عشر ذي الحجة أفضل أيام الدنيا

07/04/2026| إسلام ويب

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي فضل يوم عرفة على سائر الأيام، وجعله لعقد أيام العام واسطة النظام، وأكمل فيه الدين وأتم الإنعام، ورضي الإسلام لعباده المؤمنين ديناً موصلاً إلى دار السلام، وجَعَله موسماً لعتق الرقاب، ومغفرة الذنوب والآثام، فسبحانه من إله عظيم لا يُماثَل ولا يضاهى ولا يرام، أحمده سبحانه على إحسانه العام، وأشكره على التوفيق للإيمان والإسلام، وأسأله أن يثبتنا على ذلك وأن يحسن لنا الختام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة نرجو بها النجاة من النار والفوز بدار السلام، ونشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله المخصوص بأكمل خُلُق وأرفع مقام، أفضل من صلى وصام، وأتقى من راح بالمشاعر وطاف بالبيت الحرام. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه الأئمة الأعلام، ومصابيح الظلام، صلاة وسلاماً دائمَين متعاقبَين بتعاقب الليالي والأيام.

أيها المسلمون: أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل وطاعته، فهي وصية الله للأولين والآخرين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ‌حَقَّ ‌تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ‌وَلْتَنْظُرْ ‌نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحشر: 18]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) ‌يُصْلِحْ ‌لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70-71].

أما بعد:

معاشر المسلمين: إنكم قاب قوسين أو أدنى من حلول موسم عظيم، الناس فيه صنفان: إما قاصدٌ بيت الله الحرام حاجاً أو معتمراً، يتعرض لنفحات خالقه ومولاه في عرصات المناسك المباركة، وإما قاعدٌ في أرضه لم يُقدَّر له بلوغ رحاب البيت العتيق، إما لعرضٍ أو لمرض، لم يكونا مانعين -بإذن الله- من أن يتلَّقى عشر ذي الحجة المباركة فيعمل فيها أعمالاً أجرها عظيم وثقلها في الميزان كبير، وهي تفوق أفضل العبادات في سبيل الله والذي هو ذروة سنام الإسلام، ألا وهو الجهاد في سبيل الله.
عن ‌ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام يعني: أيام العشر قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، قال: ‌إلا ‌رجل ‌خرج ‌بنفسه ‌وماله فلم يرجع من ذلك بشيء) رواه أبو داود.

عباد الله: إن هذه العشر هي "أفضل أيام الدنيا" بنص حديث النبي صلى الله عليه وسلم. وقد اجتمع فيها من العبادات ما لم يجتمع في غيرها؛ ففيها الصلاة والصيام والصدقة والحج، ولا يجتمع ذلك إلا في هذه الأيام المباركة.

فتأملوا يا رعاكم الله، كيف يكون التسبيح فيها، والصدقة، والذكر، أعظم أجراً من الجهاد في سبيل الله! الجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام، إلا صورة واحدة من الجهاد وهي ذهاب كل ما عند المسلم؛ نفسه، وماله؛ إنها فرصة العمر التي لا تعوض، وموسم التجارة الرباني الذي لا يخسر.

وهذه الأيام التي نحن مقبلون عليها هي أعظم أيام العام عند الله، أيام اختصها الله بالفضل، ورفع شأنها في الذكر، إنها "عشر ذي الحجة". تلك الأيام التي أقسم الله بها في كتابه فقال: {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ} [الفجر: 1 - 2].
وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أن عشر ذي الحجة هي المقصودة في هذه الآية، قال ابن كثير رحمه الله: "والليالي العشر: المراد بها عشر ذي الحجة. كما قاله ابن عباس، وابن الزبير، ومجاهد، وغير واحد من السلف والخلف".

وبالجملة فهذه العشر قد قيل: إنها أفضل أيام السنة كما نطق بذلك الحديث، وفضَّلها الكثير على عشر رمضان الأخيرة؛ لأنه يشرع فيها ما لا يشرع في غيرها؛ من صيامٍ وصدقةٍ وغيرها، وتمتاز باختصاصها بأداء فرض الحج فيها.

والحاصل -عباد الله-: أن النصوص دلت بمنطوقها ومفهومها على أن كل عملٍ صالح يقع في هذه الأيام، فهو أحب إلى الله تعالى من العمل نفسه إذا وقع في غيرها، كما أن الأعمال في هذه العشر تتنوع إلى الصوم والصدقة والتوبة النصوح، والإكثار من التسبيح والتحميد والتهليل، كما أن فيها الأضحية والحج، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من أيام أعظم عند الله، ولا أحب إليه من العمل فيهن من هذه الأيام العشر فأكثروا فيهن من التهليل، والتكبير، والتحميد) رواه أحمد .

