
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي شرع المناسك تعظيماً لذكره، وشرع القربات وسيلة لنيل بره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل الأضاحي من شعائر دينه، فقال سبحانه: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ضحى بكبشين أملحين أقرنين، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه والتابعين.
معاشر المؤمنين: أوصيكم بتقوى الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحشر: 18]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70-71].
أما بعد:
أيها المسلمون: اعلموا أنكم في أيام مباركات، يستعد فيها المؤمنون للتقرب إلى خالقهم بواحدة من أعظم الشعائر، وهي الأضحية. تلك السنة المؤكدة التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم وحث عليها، وهي إحياء لسنة أبينا إبراهيم عليه السلام، حين فدا الله ولده بذبح عظيم.
عباد الله: لقد حصل لأبينا إبراهيم الكثير من الابتلاء والامتحان، فقد جاهد في الله حق الجهاد ضد أبيه وقومه وكادوا له وألقوه في النار لكن نجاه الله سبحانه منها، وبعد ذلك هاجر إبراهيم عليه السلام من بلاد قومه، وبنى البيت العتيق هو وابنه إسماعيل عليهما السلام، حتى صار مأوىً يأوي إليه الناس حيث أجاب الله دعوته حين قال: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} [إبراهيم: 37]؛ فأجاب الله تلك الدعوة، وصار البيت العتيق مأوىً للمسلمين يأوون إليه كل عام.
وعندما هاجر من بلاد قومه سأل ربه أن يهب له ولداً صالحاً، فبشره الله تعالى بغلامٍ حليم، وهو إسماعيل عليه السلام، فلما بلغ معه السعي؛ أي شب وترعرع وصار يسعى في مصالح أبيه؛ رأى إبراهيم عليه السلام في المنام أنه يؤمر بذبح ولده إسماعيل، ورؤيا الأنبياء عليهم السلام وحي، وهذا اختبار من الله عز وجل لخليله بأن يذبح هذا الولد العزيز الذي جاءه على كبر في السن، فامتثل أمر الله في ذلك، وسعى إلى طاعة رب العالمين، ثم عرض ذلك على ولده إسماعيل ليكون أطيب لقلبه، وأهون عليه من أن يأخذه قسراً، فاستجاب لأمر الله، وقد حكى القرآن هذا المشهد، {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} [الصافات: 102].
عباد الله: هذا الجواب في غاية التذلل والخضوع لأمر الله سبحانه وتعالى، {فَلَمَّا أَسْلَمَا} أسلما أمرهما إلى الله، الوالد أسلم أمره لطاعة الله، والابن أسلم أمره لطاعة أبيه، {وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ}؛ أي: ألقاه على وجهه، قال بعض المفسرين: "أراد أن يذبحه من قفاه لئلا يشاهده وهو يذبح فتدركه الرحمة، وقيل: بل أضجعه كما تضجع الذبائح، فبقي طرف جبينه لاصقاً في الأرض، وسمى إبراهيم وكبّر، وتشهد الولد للموت، وجعل إبراهيم يمرر السكين على حلق إسماعيل، ولم تقطع شيئاً". يقول بعض المفسرين: "جُعل بين السكين والحلق صفيحة من نحاس، والله أعلم بذلك"، فلما علم الله عز وجل صدق إبراهيم. وصبر إسماعيل قال عز وجل: {وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}؛ أي: قد حصل المقصود، ونجحت في الامتحان في طاعة رب العالمين، ومبادرتك إلى تلبية نداء ربك: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ}؛ أي: الاختبار العظيم أو النعمة البينة.
{وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ}؛ عند ذلك فداه الله بذبحٍ عظيم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: "خرج عليه كبش من الجنة. قد رعى قبل ذلك أربعين خريفا، فأرسل إبراهيم ابنه واتبع الكبش".
معاشر المؤمنين: ومن هنا سن لكم أن تحذو حذو أبيكم إبراهيم عليه السلام، فشرعت الأضاحي التي تتقربون بها إلى ربكم، وتنفقون بها نفائس أموالكم؛ فإن هذه الأضاحي سنة أبيكم إبراهيم، ونبيكم محمد عليهما أفضل الصلاة والتسليم.
