض الله لنا، بل قد يكون علامة على محبته سبحانه، كما قال صلى الله عليه وسلم: (إن عِظم الجزاء مع عِظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط) رواه الترمذي.
وختاماً: نحن نعيش في زمان انقلبت فيه الموازين عند كثير من الناس، فصاروا يفاضلون بين الرجال والناس بالمظهر والمال والجاه، دون النظر إلى الدين والتقوى والعمل الصالح، وهذا خلل بيّن وانحراف عن الميزان الرباني والنبوي، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا فضلَ لِعربِيٍّ على عجَمِيٍّ، ولا لِعجَمِيٍّ على عربيٍّ، ولا لأحمرَ على أسْودَ، ولا لأسودَ على أحمرَ، إلَّا بالتَّقوَى، إنَّ أكرَمكمْ عند اللهِ أتْقاكُمْ) رواه أحمد.
هذا وصلوا وسلموا على السراج المنير، والهادي البشير، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً}(الأحزاب:56)..