فاتقوا الله، وشمّروا لطلب الخيرات قبل فواتها، واغتنموا الأعمال الصالحات في أوقاتها، فمنها الأيام المفضلات المخصوصة بالتشريف في محكم الآيات، وهن الأيام العشر المعلومات، عشر ذي الحجة، وفيها اليوم التاسع المخصوص بالفضل العظيم في القرآن العظيم، فاغتنموا فضله، واحذروا الموانع والقواطع من الذنوب، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خير الدعاء دعاء يوم عرفة، ‌وخير ‌ما ‌قلت ‌أنا ‌والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) رواه الترمذي.

ومن الأعمال المستحبة في العشر:
الإكثار من ذكر الله: فقد قال الله تعالى: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} [الحج: 28].

والسنة فيها رفع الصوت بالتكبير المطلق في الأسواق والبيوت والمساجد، فيقول المسلم: (الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد)، ويكثر من هذه التكبيرات في كل وقت وحين.

ومن الأعمال المستحبة الصيام: فيسن صيام التسعة الأولى منها، وآكدها صيام يوم "عرفة" لغير الحاج، وهي داخلة في نص الحديث (ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام)، والصوم من أعظم العمل الصالح كما في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى: (كل عمل ابن آدم له ‌إلا ‌الصوم، ‌فإنه ‌لي وأنا أجزي به) متفق عليه. وأما صوم يوم عرفة فقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن صومه فقال: (أحتسب على الله أن ‌يكفر ‌السنة ‌التي قبله، والسنة التي بعده) رواه مسلم. فيا له من فضل عظيم، صيام يوم واحد يمحو ذنوب سنتين!

ومن الأعمال المستحبة التوبة الصادقة: فالمواسم العظيمة هي أوقات لغسل الذنوب والرجوع إلى علام الغيوب، فبادروا بالتوبة قبل فوات الأوان.

ومن الأعمال المستحبة: تلاوة القرآن والصدقة: فهذه أيام عمل واجتهاد، وليست أيام كسل أو غفلة؛ وكثرة الأعمال فيها إغاظة للشيطان، وخاصة في هذه الأيام، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما رئي الشيطان يوما، هو فيه ‌أصغر ‌ولا ‌أدحر ولا أحقر ولا أغيظ، منه في يوم عرفة. وما ذاك إلا لما رأى من تنزل الرحمة، وتجاوز الله عن الذنوب العظام، إلا ما أري يوم بدر. قيل وما رأى يوم بدر يا رسول الله؟ قال: أما إنه قد رأى جبريل يزع الملائكة) رواه مالك في الموطأ.

معاشر المؤمنين: دلت السنة على أن من أراد أن يُضحِّي، وقد دخلت عليه العشر فلا يأخذنَّ من شعره أو أظفاره شيئاً حتى يُضحِّي، عن ‌أم سلمة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (‌إذا ‌دخلت ‌العشر ‌وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يمس من شعره وبشره شيئا) رواه مسلم.

أقول ما سمعتم وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله حمداً كثيراً، والصلاة والسلام على رسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

عباد الله: أوصيكم بتقوى الله في السر والعلن، فهي حبل النجاة من المحن والفتن، وخير زاد ليوم العرض العظيم.

أما بعد: معاشر المؤمنين: اجتهدوا بالأعمال الصالحة، وأكثروا منها ونوعوها، واضربوا في كل نوع من أنواع الطاعات بسهم ونصيب؛ فهي أيام مباركة عظيمة.

ارفعوا أصواتكم بالتكبير في كل مكان؛ في الأسواق، والمساجد، وفي المجتمعات، وفي البيوت، وأكثروا من قراءة القرآن، والتسبيح، والتحميد، والتكبير، والتهليل، واستيقظوا من رقدتكم، وانهضوا من غفلاتكم، فلا تمر بكم ساعات الفضائل وأنتم لاهون غافلون.

والحذر الحذر أن تفرطوا أو تقصروا وقد اجتهد غيركم فتأتون يوم القيامة في حسرة وغبن {يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ} [التغابن: 9].

هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، بقول ربنا سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ‌صَلُّوا ‌عَلَيْهِ ‌وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].

 

www.islamweb.net