عباد الله: اعلموا أن الأضحية أفضل من الصدقة بثمنها، وهي سنة مؤكدة جداً لمن يقدر عليها، فضحوا عن أنفسكم وأهليكم وأولادكم والوالدِين، وذلك بواحدة تجزئ عن البيت جميعاً؛ ليحصل الأجر العظيم للجميع، واقتدوا بنبيكم صلى الله عليه وسلم؛ حيث ضحى عنه وعن أهل بيته، ويكفي أن يضحي واحد لجميع أهل البيت، وفضل الله واسع.
أيها المسلمون: لقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم آداباً لمن أراد أن يضحي، فمن عزم على الأضحية ودخلت عليه عشر ذي الحجة، فإنه يشرع له ألا يأخذ من شعره ولا من أظفاره ولا من جلده شيئاً حتى يذبح أضحيته؛ عن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يمس من شعره وبشره شيئا) رواه مسلم. وهذا الحكم للرجل أو المرأة التي تملك الأضحية، أما بقية أهل البيت ممن يضحى عنهم فلا يشملهم النهي.
عباد الله: والأضحية تكون من بهيمة الأنعام: إما من الإبل، أو البقر، أو الضأن، أو المعز، ولكن لا تجزئ إلا بشرطين بيّنهما الفقهاء استناداً إلى السنة المطهرة:
الأول: أن تبلغ السن المعتبرة شرعاً.
فلا تجزئ الأضحية إلا إذا بلغت السن المحدد؛ وهو في الغنم (الضأن) ما تم له ستة أشهر، وفي المعز ما تم له سنة، وفي البقر ما تم له سنتان، وفي الإبل ما تم له خمس سنين.
والشرط الثاني: أن تكون سليمة من العيوب التي تمنع الإجزاء. فإنكم تقدمون قرباناً لرب العالمين، فينبغي ألا تقدموا إلا أطيبها وأكملها. وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أربع لا تجزئ في الأضاحي، فقال: (أربع لا تجزئ: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ظلعها، والكسير التي لا تنقي) رواه الخمسة. فهذه هي العيوب التي تمنع من الإجزاء، وكلما كانت الأضحية أكمل في لحمها ومنظرها كان ذلك أعظم لأجر صاحبها.
معاشر المؤمنين: وهذه جملة من الأحكام والآداب في الأضحية:
من كان منكم يحسن الذبح فليذبح أضحيته بيده، ومن كان لا يحسن فليذبح عند الأتقياء، فذلك أفضل.
وأما وقت الذبح فيبدأ من بعد صلاة العيد، ومن ذبح قبل الصلاة فهي شاة لحم وليست أضحية. ويمتد وقت الذبح إلى غروب شمس آخر أيام التشريق (أي اليوم الثالث عشر من ذي الحجة). فمن ذبح في هذه الأيام ليلاً أو نهاراً أجزأته.
واحذروا أن تذبحوا قبل الوقت المحدد للأضحية شرعاً، وهو الفراغ من صلاة العيد، والأفضل أن يُنتظر حتى يفرغ الإمام من الخطبتين.
وكلوا من الأضاحي، واهدوا، وتصدقوا، ولا تعطوا الجزار أجرته منها، بل أعطوه أجره من غيرها، وأعطوه صدقة إن كان فقيراً.
أقول ما سمعتم وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله حمداً كثيراً، والصلاة والسلام على رسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
عباد الله: أوصيكم بتقوى الله في السر والعلن، فهي حبل النجاة من المحن والفتن، وخير زاد ليوم العرض العظيم.
أما بعد:
يسن للمضحي أن يأكل من أضحيته، ويهدي منها، ويتصدق. وقد استحب كثير من العلماء تقسيمها أثلاثاً: ثلث للأكل، وثلث للهدية، وثلث للصدقة. وعند الذبح، ارفقوا بالبهيمة، وأحدّوا الشفرة، ووجهوها للقبلة، وقولوا: (باسم الله، والله أكبر، اللهم هذا منك ولك، اللهم تقبل مني).
عباد الله: احرصوا على الأضحية غاية الحرص ما دام أنكم تجدون سعة من المال؛ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من وجد سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا) رواه أحمد.
وطيبوا بها نفساً، واعلموا أن من لم يستطع الأضحية لفقره فقد ضحى عنه النبي صلى الله عليه وسلم حين ذبح كبشاً وقال: (اللهم هذا عمن لم يضح من أمتي) رواه الترمذي.
هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، بقول ربنا سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].